الفصل (17) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,

 


انتظرت صاحبة النزل حتى تأكدت من دخول "سيو آه" بسلام إلى ردهة القصر قبل أن تلتفت نحو سائق العربة. وفي اللحظة التي واجهته فيها، تلاشت تلك المرأة اللطيفة والوديعة تماماً، وتحلت مكانها الملامح الباردة والأعين الحادة لامرأة تدير ماخوراً للمجون.

سألته وهي تشعل سيجارتها بحركة خبيرة متمرسة: "من أين أتت؟"

أجاب السائق سريعاً: "لستُ أدري من أين على وجه التحديد، لكنها حتماً ليست من قارة نورفولك".

"هل أنت متأكد؟"

أومأ السائق برأسه مؤكداً وهو يفيض في تفاصيل تقريره: "لو كانت من نورفولك لكانت قد عاشت دفينة في ريف ناءٍ طوال حياتها؛ إنها جاهلة تماماً بأحوال الدنيا وطرقها. لم تتمكن من الاسترخاء لثانية واحدة، وكانت يدها ترتجف وهي تعد نقودها... هل تصدقين أنها دفعت لي عشرة آلاف كيرتيس لقاء توصيلة عابرة بالعربة؟"

ظلت المرأة صامتة وهي تسحب نفساً عميقاً من سيجارتها، مما دفع السائق لمواصلة الحديث:

"وانظري إلى ملامح وجهها؛ إنها لا تحمل سمات أهل البلاد. ولو كانت من نورفولك لعلمت يقيناً أن هذا المكان ماخور وليس نزلاً للمسافرين، لكنها سارت إلينا بقدميها وهي مندفعة ومقتنعة تماماً بأنه مجرد فندق عابر".

كانت تعابير صاحبة الماخور مبهمة لا تُقرأ. وشعر السائق بالحاجة إلى الدفاع عن تقييمه وتثبيت وجهة نظره، فرفع نبرة صوته قائلاً:

"إنها صيد ثمين ومثالية، أليس كذلك؟ إنها تفوق 'أنابيل' التي في أرمان روز حسناً وجاذبية. لا تحتاجين حتى لتجريدها من ثيابها لتبصري ذلك؛ فقط دثريها بثياب تشبه الحوريات، وسترين كيف سيتزاحم الرجال ويصطفون في طوابير يملؤها الجشع للظفر بليلة معها. يمكنكِ حينها فرض السعر الذي يروق لكِ، بل لعلها تسحب البساط من تحت قدمي 'كاثرين' نفسها".

"اخفض صوتك".

"على رسلكِ، نحن محترفون هنا؛ ألم آتِ بها إليكِ طيعة مستسلمة دون أدنى عناء؟"

"قلتُ لكَ اخفض صوتك. ماذا عن رفاقها؟"

"أبصرتُها لأول مرة في ميناء بولسمان الدولي، لم يكن برفقتها أحد وكانت ترتدي الثياب ذاتها التي ترتديها الآن. ومن حسن حظنا أنها استقلت القطار المتجه إلى فيلفي، فتعقبتُ أثرها ولم تلتقِ بأي شخص طوال الطريق".

"إذن، لماذا ترتدي ثياباً رثة كهذه؟ أهي مجنونة أم ماذا؟"

"لقد راقبناها بدقة في البداية تحسباً لأي أمر، ولكن يبدو جلياً أنها لا تملك أي ثياب أخرى لترتديها".

تمتمت المرأة: "هذا كل ما تملكه إذن... حسناً، الفقر يجعل الأمور أكثر سهولة وطواعية. ولكن ما الذي تعتقد أنه جاء بها إلى فيلفي؟ أنت من تولى تتبعها".

تردد السائق لبرهة مخيرة، مفكراً في كيفية صياغة رده؛ فقد أبصرها وهي تلج مصرف فيلفي—وهو مكان لا يقوى على فتح حسابات فيه سوى الأثرياء، ناهيك عن استئجار خزينة خاصة—لكنه آثر كتمان أمر المصرف وعدم البوح به؛ فلو ذكره الآن، لربما تضاءلت قيمة وجودة المعلومات التي يبيعها لها.

