الفصل (32) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,

 


"يا لها من فوضى. أخبرتها أن تتحمل المسؤولية، وكل ما تفعله هو الاعتذار،" تمتم سايمون وهو يشعل سيجارة ويلتفت مغادراً المشهد. كان يظن أن الدماء كانت لتسيل بالفعل لولا وجود أوسكار في الخارج. بدا المشهد أمامه عبثياً لدرجة لا تُطاق.

أمر سايمون قائلاً: "اذهب وابحث عن مكان لدفن تلك المرأة"، لكن ملازمه، الذي كان يقيس مزاج رئيسه بحذر، تردد.

"ولكن سيدي... يبدو... يبدو أنها بدأت تستعيد وعيها."

"ماذا؟" التفت سايمون بحدة بينما كان على وشك إشعال سيجارته. التقت عيناه بعيني المرأة المستلقية تحت الضوء الباهت والناعم.

كانت العينان البنيتان على وجهها الشاحب لافتتين للانتباه، مما جذب نظرات سايمون. وفي تلك اللحظة من تواصل الأعين، أدرك أن المرأة تستعيد حواسها بالفعل.

"أنا آسفة يا آنستي،" تمتمت  العجوز من "فيلفي" وهي تواسي المرأة التي كانت تنوي بيعها سابقاً. أما الأجنبية (سيو آه)، الغافلة عن النوايا القاسية وراء أفعال المرأة السابقة، فقد بدأت تجد السلوى والراحة تدريجياً في حضنها.

بالطبع، كان رد فعل سايمون تجاه هذا المشهد هو الازدراء التام.

تمتم قائلاً: "لا يمكنني حتى البدء في استيعاب هذا. ما هذا المشهد اللعين؟" ولكن حتى وهو يراقبها، بدأت عينا المرأة تصبحان أكثر وضوحاً، وتبدد الضباب عنهما.

هذه المرأة، التي أصبحت الآن بمثابة مفتاح حي، لا يمكن السماح لها بالموت، ولا يمكن تركها تفقد عقلها.

راقبها سايمون ببرود وهو يشعل سيجارته أخيراً. لم يكن يهمه كيف استعادت وعيها، كل ما يهمه هو أنها استيقظت بالفعل.

"حسنًا، ما دامت مستيقظة، فهذا هو كل ما يهم."

ومن خلال الدخان المتصاعد، استطاع سايمون رؤية هاتين العينين البنيتين مرة أخرى. وممسكاً بالسيجارة في إحدى يديه، وجه إليها تحية ساخرة:

"هل استعدتِ وعيكِ الآن؟"

بدأت بقايا الكابوس الذي كان يسيطر عليها تتلاشى عندما شعرت "سيو آه" بدفء الشخص الذي كان يواسيها، رغماً عن أن الصوت الذي وصل إلى مسامعها الآن بدا أعلى بكثير وأكثر إلحاحاً.

التفتت لتجد نفسها تحدق في عينين قرمزيين؛ كان الرجل من قبل ينفث الدخان وهو يتحدث.

جعلتها نبرة صوته الحادة تدرك أن هذا الرجل كان جزءاً من المحادثة المرعبة التي تنصتت عليها سابقاً. كما عرفت أنه الشخص الذي كان يقف إلى جانب "ذلك الرجل".

ومع اقترابه منها، ظهر رجال آخرون ببنية ضخمة ومخيفة خلفه، وسحبوا المرأة التي كانت تحتضن "سيو آه" بعيداً. اختفى الدفء الذي أنقذها للحظات قصيرة عندما سُحبت المرأة، التي أدركت "سيو آه" الآن أنها صاحبة النزل الأنيقة.

انفتح الباب قليلاً، ليكشف عن حضور ثقيل ومؤثر يحمل نذير شؤم ينتظر في الخارج.

حاولت "سيو آه" الوقوف، لكن ركبتيها انهارتا. استندت على يديها لتثبيت نفسها، لتجد نفسها تحدق في ساقين طويلتين ونحيفتين. وتوقف الحذاء الأسود اللامع على بعد خطوة واحدة منها.

"هل يمكنكِ السير؟" كانت نبرة الرجل مهذبة، لكنها شعرت أنه سيجعلها تزحف إن قالت لا.

"نـ.. نعم،" خرجت الكلمة من حلقها الجاف والمتشقق. أدار الرجل ظهره لها وبدأ يبتعد، مستخدماً خطواته الطويلة التي قادته نحو الباب. أطفأ سيجارته في منفضة السجائر قبل أن يلتفت إليها مجدداً.

كان أمره الصامت لها باتباعه واضحاً للغاية، وضخ قلب "سيو آه" بعنف وهي تجبر نفسها على التحرك. وخلف الباب، كانت الأجواء الثقيلة الملتفة تنتظر مثل ثعابين مستعدة للانقضاض.

*أين أنا؟ ومن هؤلاء الناس الذين ينتظرون استيقاظي؟*

الرجل الوحيد الذي خطر ببالها هو "ذلك الرجل"، الذي بدا وكأنه صُنِع من الظلام نفسه.

تردد صدى تحذير سيدها في عقلها: إن الكشف عن أن المفتاح بحوزتها سيهدد حياتها، ليعرضها لخطر يجعلها هشّة كشمعة في مهب الريح.

لكن حياتها لم تكن ذات قيمة كبيرة بالنسبة لها. إذا كانت بداية حياتها خطأً، فإن الموت هو التكفير الحقيقي الوحيد.

