الفصل (94) ولدت من جديد: هوس الدوق,

 


سارت "ديليا" على الرمال البيضاء الناعمة لجزيرة "باستون"، وهو مكان لم تقرأ عنه إلا في الكتب في حياتها السابقة والآن. كانت هذه هي المرة الأولى التي تغادر فيها شواطئ "ألبيون" المألوفة، والمرة الأولى في حياتها التي تشعر فيها بذلك الإحساس الغريب والمبهج للرمال الدافئة بين أصابع قدميها العاريتين. غمرتها نسمة عليلة من الشاطئ الفيروزي، حاملة معها رائحة المحيط المالحة وصوت طيور النورس البعيدة. كان عالماً بعيداً كل البعد عن غرف الاستقبال الخانقة والأسرار المظلمة لمنزلها. "جورج" لم يأخذها أبداً إلى أي مكان خلال شهر عسلهما، بل كان يتركها في المنزل تحت رحمة والدته ويذهب للمقامرة.

"من حسن حظي أنني لا أزال أملك بعض العملات الخاصة بي لأنفقها،" فكرت في نفسها، بابتسامة صغيرة صادقة على وجهها. المال الذي كسبته من بيع صبغتها للسيدة "آيلا" بدا وكأنه مفتاح لحرية لم تعهدها من قبل. "هذا بالتأكيد سيصفي ذهني ويهدئ روحي."

وجدت مقعداً خشبياً قديماً يقع عند حافة الشاطئ، قبل أن تبدأ أشجار النخيل الطويلة المائلة. جلست، وسحبت عباءة سفرها البسيطة بإحكام حولها، وراحت تراقب الأمواج. كانت تتدفق، واحدة تلو الأخرى، بإيقاع ثابت ومهدئ بدا وكأنه يغسل التوتر من كتفيها.

على مسافة أبعد على الشاطئ، رأت زوجين شابين، ربما في نفس عمرها وعمر إريك. كانا يمسكان أيدي بعضهما، ويسيران على حافة الماء، وصوت ضحكاتهما يحمله النسيم. كان يتوقف ويهمس بشيء في أذنها، فتضحك بخجل، وترش كاحليه بالماء بمرح. ثم انحنى وقبلها قبلة ناعمة وحلوة على جبينها، فبادلتها هي بالمثل.

نظرت إليهما ديليا وابتسمت، مع تعبير حزين ومتشوق على وجهها. ثم لف الزوج ذراعيه حول زوجته في عناق وقائي محكم. "سأكون دائماً بجانبكِ،" قال بصوت مليء بصدق عميق وبسيط، وهو يربت على ظهرها بينما كانت هي متمسكة به بقوة.

سمعت ديليا الكلمات، ووقعت عليها كما لو كانت أمواج المحيط تتحطم ضد الصخور. تذكرت إريك، وهو يتكئ على نافذة العربة، وعيناه مليئتان بدفء أرعبها. "سأكون دائماً بجانبكِ،" كان قد أخبرها. "لم يعد عليكِ القيام بكل شيء بمفردكِ بعد الآن."

هزت رأسها، محاولة فيزيائياً طرد الذكرى. "إنه يستمر في قول أشياء كهذه لي، مما يجعل قلبي يخفق عندما لا أريد ذلك،" قالت لنفسها، وهي تزم شفتيها قليلاً بينما تنظر إلى المحيط اللانهائي. "لكن هذا لا معنى له." كيف يمكن لرجل بالكاد تعرفه، رجل دخل معها في صفقة تجارية، أن يقطع مثل هذا الوعد العميق؟ "كيف يمكن لشخص أن يعد بأن يكون دائماً بجانبي؟ الأشخاص الذين وثقت بهم طوال حياتي لم يتمكنوا حتى من البقاء بجانبي لفترة طويلة دون خيانتي."

قاطعت أفكارها الحزينة رؤية شخص يقترب. شخصية طويلة، تمشي نحوها من اتجاه المسار الصغير المؤدي إلى الشاطئ. مع اقتراب الشخص، قفز قلبها فجأة من المفاجأة. نظرت بحدة، واتسعت عيناها في عدم تصديق. كان إريك. كان نسيم المحيط القوي يداعب شعره الداكن، مما جعله يبدو خشناً وجامحاً.

"إ... إريك!!! ماذا يفعل هنا؟" فكرت في نفسها، ومزيج محموم من الانزعاج وخفقان غريب وغير مرحب به من السعادة يرتفع في صدرها. أرادت أن تكون وحدها، لتفهم ما تشعر به، وكل ما حدث خلال الأسابيع الماضية، لكن يبدو أن لديها زائراً غير متوقع للتعامل معه.

توقف مباشرة أمام مقعدها. كان يرتدي ملابس سفر بسيطة، لكنه لا يزال يحمل هالة من السلطة التي لا يمكن إنكارها. نظر إليها لأسفل، مع ابتسامة بطيئة ومنتصرة تنتشر على وجهه.

"ها أنتِ ذا،" قال، بصوت مليء بالرضا الدافئ والعميق. "لقد وجدتكِ أخيراً. لقد اشتقت إليكِ، كما تعلمين." ابتسم.

وقفت، ونفضت الرمل عن تنورتها. "كيف جئت..."

قاطعها، وتحولت ابتسامته إلى ابتسامة مشاكسة وعارفة. "أليس هذا هو السبب في ترككِ للملاحظة؟" سأل. "لكي أتمكن من العثور عليكِ؟"

احمرت وجنتا ديليا. "لا!" أجابت، بسرعة أكبر مما ينبغي. "لم أردك أن تقلق، هذا هو..."

تحولت نظرة إريك من وجهها إلى السماء فوقهما. بدأت سحب داكنة وثقيلة تتشكل في الأفق، قادمة من جهة البحر. "لكن لماذا جزيرة باستون، من بين كل الأماكن؟" تابع، بتغير في نبرته. "إنها تمطر كثيراً هنا في هذا الوقت من العام." نظر عائداً إلى المحيط، ومر ظل على ملامحه. "أنا لا أحب المطر."

نظرت ديليا إلى السحب المتجمعة. "أوه، لم أكن أعرف ذلك،" قالت. "لطالما سمعت عن مدى جمال جزيرة باستون وأردت رؤيتها بنفسي. لكن المنظر جميل جداً، ألا تعتقد ذلك؟ وصوت المطر يمكن أن يكون مهدئاً أيضاً."

"أجل،" قال إريك، بصوت بعيد وهو يجلس على المقعد. "إنه جميل. المنظر جميل حقاً."

جلست ديليا بجانبه، تاركة مساحة محترمة بينهما.

"لكن بالنسبة لي،" قال بهدوء، وعيناه لا تزالان مثبتتين على الأفق، "المطر هو الشيء الأكثر رعباً في العالم. الصوت، الطريقة التي يجعل بها الأرض تفوح برائحة معينة، البلل على الجلد والأرض، الطريقة التي يزمجر بها الرعد وهو يسقط بكثافة شديدة." نظر إلى ديليا للحظة وجيزة، وكانت عيناه مليئتين بضعف عميق وخام جعل أنفاسها تتوقف في حلقها. ثم نظر عائداً إلى المحيط.

"هل تريدين معرفة لماذا لا أحبه؟" سأل، بصوت هامس منخفض وجاد.

تعليقات

المشاركات الشائعة