الفصل (11) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,
"..."
*بام.*
تردد صدى صوت إغلاق الباب في أرجاء الغرفة، وبمجرد حدوث ذلك، أطلقت "سيو آه" الأنفاس التي كانت تحبسها. خرج زفيرها متلاحقًا محتكًا بحلقها، ودوّى في أذنيها بصوت صاخب كقصف الرعد. وخلف الصوت المدوي لأنفاسها، خيم على الغرفة صمت عميق ومقلق.
بدا الأمر وكأنه لا يوجد أحد هناك؛ فلا أصوات لأحاديث، ولا مؤشرات على أي حركة. وشعرت وكأن الشخص الذي طرق الباب والموظف الذي استجاب له يقفان الآن معًا بالخارج مباشرة، في اتفاق صامت.
*لماذا؟*
*(في اللحظة التي تكشفين فيها أن المفتاح في حوزتكِ، ستصبح حياتكِ هشة كشمعة في مهب الريح).*
تردد صدى تلك الكلمات في عقلها، واضحة ومملوءة بنذير الشؤم.
نهضت "سيو آه" ببطء، وجاءت حركاتها ساكنة كظل يزحف على الجدار. وأعادت بعناية شهادة التحقق الخاصة بحامل المفتاح والمفتاح نفسه إلى الجيب الداخلي لمعطفها. وبعد أن أمنت الجيب لتضمن ألا يضيع منه شيء، أمسكت بحقيبة أمتعتها وبدأت في التراجع للخلف بصمت.
وصلت إلى الباب المخصص للعملاء دون أن تصدر أدنى صوت. فتحته فتحة صغيرة للغاية، تكفي فقط لتسترق النظر إلى الخارج. كان هناك حراس متواجدون، وفضحتهم خطواتهم والخشخشة الخافتة لبذلاتهم الرسمية، لكن وجودهم لم يكن شيئًا يُذكر مقارنة بالشخصيات المريبة التي شعرت بأنها تراقبهما قبل قليل.
وعندما رأت أن الممر المباشر خالٍ من المارة، انسلّت عبر الباب المفتوح بالكاد كأفعى، متحركة بمرونة وصمت تام. وعبرت الممرات الخاضعة لحراسة مشددة في "بنك فيلف" كأنها شبح، أو ظل خفي لا يمكن لمسه يمر عابرًا.
كان من المحتمل أن يُقبض عليها لو كان الحراس قد تلقوا أوامر باحتجازها، لكن طالما أنها لم تكن هدفهم المستهدف، فقد كانت واثقة من قدرتها على التسلل دون أن يلاحظها أحد، لا يمكن تمييزها عن هبة ريح. ففي نهاية المطاف، حتى أكثر الجنود نخبة ممن يحرسون حصنًا قد يصدون الأعداء المسلحين، لكنهم سيعانون لمنع فأر صغير من التسلل عبر شق في الجدار.
تمكنت "سيو آه" من الخروج من البنك دون أن يعترض طريقها أحد. وأسرعت مبتعدة عن المبنى، مدفوعة بغريزة واحدة—أن تبتعد عن البنك قدر الإمكان.
كانت الشوارع مقفرة، والوقت متأخرًا، وبدت المدينة الغريبة معادية ومقبضة. وجعل هذا الخلو التام للشوارع البلدة تبدو عنيفة في طبيعتها الموحشة.
ولم تكن لديها أي فكرة عن المكان الذي يجب أن تذهب إليه أو ماذا تفعل بعد ذلك؛ فكان عقلها صفحة بيضاء وهي تتعثر في الشوارع المظلمة.
وفجأة، ومن بين أزقة الممر خافت الإضاءة، برز قوام مظلم.
ورغم أنها لم تستطع رؤية وجهه بوضوح، إلا أن "سيو آه" عرفت بغريزتها أنه أحد الرجال الذين يلاحقونها منذ أن كانت في القطار؛ ذلك الرجل الذي ظنت أنها تخلصت منه عندما استقلت العربة. وانقبضت شفتاه عن تكشيرة ساخرة؛ ابتسامة متهكمة جعلت الدم يجمد في عروقها.
إن الفأر الذي يتسلل عبر شقوق الجدار يجب أن يخطو بخفة ليفلت من الحصن دون أذى. ولكن إذا حُوصر ذلك الفأر، فلا بد له أن يركض للنجاة بحياته.
جزت "سيو آه" على أسنانها وانطلقت راكضة. كان المعطف الثقيل وحقيبة أمتعتها يثقلان كاهلها كمرساة تسحبها إلى المستنقع، لكنها ركضت بكل ما أوتيت من قوة، ونبضات قلبها تدق بعنف في أذنيها.
ومن خلفها، سمعت ضحكة منخفضة وخبيثة.
"أوه، أنتِ سريعة حقًا، أليس كذلك؟"
تردد صدى ضحكته، والصوت المتهدج لأنفاسها، وضربات قدميها على الأرض في تلك الظلمة القاسية والمقبضة.
*ألا يوجد أحد في الجوار؟ سأكون بأمان لو تمكنت فقط من العثور على مكان لأختبئ فيه. أرجوكم، أي شخص، أي أحد...*
وعندما كان عقلها يتأرجح على حافة الذعر، ظهرت عربة من حيث لا تحتسب.
"مهلاً! هنا! أرجوك!"
صرخت "سيو آه" بكل قوتها، مدفوعة برغبة يائسة في كسر هذه الظلمة الخانقة، وجاء صوتها متحشرجًا ومستغيثًا.
ولحسن الحظ، سمع السائق صرخاتها المذعورة، وكبح جماح الخيول لتتوقف. ونقر بلسانه مستنكرًا عندما رأى "سيو آه" تركض نحوه في حالة كهذه، وكأنه يوبخها:
"من الخطر على امرأة أن تخرج بمفردها في مثل هذه الساعة! اركبي بسرعة!"
كانت "سيو آه" قد أقسمت ألا تستقل عربة أخرى بعد تجربتها الأخيرة الباهظة الثمن، ولكن في هذه اللحظة، كان المال آخر ما يقلقها. تسلقت صاعدة إلى العربة وأغلقت الباب خلفها بقوة. ولم يضع السائق أي وقت، فانطلق على الفور وجعل الخيول تبدأ في خبب سريع. ونداءً لتعابير "سيو آه" القلقة وهي تطل من النافذة، ناداها السائق بصوت مرتفع:
"إلى أين؟"
أسنَدت "سيو آه" جسدها إلى جدار العربة، وهي لا تزال تنظر من النافذة، وهَمست مجيبة:
"إلى نزل."
خفض السائق صوته هو الآخر عندما سمع همسها متسائلاً:
"نزل؟"
"نعم. من فضلك خذني إلى أكثر النزل ازدحامًا وحركة، أنت تعرفه."
أكثر النزل ازدحامًا...
أطلق السائق ضحكة مكتومة، وضاعف ضرب لجام الخيل على ظهورها. وتحت غطائه المنسدل بعمق فوق رأسه، ومضت أسنانه المصفرة في عتمة الليل:
"لا تقلقي يا آنسة. أنا أعرف المكان المناسب تمامًا."



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا