الفصل (14) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,

 


## الفصل 14: تصفية الحسابات والعرش المتداعي

تحول وجه الدوق إلى اللون الأحمر القاني وهو يصارع بيأس، وخَرَجَت أنفاسه في شكل شهقات مخنوقة متلاحقة.

قال أوسكار بنبرة هادئة لكنها حملت برودة الموت: "يبدو أنك تقع تحت طائلة سوء فهم كبير، يا صاحب السمو".

"غورك... أغْ..."

"إن فتح تلك الخزينة سيكون أمراً رائعاً بلا شك، ولكن حتى إن لم أتمكن من ذلك، فهل تظن حقاً أن هذا سيشكل عقبة أو انتكاسة ملموسة لي؟ لستُ بالذي خسر شيئاً في نهاية المطاف؛ فالحقيقة أن الخزينة مغلقة ولم تُفتح منذ خمسة وعشرين عاماً على أي حال. اعتبرها مجرد بوليصة تأمين ليس إلا".

تمتم الدوق بتلعثم وعجلة وهو يغالب الاختناق: "ولكن... ولكن يمكنني... إيجاد مخرج..."

"إيجاد مخرج، هكذا قلت؟"

"..."

وتابع أوسكار بلهجة تقطر تهكماً: "لقد أدخلتُك إلى الجمعية الملكية المشتركة لنورفولك، ونصبتُك رئيساً للمصرف، فماذا كانت النتيجة؟ بدلاً من التجسس على الجمعية الملكية كما أُمرت، كنتَ تنقل معلومات تحركاتي وتغذي بها ملك لوكسين".

وعندئذٍ، تهاوت رقبة الدوق الغليظة—التي كانت تلمع عرقاً وخمراً—إلى الخلف مستسلمة كرقبة دجاجة مكسورة، وفغرت فمه رعباً وهلعاً.

"وفوق هذا كله، عجزتَ حتى عن الوفاء بالواجب الوحيد الذي وكلتُه إليك بصفتك رئيساً لمصرف فيلفي".

وسكب أوسكار الويسكي دفعة واحدة داخل فم الدوق المفتوح.

"غورغ، آرغ..."

تخبط الدوق بكل ما أوتي من عزم وقوة، بيد أنه لم يكن هناك فكاك من قبضة أوسكار الحديدية؛ إذ كان أوسكار يثبته أرضاً دون أدنى جهد، كبالغ يطوق طفلاً صغيراً ويشله عن الحركة.

وبينما كان جسد الدوق يتلوى ويعاني سكرات الموت، استمر أوسكار في صب الويسكي في جوفه، وتحدث بنبرة منخفضة، بدت عادية شبه عابرة:

"في اللحظة التي ظهر فيها ذلك المفتاح، رُفعت عنك أي قيمة كرئيس للمصرف. لقد وضعتُك في ذلك المنصب لغاية واحدة؛ وهي العثور على حيلة لفتح الخزينة دون حاجة للمفتاح. ويبدو أنني كنتُ أحمقاً بحق حين ظننتُ أن بمقدورك إدارة عملية سرقة بسيطة كهذه".

انزلقت رداء الدوق عن جسده، ليتعرى قوامة البدين ويغرق تماماً بالخمر الفائض من فمه. وراقبت المرأة القابعة في الزاوية المشهد بهلع وصدمة وهي ترى عيني الدوق تجحظان وتنقلبان إلى الخلف.

كان أحد الجانبين يتخبط بعنف وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، بينما ظل الجانب الآخر ساكناً هادئاً بشكل مريب، وكأن شيئاً لم يكن. وكان هذا التناقض الصارخ بين المشهدين أكثر ترويعاً من أي مشهد من مشاهد الفوضى العنيفة.

وسواء كان قد غاب عن الوعي أو أسلم الروح، فقد استحال جسد الدوق في النهاية جثة هامدة مستسلمة.

أفلت أوسكار قبضته عن عنق الدوق بازدراء كمن يلقي قمامة عابرة، وقذف بالزجاجة التي فرغت الآن على الأريكة، لتتحطم وتحدث جلبة إلى جوار جسد الدوق الساكن.