أجابها مراوغاً: "لكي أكون صادقاً، فقدتُ أثرها لفترة وجيزة. وعندما عثرتُ عليها مجدداً، كان الوقت قد تخر، وبدا وكأنها تبحث عن عمل فحسب".

ظلت المرأة صامتة، غارقة في أفكارها وهي تنفث دخان سيجارتها. وبعد برهة، أومأت برأسها واستدارت عائدة نحو القصر. وارتسمت على شفتي السائق ابتسامة عريضة وهو ينحني بجسده إجلالاً وتوديعاً لها بينما كانت تبتعد:

"شكراً لكِ!"

ودون أن تعير امتنانه أدنى التفات، خطت بخطى واثقة نحو الداخل. ومع اقتراب أحد الخدم حاملاً منفضة السجائر، سحقت سيجارتها وبصقت أمرها التالي ببرود:

"خمسة آلاف".

"أمركِ يا سيدتي".

وبينما كانت ترتقي درجات القصر، فكرت صاحبة الماخور في تلك الفتاة التي اشترتها للتو بخمسة آلاف كيرتيس، وتسللت ابتسماة جشعة إلى شفتيها؛ فقد كان السائق محقاً في قوله. لو دُثرت تلك الفتاة بثياب الحوريات، فستجلب لها سعراً باهظاً لا يُقدر بثمن. لقد ظهرت تلك الغريبة الغامضة من عدم، كأنها هبة حطت عليها من أعالي السماء.

وتذكرت "كاثرين" التي كانت تتبجح وتتفاخر بصلاتها مع عميل رفيع الشأن؛ وكم سيكون الأمر مرضياً ويدعوها للزهو حين تستعرض أمامها صيدها الجديد وثروتها المستحدثة.

ومن خلفها، كان يمكنها سماع ضحكة السائق الممتلئة بالرضا عن النفس وهو يتمتم:

"على الأقل، أنا أملك عيناً خبيرة بالثروات والجمال".

وبدت ضحكاتهم الخبيثة ورائحة العطور النفاذة تتغلغل في ردهات القصر وأجوائه قبل أن تتلاشى تدريجياً.

وفي هذه الأثناء، وداخل حدود القصر، كانت "سيو آه" تقتفي أثر الخادم مسترقة النظر إلى ما يحيط بها؛ وكان التصميم الداخلي للمكان يضاهي ظاهره حسناً وبهاءً؛ حيث انسدلت الستائر الثقيلة الفاخرة فوق كل نافذة، وانتشرت مصابيح صيغت على هيئة زهور رقيقة، ووُضعت الزخارف المعقدة بعناية بالغة. وكان السجاد تحت قدميها وارفاً وناعماً تماماً كالسجاد الذي أبصرته في مصرف فيلفي، وبدا الأشخاص القلائل الذين مرت بهم يرتدون ثياباً أنيقة تماثل أناقة صاحبة النزل.

وكان بوسعها سماع صدى ضحكات خافتة وموسيقى تنساب من بعيد، مما أضفى على الأجواء مسحة من السريالية والغرابة.

تساءلت في روعها: *هل يعقل أن يكون هذا المكان الفاخر بعشرة آلاف كيرتيس فقط لليلة الواحدة؟*

ومع ملاحقتها لخطوات الخادم صعوداً نحو درج آخر يفضي إلى ممر أكثر ضيقاً، بدأت أصوات الضحكات والموسيقا تخبو وتتلاشى، وبات الهواء يميل للبرودة بشكل ملحوظ. واختفت الزخارف الفاخرة تدريجياً، ليحل محلها مساحة أكثر بساطة وعملية. وعندما توقف الخادم أخيراً وأدار المفتاح ليفتح باب إحدى الغرف، ترددت سيو آه لبرهة قبل أن تخطو بقدمها إلى الداخل.

تعليقات

المشاركات الشائعة