الفصل (27) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,
خرج صوت مكتوم ومفعم بالألم الشديد من حنجرة الرجل؛ إذ شعر وكأن لسانه يذوب تمامًا. واجتاحت رائحة لحمه المحترق منخريه، لتحيل كل ثانية تمر إلى دهر من العذاب والشقاء. ولم يبدِ ذلك الشيطان ذو العيون الزرقاء الجليدية الواقف فوقه أي ذرة من الرحمة، بل اكتفى بالنظر إليه بنظرة باردة ومنفصلة تمامًا عن الواقع.
وبعد ما بدا وكأنه دهر، حوّل أوسكار نظراته أخيرًا عن الرجل. ووقعت عيناه على صاحبة الماخور، التي كان رجاله قد سحبوها إلى الداخل في صمت. وقفت المرأة مذهولة ومشلولة الحركة في ذلك الجحيم الصامت الذي تكشف أمام عينيها.
— "آه..."
أما أوسكار، الذي سحق رجلاً ناضجًا تحت قدمه بكل تلك السهولة، فقد اعتدل في وقفته بهدوء، نافضًا يديه بلامبالاة. وبمجرد أن أُتيحت للرجل حرية الحركة، زحف نحو صاحبة الماخور كحيوان مهزوم وهو يئن من شدة الألم. ورغم قسوة المشهد، ظل أوسكار باردًا ولم يتغير فيه شيء منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدماه هذا القصر.
— "لقد وصلتِ إذن؟"
أرسلت نبرته المنخفضة، والتي بدت هادئة تكاد تكون لطيفة، قشعريرة باردة سرت في عمودها الفقري. وتبخرت من رأسها كل الأفكار المتعلقة بالجواهر الثمينة أو الأرباح الطائلة المتوقعة، ليحل محلها رعب غريزي جرف معه كل تفكير عقلاني مثل مد تراجع سريعًا. انهارت المرأة على الركبتين، وضغطت بجبهتها على الأرض الباردة.
وهمست قائلة:
— "لقد أخطأت..."
نظر أوسكار إليها من علٍ دون أن يبدي أي أثر للمشاعر، في حين كان رجاله يتحركون في المكان بهدوء وكفاءة عالية، وكأنهم يتوقعون أوامره قبل أن ينطق بها.
— "لقد أخطأت؛ أرجوك اعفُ عني واصفح عني."
وبينما كانت مستلقية على الأرض بوجهها، لاحظت كيسًا ثقيلًا من المال يسقط أمامها، ليرتطم بالقرب من البقعة الملوثة بجوارها.
جعل هذا المشهد سيو آه تدرك في قرارة نفسها أن هؤلاء الرجال المستلقين بلا حراك عند قدميها ليسوا سوى تجار بشر قساة القلوب.
أخذت صاحبة المكان ترتجف بشكل لا يمكن السيطرة عليه، وضغطت بجبهتها مجددًا على الأرض الباردة، وشعرها يتناثر من حولها. حاولت جاهدة أن تفهم سبب حدوث كل هذا لها؛ لماذا يصب هذا الرجل الغامض كل تركيزه على هذه الفتاة؟ ولماذا تُعامل هي بهذه القسوة والمهانة؟ لكن كل تلك الأسئلة لم تعد ذات قيمة الآن. لقد نالت عقابًا قاسيًا لمجرد محاولة احتجاز فتاة، وأسباب معاقبتها كانت أكثر من أن تُحصى.
— "أر-أرجوك اعفُ عني..."
ومع كل خطوة بطيئة ومدروسة يخطوها أوسكار نحوها، شعرت وكأنها على وشك الإغماء من فرط الذعر. لقد ظنت نفسها امرأة خبيرة بالحياة وذات نفوذ، لكنها لم تشعر قط في حياتها بمثل هذا الرعب المطلق.
— "سامحني، أرجوك، اعفُ عني..."
