الفصل (3) Our Summer Is Not Over | صيفنا لم ينتهِ بعد,

 



❈──────•◈◈◈•──────❈

"أنوي أن أعيش معكِ كأي زوجين طبيعيين."

همست ميا بكلمات ديلان بصوت خافت، وكأنها تختبر ثقلها. وفي اللحظة التي نطقت فيها بشيء غريب كهذا، شعرت وكأن وجهها المنعكس في المرآة قد اهتز. كانت ترى شفتيها تتحركان بوضوح، لذا لم يكن هناك شك في أن الكلمات كلماتها، ومع ذلك، لم يكن للأمر أي معنى بالنسبة لها.

ومهما حاولت تقليب الفكرة في رأسها، لم يتغير معناها.

"أن نقضي الوقت معاً."

ولكن لماذا؟

"أن نتشارك غرفة النوم… ومرات لا تُحصى، سنتشارك السرير نفسه."

لم يكن بينهما سوى شعور بسيط بالزمالة، ولم يكن زواجهما في الأصل إلا اتفاقاً مدروساً ومبنياً على المصالح المشتركة.

"ليس لدي أي نية لحصر هذا الأمر داخل غرفة النوم فقط."

لقد صاغ كلامه بأسلوب النبلاء الراقي، لكن نيته كانت واضحة تماماً؛ كان يقصد أن ينام معها كأي زوجين عاديين.

ومن الناحية الموضوعية، لم يكن ينقص ديلان شيء؛ فهو وسيم، ومثالي، ولم يكن فيه كشخص أي عيب يجعله غير مرغوب فيه.

لم يكن شعورها تجاهه هو الاشمئزاز.

كل ما في الأمر—

أنها لم تكن تفهم السبب.

*"لماذا أنا بالذات؟"*

فكرة أنه قد يرغب في جسدها اختفت من رأسها بمجرد أن فكرت فيها. فمن عساه ينظر إلى جسد مليء بالندوب والتشوهات ويشعر برغبة تجاهه؟

الأهم من ذلك، أن ميا لم يكن بمقدورها البقاء في الظلام طويلاً، كان عليها دائماً البقاء في الضوء. وهذا يعني أنه إذا شاركت ديلان الفراش يوماً ما، فلن يكون أمامه خيار سوى رؤية جسدها القبيح.

*"هل لأنه غاب لطول هذه المدة… نسي كيف يبدو جسدي، وأخذ يقول مثل هذا الكلام السخيف؟"*

سعلت ميا بضع سعلات جافة، وهي تمرر يدها بشرود فوق رقبتها.

وعندما هدأت أفكارها، لم يبقَ أي أثر للمشاعر على وجهها. ارتدت قميص النوم الذي أُعدّ لها بخفة واعتياد. ومثل الملابس التي كانت ترتديها سابقاً، كان طويلاً بما يكفي لإخفاء كل ندوبها.

تأملت ميا انعكاس صورتها في المرآة خلف طاولة الزينة، ثم أغمضت عينيها ببطء قبل أن تفتحهما مجدداً.

*"لا داعي لمحاولة فهم ديلان."*

فلا فائدة من تحليل الأمور.

وكعادتها دائماً، كل ما تحتاجه هو أن تضبط نفسها وتظل هادئة.

في هذا العقد المشترك، كانت هي بوضوح "الطرف الثاني". وكل ما عليها فعله هو التصرف وفقاً لما يريده "الطرف الأول".

*"أحتاج فقط لإنهاء هذا الأمر بسرعة والعودة."*

بالطبع، موقف غريب كهذا لا يجب أن يتكرر أبداً. وفي المرة القادمة، يجب أن يكون العقد أكثر دقة وتفصيلاً، بحيث لا يترك مجالاً للاجتهاد أو التفسير.

*"لا بأس. سأعطيه كل ما يريد… وهذه المرة، سأنهي الأمر بالتأكيد."*

ونظرت إلى نفسها في المرآة، وكررت العبارة مراراً وتكراراً.

*عودي إلى المنزل. لنعد إلى المنزل يا ميا.*

*✦ ❖ ✦*

بحلول الوقت الذي انتهت فيه ميا من الاستعداد للحفلة التي تقام بمناسبة انتهاء الحرب، كانت الشمس قد بدأت بالمغيب، وملأ ضوء الصيف الأخير والناعم أرجاء الغرفة.

ووسط الخادمات اللواتي كنّ يتحركن في عجلة هادئة ويتهامسن فيما بينهن، وقفت ميا في مكانها، بظهر مستقيم وابتسامة هادئة على شفتيها، لكنها ابتسامة لم تصل يوماً إلى عينيها.

"سيدتي، ألن ترتدي أي مجوهرات؟"

"لا بأس، لا داعي لها."

التفتت بنظرة سريعة نحو المرآة، فرأت نفسها بشعر ملموم ببساطة، وفستان أبيض يغطي رقبتها بالكامل. لم يكن الفستان مبهرجاً أو مليئاً بالزخارف، بل كان هادئاً لدرجة أنها تستطيع ارتداءه بمفردها، لكن تفاصيل الدانتيل الناعمة أضفت عليه أناقة رصينة.

"من المؤسف أنكِ ترتدين دائماً ملابس متشابهة."

تمتمت إحدى الخادمات بهذه الشكوى بصوت منخفض. فنظرت إليها بقية الخادمات بنظرات تحذيرية سريعة، رغم أنه كان من الواضح أنهن يشاركنها الرأي نفسه. فمن بين جميع السيدات النبيلات، كانت ميا الوحيدة التي تلبس بهذا الزهد والبساطة.

لم تكن تحب المجوهرات المعقدة، ولم تكن تطلب فساتين جديدة في كل موسم. ومن وجهة نظر الخدم، كانت سيدة سهلة التعامل والمراعاة، لكن هذا لم يكن يعني بالضرورة أن الأمر إيجابي تماماً.

وعندما ساد الصمت، قامت الخادمة الواقفة بجانب التي أخطأت بوخزها بخفة لتنبيهها. فارتبكت الأخيرة وترددت، ثم نظرت إلى ميا وقدمت اعتذاراً سريعاً:

"أنا آسفة يا سيدتي."

"لا بأس. يمكن للمرء أن يرى الأمر من هذه الزاوية."

وكالعادة، كان ردها لطيفاً ومتسامحاً. عندها فقط ارتاحت الخادمات، وعادت كل واحدة منهن لإنهاء عملها.

وما زالت ميا تواجه المرآة، فرفعت يدها ولمست بلطف خط رقبتها المكشوف، المكان الذي من المفترض أن تضع فيه قلادتها .

"هل أحضر لكِ مجوهراتكِ؟"

سألتها إحدى الخادمات بسرعة بعد أن لاحظت حركتها. فهزت ميا رأسها ونهضت من مقعدها.

"أعتقد أن الوقت قد حان للمغادرة."

في العادة، تنتظر المرأة النبيلة من يرافقها ويقودها إلى الحفل. لكن طوال السنوات الثلاث الماضية، كانت ميا تحضر مثل هذه المناسبات بمفردها، فلم يخطر ببالها حتى أن تنتظر أحداً ليصحبها.

"سيدتي… ربما يجدر بكِ انتظار سموه ليرافقكِ—"

ولم تبدُ ميا، التي كانت واقفة بالفعل عند الباب، وكأنها سمعت الاقتراح الهادئ. اكتفت بهزة رأس صغيرة، فصمتت الخادمة وأسرعت لفتح الباب.

وعينها في الأرض، خطت ميا خطوة للأمام—

لكنها توقفت فجأة عندما اصطدم طرف حذائها بحذاء آخر أكبر بكثير من حذائها.

*"من—"*

ولم يكد السؤال يتشكل في ذهنها حتى رفعت عينيها ببطء.

لون أبيض.