كان قلبها ينبض كالرعد، وأنفاسها تتصاعد كالضباب، وبينما كانت تتبع الرجل عبر الباب، شعرت بالأجواء الخانقة تزداد ثقلاً وقسوة.

كانت المساحة الواسعة التي دخلت إليها مفعمة بهيبة تكاد تكون خانقة. وعلى الرغم من تدفق أشعة الضوء عبر النوافذ، إلا أن الغرفة بدت مظلمة بسبب الرجال الوشاحين بالسواد الذين ملأوا المكان.


كان كل رجل من هؤلاء يشع بهالة تختلف تماماً عن حراس بنك "فيلفي"؛ فقد كانوا حادّين كشفرات صُقلت بعناية، وضخاماً كالجبال الشاهقة.


وما إن خطت "سيو آه" إلى الداخل، حتى شعرت بثقل نظراتهم يتساقط عليها، وكأنها ضلت طريقها لتسير في وادٍ غادِر مليء بالصخور الحادة والرياح القارسة.


توقفت غريزياً، لكن الرجل ذو العينين الزرقاوين (سايمون) واصل السير وكأنه غير آبه بالخطر المحيط بهم. كان يتحرك في أرجاء الغرفة بخفة مفترس، بينما يتنحى الرجال جانباً ليفسحوا له الطريق؛ كانت تحركاتهم دقيقة للغاية تشبه لوحة فنية تدب فيها الحياة مع استقرار كل قطعة في مكانها الصحيح.


وعندما اصطف الرجال في خطين طويلين متوازيين، توقف. وانحنى بعمق جهة اليمين، بينما انعكست أشعة الشمس على ظهره المكسو بالسواد.


بدا كل شيء يتدفق بسلاسة، غير أن الغرفة كانت تغرق في صمت مهيب ومريب. كان صوت أنفاس "سيو آه" يبدو عالياً بشكل غير طبيعي في أذنيها، بينما كاد ضوء الشمس المنعكس على ظهر الرجل يعمي بصرها.


وفجأة، انشق ذلك الضوء الساطع كستار يُرفع جانباً.


هناك مقولة قديمة في الكتب المقدسة تقول: *في البدء كان النور، ومن ذلك النور وُلِد الظلام.*


والرجل الذي ظهر من خلف القامة المنحنية بدا تماماً كأنه ذلك الظلام المولود من رحم النور.


انحنى الرجال المصطفون على جانبي الغرفة برؤوسهم مع اقترابه. كان يتحرك بينهم كملك يجوب أرجاء مملكته، وكانت كل خطوة من خطواته موزونة ومتأنية.


وعندما اعتدل الرجل ذو العينين الزرقاوين في وقفته وأخذ مكانه على اليمين، وقف الوافد الجديد في المنتصف؛ حيث تتجلى سلطة النفوذ والقوة بلا أدنى شك. وضع يديه في جيبيه، ووقف بثقة تكاد تبدو كسلانة، ومع ذلك فإن حضوره الطاغي طمس وجود الرجال الذين كانوا يحفون به.


وعندما تجرأت "سيو آه" أخيراً على رفع نظراتها، التقت عيناها بعيني الرجل ذو العينين الزرقاوين، فخفضت رأسها على الفور. كان قلبها ينبض بعنف شديد لدرجة ظنت معها أنه قد ينفجر، وقبضت يداها على تنورتها بإحكام، وشعرت بأنفاسها تحتبس بينما تركزت حواسها بالكامل على الرجل الواقف أمامها.


بدأ بالتحرك.


كانت كل خطوة يخطوها نحوها تبدو كموجة عاتية تندفع لتجتاحها، ولم يكن أمامها خيار سوى مراقبته وهو يقترب؛ فلم يكن هناك مفر، ولا سبيل لتجنب ما هو حتمي.


ظهر حذاؤه الأسود اللامع وساقاه الطويلتان في نطاق رؤيتها المنخفض، ومع سقوط ظله فوقها، سمعت ضحكة خافتة وناعمة تحمل نبرة أنفاسه.


"لا تجلسي هكذا مطأطئة الرأس—انظري إليّ."


كان الصوت منخفضاً، ممتزجاً بنبرة تسلية، لكنه أرسل قشعريرة باردة جرت في عمودها الفقري. ارتفع ذقنها لا إرادياً استجابة للأمر، ورفعت رأسها ببطء، وإن كانت لم تقو بالكامل على النظر إلى وجهه مباشرة.


كان الرجل الماثل أمامها فارع الطول، تكسو سُترته السوداء كتفان عريضان. وجعلت ضحكة مكتومة أخرى كتفيها يتصلبان، ودون سابق إنذار، انحنى بجسده ليرتفع وجهه بمستوى وجهها تماماً.


"...!"


أجبرها هذا الاقتراب المفاجئ على مواجهة ملامحه، والتي طُبِعت في ذاكرتها كعلامة وسم حارقة.


كان شعره الأسود يلتف بأناقة، متناقضاً مع أنفه الحاد وعينيه الطويلتين الضيقتين، بينما كان فكه بارزاً بزوايا حادة، وعيناه الزرقاوان بلون السماء نافذتين كأنها سماء خريف باردة.


لقد كان وسيماً، لدرجة لا تُحتمل تحت أشعة الشمس المتوهجة. وحين استقرت نظرات "سيو آه" على شفتيه المنحنيتين قليلاً إلى الأعلى، سرعان ما خفضت رأسها ثانية، لتموت الكلمات في حلقها وهي تسمعه يضحك مجدداً.

كان صدى ضحكته،

 الناعم والجذاب، يلتف حول عنقها كحبل مشنقة.



تعليقات

المشاركات الشائعة