تمتم أوسكار وهو يهز رأسه غير مصدق: "لم أكن أتوقع أنه سيكون بهذا الضعف والابتذال". ومرر يده عبر شعره بحركة غير مبالية، ثم تحولت عيناه الزرقاوان الباردتان نحو المرأة المستقرة في الزاوية.

"...!"

التقطت عيناه نظراتها بينما كان يخفض ساقيه ببطء عن الأريكة، وتمطى بجسده كمن يستيقظ للتو من غفوة عابرة.

*أرجوك، ارحمني وعفُ عني.*

وبدا وكأنه التقط توسلها الصامت الذي لم تنطق به شفتها؛ إذ نظر أوسكار إليها وقال في هدوء تام:

"يبدو أن سموه قد أفرط في احتساء الخمر وتجاوز حده، أليس كذلك؟"

أومأت المرأة، التي شحب وجهها حتى غدت كشبح، برأسها في ذعر محموم مؤكدة قوله.

"على الأرجح سيسألكِ غداً عما حدث؛ فعندما يشرب المرء حد فقدان عقله، فإنه غالباً ما يفقد معه كل ذاكرة عما اقترفته يداه".

"نعم، يا صاحب السعادة".

وقف أوسكار هناك بتعابير باردة مجردة من الاكتراث، واضعاً إحدى يديه في جيبه بينما كانت الأخرى تحوز سيجارته؛ وتباينت نظراته الحادة القاطعة مع نبرة صوته الكاجوال العادية. ثم ارتسمت على محياه ابتسامة باهتة زائفة:

"إذن، ستتسترين عليه وتدعمين روايته، صحيح؟"

*أجل، بالطبع. أرجوك، دعني أمضي فحسب.*

لم تكن تدري حتى ما تجود به شفتها، وكل ما وعته أنها ظلت تردد الإجابة ذاتها مراراً وتكراراً كببغاء آلي.

استمع أوسكار إلى ردودها الميكانيكية في صمت، ثم استدار وخطا بخطى وئيدة عابراً أرجاء الغرفة.

راقبت المرأة طيف رحيله وهي ترتعد فرائصها رعباً. لم يُبدِ الرجل أي قلق أو اكتراث بشأن ما إذا كان دوق فيلفي قد فارق الحياة أم لا، وبدا جلياً أنه حتى لو استيقظ الدوق وتذكر كل تفصيلة، فإن أوسكار لن يطرف له جفن. وتملّكها شعور طاغٍ بأن أوسكار لا يهاب أو يخشى حتى ملك فيلفي نفسه.

*طرق.*

ومع انغلاق الباب وراء ظهره، انهارت المرأة أخيراً وجثت على ركبتيها تتقيأ كل ما تجرعته من خمر.

وفي غضون ذلك، وخارج حدود الغرفة، انحنى أربعة رجال كانوا يقفون للحراسة برؤوسهم إجلالاً وتعظيماً فور خروج أوسكار؛ ولم تكحل عيونهم سوى رؤية حذائه المستقر على الأرض. ولم يستقيموا في وقفتهم إلا بعد أن ابتعد عنهم مسافة، ليسارعوا بالخطى مقتفين أثره وحاذين حذوه.

وبينما كان هؤلاء الرجال ضخام البنية يعبرون الرواق، كانت "كاثرين"—صاحبة مقاطعة أرمان روز—تراقب حركتهم بمزيج من القلق الممزوج بالمهابة. ونقلت نظراتها بحيرة بين الباب الموصد الذي لم يُفتح بعد للدوق، وطيف الماركيز الراحل، قبل أن تحسم أمرها في النهاية وتقرر اقتفاء أثر الأخير.

هتفت بنبرة استعطاف بائسة: "يا صاحب السعادة...!"

بيد أن الماركيز لم يتنازل حتى بمنحها التفاتة خاطفة؛ ورغم وتيرة خطواته التي بدت متمهلة ومسترخية، إلا أنها عجزت تماماً عن اللحاق به، ولم يكن بمقدورها سوى تتبع خطاه وملاحقته بأقصى ما تسعفها به طاقتها.

تعليقات

المشاركات الشائعة