بدلة بيضاء ناصعة ظهرت أمام عينيها.

ارتفعت نظراتها قليلاً لتمر بالرتب الذهبية على الكتف، ثم الوشاح المزين بالأوسمة.

وكان الضوء الخافت للمبنى الملحق، الممتزج مع آخر أشعة للشمس الغاربة خلف النافذة، ينعكس على شعر ذلك الشخص الذهبي—

شعاع وهاج كاد يخطف الأبصار.

وربما لأنه يحضر حفلة رسمية، كان شعره مصففاً إلى الخلف بعناية. ولفترة وجيزة، خطرت لها فكرة عابرة: *من قد يظن أن هذا الرجل جندي وهو يبدو بهذا المظهر الفخم؟*

لكن—

في اللحظة التي التقت فيها عيناها بعينيه الزرقاوين العميقتين، سكنت أفكارها تماماً. ومرت لحظة صمت قصيرة قبل أن تستعيد ميا هدوءها وتتحدث:

"ديلان؟"

"هل كنتِ تنوين الذهاب بمفردكِ؟"

"آه… كان من المفترض أن نذهب معاً اليوم. يبدو أنني نسيت."

وجاء ردها مصحوباً بابتسامة مرسومة بعناية.

"هل وجودي يضايقكِ؟"

ترددت ميا في الإجابة. لم تكن ممن تظهر مشاعرهم على ملامحهم، وظنت أن ديلان لن يلاحظ شيئاً، ومع ذلك، يبدو أنه انتبه.

"لا، أبداً."

"إذن، هذا جيد."

وكأنه لا يريد الإلحاح أو الضغط عليها، أنهى ديلان الموضوع عند هذا الحد. وأخذ يدها ووضعها برفق على ذراعه.

وبينما بدآ في السير، تحدث مرة أخرى:

"هل اتخذتِ قراركِ؟"

ورغم أنه لم يحدد الموضوع، إلا أن المعنى كان واضحاً تماماً.

"لست متأكدة. ليس بعد."

"أفهم ذلك."

"لن يستغرق الأمر طويلاً."

وبعد ذلك، لم يأتها أي رد منه. سارا في صمت مستمر، ولم يمر وقت طويل حتى تجاوزا المبنى الملحق، ومرا عبر القصر الرئيسي، ثم خرجا إلى الهواء الطلق.

وبما أن القصر يقع بجوار البحر، كان صوت الأمواج وهي تضرب الشاطئ برفق يداعب مسامع ميا. ومع كل خطوة، كانت نسمات البحر المحملة بالرطوبة تلامسهما، وتترك رائحة الملح الخفيفة في الأجواء.

ومع ذلك، تلاشت كل تلك الروائح—

أمام رائحة ديلان الزكية والغريبة التي كانت تفوح منه وهي بجانبه.

كانت الرائحة هادئة لدرجة تلطيف الحواس، وغير مألوفة عليه تماماً. وبمجرد أن استقرت هذه الفكرة في رأسها، بدأ ضوء الغسق يبتلعهما بالكامل.

ضاقت عيناها وهي تحاول الرؤية وسط الضوء الخافت. وفي تلك اللحظة، تحدث ديلان بصوت هادئ ومستقر:

"أنا نتطلع إلى قراركِ الحكيم."

*✦ ❖ ✦*

كانت الحفلة التي أقامتها العائلة المالكة في "هيبولي" للاحتفال بعودة الأسطول البحري فاخرة وضخمة أبعد مما يمكن وصفه. ومع ذلك، لم يظن أحد من الحاضرين أن هذا البذخ مبالغ فيه؛ ففي النهاية، انتهت حرب استمرت اثني عشر عاماً، وأولئك الذين أنهوها يستحقون تماماً الوقوف وسط هذا المجد.

" صاحب السمو، الأميرال الدوق ديلان راينهارد، وصاحبة السمو الدوقة سادي ميا راينهارد."

وفي لحظة، ساد الصمت في القاعة التي كانت تعج بالحركة والحديث، والتفتت كل العيون نحو الأبواب التي فُتحت.

وكالعادة، دخلت ميا بأناقة وهدوء، بينما سار ديلان إلى جانبها—بحضور أقوى وأوضح مما كان عليه قبل ثلاث سنوات—بخطوات واثقة وموزونة.

وبانضباط يليق بجندي، أنهى مرافقتها الرسمية قبل أن يطبع قبلة سريعة وخفيفة على ظهر يدها.

ومن بعيد، لم يكن بإمكان النبلاء سماع ما دار بينهما من حديث، لكن لم يكن من الصعب عليهم تخيل ما يمكن أن يقوله زوجان يلتقيان بعد فراق دام ثلاث سنوات.

شيء رقيق، شيء حميمي، شيء دافئ يجعل المشاعر تتحرك.

وظلت هذه الصورة عالقة في الأذهان—ذلكما الزوجين الشابين اللذين يجمعان بين الجمال والجاذبية من بعيد—حتى افترقت أيديهما أخيراً، وتوجه كل منهما إلى مكانه المخصص.

"لقد مر وقت طويل."

"سيدة راينهارد، إنه لشرف كبير أن أراكِ مجدداً."

"هل أنتِ بخير؟"

أدارت ميا الحديث بلطف وسلاسة، واستقبلها الحاضرون بابتسامات جاهزة ومرحبة. وبمجرد انتهاء التحيات السريعة، استأنفت السيدات أحاديثهن المعتادة ببراعة، وتبادلن الابتسامات الرقيقة.

وبفضل ذلك، سرعان ما ساد الدفء في المكان.

ثم تحدثت إحداهن بحذر وتردد:

"سيدتي… هل لي أن أسأل إن كان هناك أي جديد بشأن وراثة لقب راينهارد؟"

وعلى الفور، التفتت بقية السيدات بنظرات خاطفة نحو من طرحت السؤال، وفي الوقت نفسه انتظرن جميعاً—في صمت—سماع إجابة ميا.

"آه… الوراثة."

فمنذ أربع سنوات، عندما اقترحت مملكة "موراد" هذا الزواج السياسي، اشترطوا أن يكون زوج الأميرة الأولى نبيلاً من أعلى الرتب في "هيبولي". وكان هذا الشرط يضع هيبولي في موقف مستحيل وضغط كبير.

فإذا وُلد طفل من هذا الزواج، فسيمنح ذلك مملكة "موراد" حقاً شرعياً للتدخل في شؤون "هيبولي". ومع ذلك، لم يكن الرفض خياراً ممكناً.

وفي ذلك الوقت، تقدم ديلان وأعلن أن لقب واسم "راينهارد"—الذي مُنح له تقديراً لإنجازاته في الحرب—لن يتم توارثه لأي ابن. وبعد فترة وجيزة، وافق ملك "هيبولي" على هذا الشرط، وتم ترتيب الزواج بين ديلان وميا.

والآن بعد أن تغيرت الظروف وانتهت الحرب، كان من الطبيعي تماماً أن يبدأ الناس في التساؤل عن موضوع الوراثة مرة أخرى.

وظلت ميا صامتة. ولأن إحداهن شعرت بثقل السؤال، تدخلت بسرعة لتلطيف الأجواء قائلة:

"لقد مرت أيام قليلة فقط على انتهاء الحرب. ربما من المبكر جداً الحديث عن مثل هذه الأمور."

وتبعت ذلك ضحكات خفيفة لتجاوز الموقف المحرج، وتحول مجرى الحديث.

"الأهم من ذلك، الآن بعد أن عاد الجنود، أتوقع أن تبحث الكثير من السيدات عن طبيبات نسائيات قريباً."

فقد عاد الأزواج من الحرب بعد غياب طويل، وظهرت ابتسامات خفيفة وذات مغزى على وجوه السيدات الحاضرات.

*✦ ❖ ✦*

تعليقات

المشاركات الشائعة