بدت كل تبريراتها السابقة، وأفكارها حول القوانين والتوازنات السلطوية، مثيرة للسخرية الآن، كأنها بقايا حلم عابر يتلاشى مع الصباح.
توقف أوسكار أمامها مباشرة، واضعًا يديه في جيبيه، شاخصًا بنظراته نحو جسدها المرتجف. وأخذ يزن خياراته بتأنٍ حول كيفية التعامل معها.
ما هو الخيار الأكثر كفاءة وجدوى؟
في الواقع، كانت صاحبة الماخور—التي ظن سايمون أنها تحفر قبرها بيدها—محظوظة؛ ففي مكان صغير مثل "فيلف"، لم يكن إراقة الدماء دون سبب خطوة حكيمة.
قال أوسكار بنبرة هادئة وحازمة:
— "لم يكن هناك أي ضيف يقيم هنا الليلة."
أومأت برأسها بهستيرية مسرعة:
— "نعم، بالطبع."
— "وتلك المرأة التي اشتريتِها مقابل خمسة آلاف... لم تطأ قدماها هذا المكان قط."
— "بالتأكيد، لم تكن هنا أبدًا،" وافقت على الفور دون تردد.
— "نظّفي هذا المكان."
دفع أوسكار أحد الأجساد الملقاة بطرف حذائه، وأضاف:
— "هل يمكنني الاعتماد عليكِ للتعامل مع هذا الأمر؟ إن لم يكن كذلك، فسأتولى الأمر بنفسي."
— "لا، أرجوك ثق بي، سأهتم بكل شيء وأدبر الأمر،" تمتمت بصوت متعثر، وهي تكرر تأكيداتها دون أن تعي تمامًا ما تقوله من فرط الخوف.
قال أوسكار بنبرة ناعمة، تكاد تكون ودودة:
— "حسنًا. سأثق بكِ إذن."
جعلتها نبرته هذه تفيض بعبارات الامتنان والشكر، وكأنها تتحدث إلى مخلصها وجالب طوق النجاة لها.
— "شكرًا لك، شكرًا جزيلًا لك."
لكن الوقت كان لا يزال مبكرًا جدًا لتشعر بالأمان التام.
سألها أوسكار، وتحولت نظراته فجأة نحو السرير:
— "إذن، ما الذي أعطيتِها إياه؟"
انتفض جسد المرأة ذعرًا، ورفعت رأسها بسرعة لترى أوسكار واقفًا بجانب الفراش، بقامته الفارهة وهو ينحني قليلاً فوق الفتاة.
تلك الفتاة، التي كانت قبل قليل تتشبث بالباب كدرعها الوحيد، تغير حالها تمامًا منذ أن رآها أوسكار آخر مرة. وجهها الذي كان شاحبًا وخاليًا من الحيوية، غدا الآن محتقنًا باللون الأحمر. أما عيناها الغائبتان واللتان ترتعشان، فكانتا تكافحان بصعوبة لتبقيا مفتوحتين.
— "هاا..."
كانت أنفاسها متلاحقة وقصيرة، لكنها ممتزجة بحالة غريبة من الخمول والضعف الشديد.
لقد كان أوسكار حائرًا في البداية من إصرار صاحبة الماخور على التمسك بالفتاة. وحتى عندما علم بالمبلغ الطائل الذي دفعته مقابلها، لم يستوعب الأمر؛ فما الذي تريده من شخص لا يقوى حتى على التواصل البصري بشكل سليم؟
لكن برؤيتها على هذا النحو الآن، بدأ يستوعب الأمر؛ لقد كان هناك شيء مميز لَمحته صاحبة الماخور فيها.
اعتدل أوسكار في وقفته، ونقل بصره نحو صاحبة الماخور التي كانت ترتجف وهي تزحف مقتربة نحو السرير، وقال بصوت حاد:
— "إذن، لقد قمتِ بالفعل بفعلة حمقاء لا داعي لها؟"



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا