الفصل (15) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,
## الفصل 15: ظلال الماضي والخزينة الملعونة
هبطت "كاثرين" الدرج بخطوات غير متزنة، وشعرت بأن ساقيها تكادان تخذلانها وتتداعيان تحتها. وعبر الباب المفتوح على مصراعيه، أبصرت العربة السوداء التي أقلّت الماركيز. وتقدم أحد الرجال الذين دأبوا على ملاحقة أوسكار كظله طوال الوقت، ليفتح باب العربة لأول مرة. صعد أوسكار إليها بانسيابية وثقة رجل أنهى أعماله للتو ولم تعد تربطه بالمكان أي بقايا تعلق أو التفات؛ إذ كان كل سلوكه ينضح باللامبالاة والعفوية لشخص حقق بالفعل كل ما خرج لأجله.
ترددت كاثرين، ولم تسعفها شجاعتها المتبددة لتناديه. أما أوسكار، الذي لم يسبق له أن أبدى نحوها أدنى بادرة اهتمام، فقد سأل فور استقراره في مقعده داخل العربة:
"المفتاح".
أجابه "سيمون" وهو يجلس قبالة أوسكار في مقصورة العربة: "نحن نقتفي أثره ونراقبه". انغلق الباب، وتحركت العربة على الفور وكأنها التقطت الأمر الضمني الصامت لسيّدها.
ومع اندفاع العربة مبتعدة، بدت أضواء القصر تتلاشى في الأفق وتنأى شيئاً فشيئاً، ليتشح أوسكار بالظلام الدامس تدريجياً. وفي ذلك الضياء الخافت، بدا أشبه بحاصد الأرواح المتلفع بالظلال، بل ربما بدا كأنه الظلام عينه. وشعر سيمون بمهابة الموقف وثقله، فتقوقع على نفسه قليلاً وحبس أنفاسه تحسباً.
ولم يكن هناك صوت يكسر حجب ذلك الصمت سوى قعقعة عجلات العربة وهي تطحن حجارك الطريق المرصوف. وبعد برهة، تمتم أوسكار في جوف الظلام:
"مثير للاهتمام".
ولم تكن نبرته تفيض بالتهكم أو السخرية؛ بل أسند مرفقه على إطار النافذة ولامس ذقنه بخفة، بينما لمعت عيناه بشرارة من الاهتمام الحقيقي الصادق.
"مثير للاهتمام للغاية".
لقد كان يوماً مثقلاً بالخيبات والإحباط، تُوّج بانتكاسة غير متوقعة تسبب فيها ذلك الأحمق. ولكن، تماماً كما يبدو أن باباً قد أُغلق، انفتح باب آخر بغتة، ليكشف عن أمر لم يكن في الحسبان قط.
الخزينة رقم 5555 في مصرف فيلفي.
عند هذه النقطة، غدت الخزينة بمثابة شبكة أمان؛ ستكون نافعة ومجدية إن فُتحت، لكن بقاءها موصدة لن يشكل كارثة محققة له. ومع ذلك، فقد مر عليه زمن كان فيه مهووساً ومستهلكاً بالكامل بفكرة العثور على ذلك المفتاح.
إن تلك الخزينة الملعونة قد أُنشئت في العام ذاته الذي هلك فيه والده، الماركيز السابق "فون راينهارد". وكان الخائن المسؤول عن هلاك والده عميلاً سابقاً ينتمي لعائلة راينهارد نفسها.
وكان يحمل الاسم الحركي "بيتر".
والخزينة التي تحمل الرقم 5555 كانت تخص بيتر.
كان بيتر يدرك يقيناً، وبحكم ماضيه، مدى قسوة وزجر زملائه السابقين، ويعلم علم اليقين كيف تقتص العائلة من الخونة والمارقين. ووعياً منه بذلك، اتخذ تدابير احترازية لضمان نجاته، فأنشأ سراً تلك الخزينة في مصرف فيلفي ليودع فيها كل السبل والوسائل التي ابتدعها لتمديد أنفاسه والبقاء على قيد الحياة.
ولو لم تكن عائلة راينهارد في ذلك الوقت تقود لواء الحرب وتخوض غمارها نيابة عن العائلة المالكة في لوكسين، ولو لم يهلك الماركيز في تلك المعمعة، ولو لم يقضِ العملاء النخبة للعائلة نحبهم إلى جواره...
ولو كان هناك أي شخص آخر بالغ ليحمل اسم العائلة وينهض به بدلاً من وريث غض لم يتجاوز السادسة من عمره... ولو أن البالغة الوحيدة المتبقية لقيادة الأسرة—زوجة الماركيز الراحل—لم تتخلَّ عن ابنها وتفر هارية وكأنها كانت تتحين وتنتظر هلاك زوجها بفارغ الصبر...
ما كان لبيتر أبداً أن يغادر قارة نورفولك حياً.
وفي نهاية المطاف، نجح أوسكار في الإيقاع به، لكنه فقده بعد ذلك.
ولكي نكون أكثر دقة، لم يكن واضحاً ما إذا كان بيتر قد فُقد بحق؛ فالسفينة التي كانت تنقله حياً قد غرقت في عرض البحر.
وبحسب كل الشواهد والقرائن، بدا وكأنه قد لقي حتفه وغرق.
لكن أوسكار في ذلك الوقت لم يكن بوسعه تقبل هذه النهاية المبهمة؛ فقد كانت الظروف أحلك من أن تترك موت الخائن الذي أورد عائلته موارد الهلاك طي الغموض والشكوك.
كان بحاجة إلى دليل مادي قاطع، لا مجرد استنتاجات وظروف عابرة. وعلاوة على ذلك، كان في أمس الحاجة لـما تحويه تلك الخزينة في جوفها؛ إذ كانت عائلة راينهارد تحتاج للثروة والأموال المفترض وجودها هناك لكي تنفض عنها الرماد وتنهض من جديد.
ولذلك، أصدر أوامره—بشكل يائس شبه محموم—بضرورة العثور على جثة بيتر واستعادة المفتاح.
توالت السنوات وتعاقبت، ودون أن تلوح في الأفق أي بادرة خبر. ثم، منذ حوالي ثلاث سنوات مضت، ورد تقرير من العملاء الذين دأبوا على تتبع أثر بيتر منذ اختفائه؛ وأشار التقرير إلى أن بيتر قد غرق على الأرجح في أعماق المحيط والمفتاح مستقر في حوزته.
والآن، فإن الماركيز الشاب، الذي كان يوماً يائساً ومستعراً للانتقام لعائلته وثأرها، قد شارف على وداع عشرينياته واقترب من سن الثلاثين.
والزمن كفيل بتغيير الكثير من الأمور.
فالرغبة المستعرة للانتقام من شخص قد لا يكون على قيد الحياة أساساً، لم تعد تملك الأولوية أو الصدارة أمام عدد لا يُحصى من القضايا الملحة والخطيرة التي يتعين عليه مجابهتها وتصريفها. كما أن أموال العائلة التي كانت ذات يوم لا تُقدر بثمن والمغلقة في تلك الخزينة، باتت تبدو الآن ضئيلة الشأن وعديمة الأهمية في ناظريه.
ولكن، تلك الوثائق والمستندات المفترض وجودها في جوف تلك الخزينة...



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا