الفصل (16) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,

 


## الفصل 16: الفخ المخملي والخطوة الأولى

فقد كان يُعتقد أن "بيتر" قد أخفى وثيقة هناك لضمان نجاته؛ وثيقة يُشاع أنها تحوي المراسلات السرية المتبادلة بينه وبين ملك لوكسين السابق.

ومع تعدد السبل والوسائل لإحكام القبضة على ملك لوكسين وتطويعه، إلا أن الوسيلة الأكثر وثوقاً وحسماً كانت تقبع في جوف تلك الخزينة. ولهذا السبب عينه، بادر ملك لوكسين بالاتصال سراً برئيس مصرف فيلفي. ولهذا الدافع وحده، ظلت تلك الخزينة محتفظة بقيمتها البالغة كبوليصة تأمين رابحة. ولكن الآن، ومع انتقال المفتاح إلى حوزة امرأة مجهولة، تعيّن على أوسكار أن يكون هو السبّاق لفتحها ووضع يده عليها.

"أهذا هو المكان؟"

توقفت العربة أمام حي ترفيهي فاخر يقع على مقربة من قصر أرمان روز. وانعكس الضياء الدافئ الجذاب المنبعث من مصابيح الحي ليضفي هالة ناعمة على جبين أوسكار.

أجاب سيمون: "نعم، يا صاحب السعادة".

ولمعت مسحة من التهكم والازدراء في عيني أوسكار وهو يتأمل ذلك الحي الفاخر ذي السمعة المشبوهة.

"إن مراقبة الحياة السرية للآخرين لمرة واحدة كانت كافية وزيادة".

اقترح سيمون: "سأرسل الرجال إلى الداخل لإحضارها".

"كلا".

فقد مر عليه زمن كان فيه مفتاح الخزينة يؤرق مضجعه ويسيطر على كل لحظة من يقظته، زمن بَذل فيه الغالي والنفيس بحثاً عنه، ممزقاً حجب هذا العالم دون جدوى أو طائل.

أرجع أوسكار شعره إلى الخلف وترجل من العربة. وانحنى العاملون في الحي الترفيهي برؤوسهم إجلالاً واحتراماً فور نزوله، مستشعرين أنه ضيف رفيع الشأن وذو حظوة غامرة؛ فلم يجرؤ أحد من الحاضرين على اعتراض سبيله أو الوقوف في وجهه.

ومع خطوه داخل مكان يعبق برائحة العطور الرخيصة النفاذة، والضحكات المبتذلة، والمجون، أشعل أوسكار سيجارته كالعادة.

وعلّق قائلاً: "هذا المكان يبدو باهظ التكلفة؛ لا بد أنها تحوز ثروة وفيرة وأموالاً طائلة".

أشعل سيمون له السيجارة وأجابه: "لا أعتقد أن الأمر كذلك".

التفت أوسكار ليرمق سيمون بنظرة مستفسرة.

"إذن، هي ليست زبونة هنا؟"

"..."

أطلق أوسكار ضحكة خافتة مظلمة: "آه، إذن هي بائعة هوى؟"

تردد سيمون لبرهة قبل أن يجيب بلهجة أكثر رسمية: "هي في طريقها لتصبح كذلك، على ما أظن".

ضاقت عينا أوسكار طفيفاً، لكن سيمون لم يزد على قوله ولم يقدم أي إيضاحات أخرى.

قبل ذلك بنحو ثلاثين دقيقة…

"لقد وصلنا!"

ترجلت "سيو آه" على عجل من العربة وهي تحمل أمتعتها بوعثاء، ورفعت ناظريها تتأمل القصر الشاهق المنتصب أمامها. وعقدت الصدمة لسانها أمام ضخامته المهيبة وهيكله الطاغي؛ حيث كان الموظفون يرتدون زياً موحداً ويتحركون بنشاط وهمة، وبدا عدد الأشخاص داخل القصر غامراً ومربكاً للنفس.

تمتمت في روعها: *لقد قال إنه نزل مزدحم، ولكن...*

"آه..."

بدا الأمر كذلك حقاً. لكن المعضلة الحقيقية التي واجهتها هي أنها لم تكن تملك أدنى فكرة عن تكلفة المبيت لليلة واحدة في هذا النزل الفاخر.

*كم من المال تبقّى في حوزتي يا ترى؟...*

ومدت يدها داخل معطفها تتفحص كيس نقودها وتتحسسه، وفي تلك اللحظة، انفتح باب القصر الضخم ذو الارتفاع المزدوج على مصراعيه، لتطل منه امرأة في منتصف العمر. وتقدمت نحوها وهي ترتسم على ثغرها ابتسامة دافئة مرحبة.

"مرحباً بكِ".

ولم يزد ثيابها الذي يبدو باهظ الثمن "سيو آه" إلا قلقاً وتوجساً.

"عذراً... أود المبيت هنا لليلة واحدة. هل توجد أي غرف شاغرة؟"

وأخذت تعبث بأطراف معطفها في توتر وقلق وهي تطرح سؤالها.

*هل سيقبلون أساساً استضافة نزيلة ترتدي ثياباً رثة وبسيطة مثل ثيابي؟ على الأقل، يبدو هذا المكان آمناً ومحصناً بما يكفي لمنع ذلك الرجل الذي كان يقتفي أثري من الدخول دون خوض عراك...*

قاطعت الأفكار المضطربة في رأسها كلمات المرأة اللطيفة: "بالتأكيد، توجد غرف شاغرة".

وتغضنت عينا المرأة بمسحة من اللطف الحقيقي الصادق بينما التقت نظراتهما لبرهة. وطأطأت سيو آه رأسها غريزياً وعادت تسأل بخفوت:

"هل يمكنكِ إخباري كم تبلغ تكلفة الليلة الواحدة؟"

ظلت ابتسامة المرأة المرسومة بعناية على وجهها دون تغيير، وهمهمت بتفكير وتأنٍ قبل أن تجيبها:

"في العادة تكون التكلفة باهظة للغاية، ولكن حظينا للتو بإلغاء حجز في اللحظات الأخيرة. السرير مجهز وكل شيء مهيأ تماماً، لذا يمكنني تقديمها لكِ بسعر مخفض ومميز. ما رأيكِ بعشرة آلاف 'كيرتيس'؟"

عشرة آلاف كيرتيس!

كانت تذكرة القطار تكلف عشرين ألف كيرتيس، وأجرة العربة بلغت عشرة آلاف؛ ومع ذلك، فإن تكلفة المبيت لليلة كاملة في هذا النزل الفاخر تبلغ عشرة آلاف كيرتيس فقط؟ بدت الأسعار متضاربة وغير منطقية في مخيلتها لدرجة عجزت معها عن فهم الأمور. هل وقعت ضحية للاحتيال في أجرة العربة؟

تابعت صاحبة النزل مبررة: "أفضل أن تشغل الغرفة فتاة مثلكِ على أن تظل خاوية مستودعاً للفراغ، لذا أقدمها لكِ بهذا السعر الزهيد".

انحرفت نظرات سيو آه نحو الظلام الدامس المخيم بالخارج؛ حيث بدت المدينة الغريبة وغير المألوفة تلوح في الأفق باردة وطاردة للغرباء.

وعندما التفتت عائدة بنظرها، بدا الضياء الدافئ المنبعث من مصابيح النزل أكثر جذباً ومؤانساً لقلبها المستوحش.

وبصفتها غريبة في ديار غريبة، لم يكن أمامها أي خيار آخر تملكه.

"نعم، شكراً لكِ".

استدارت لتدفع للأجير سائق العربة، لكن صاحبة النزل أوقفتها، موضحة لها أن العرف يقضي بأن يتولى النزل تسوية الأجور مع السائقين الذين يجلبون النزلاء. ثم أشارت إلى أحد الموظفين، فتقدم على الفور وعرض حمل أمتعة سيو آه، قادماً إياها إلى الداخل بمنتهى الأدب والحفاوة.

وبينما كانت سيو آه تقتفي أثر الموظف بخطواتها، التفتت إلى الخلف لتلمح صاحبة النزل لا تزال ترمقها بابتسامتها الدافئة.

حينها، ارتسمت على شفتي سيو آه ابتسامة صادقة؛ وكانت تلك المرة الأولى التي تبتسم فيها منذ أن وطئت أقدامها أرض هذه المدينة الغريبة.

تعليقات

المشاركات الشائعة