الفصل (1) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,
* **ترتيب الرتب النبيلة (للتوضيح):** ملك ← دوق (من العائلة الماكة) ← ماركيز (من النبلاء) ← إيرل ← بارون.
اعتقد الرجل أن خطته ستنجح لا محالة.
كانت معلوماته الاستخباراتية دقيقة للغاية، وأعداد قواته هائلة وتفوق الوصف؛ كل شيء كان مهيأً لتحقيق نصر سريع وحاسم. ولكن الآن، وهو يلقى أرضًا وسط المجزرة التي أحدثها ذلك الشخص الواقف فوقه، بدأت الحقيقة الباردة لحساباته الخاطئة تطحن روحه.
سأله صوت هادئ، يحمل نبرة تهكمية وكأن المتحدث يعرف الإجابة مسبقًا: "هل ظننت حقًا أنها ستنجح؟"
كان سؤالاً بلاغيًا، لم يكن ينتظر منه إجابة، بل وُجِّه فقط ليزيد من مرارة الفشل. كانت جزمة **أوسكار** تضغط بقوة على عنق الرجل الملقى على الأرض، في حركة أخيرة تفرض سيطرته المطلقة على شخص تجرأ واستهان به.
بدت السماء في الأعلى كلوحة مظلمة خالية من النجوم، وكأن السماوات نفسها ترفض أن تكون شاهدة على هذا المشهد الدموي في الأسفل. كان خيال المستجوب (أوسكار)، المسلّط عليه ضوء خافت من نار توشك على الانطفاء، يلوح فوق ضحيته كأنه نذير شؤم وموت محتم. إنه رجل قادر على بتر الأطراف دون أدنى تردد، رجل سار ذات مرة نحو حتفه، ليقلب الأدوار برمشة عين، ويقود جلاده إلى الهلاك بدلاً منه.
كان شعر أوسكار الأسود الفوضوي يلتصق بجبينه، ملطخًا بالعرق والغبار، بينما كانت عيناه الزرقاوان الجليديتان — الثابتتان والمركزتان بشكل يثير الرعب — تنظران بحدة إلى الرجل الذي تجرأ على تحديه. ورغم أن مظهره كان مشوهًا بالدماء وتراب المعركة، إلا أنه لا يزال يحتفظ بجمال غير بشري؛ ملامحه حادة وقاسية كتمثال نُحت بدقة متناهية.
بينما كان يأخذ نفسًا عميقًا من سيجارته، ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه، مؤكدة على القسوة التي تحيط بفمه.
سأل بنبرة حملت تسلية باردة: "لو كنت تعلم أن الأمر سينتهي هكذا، هل كنت ستأتي؟ هاه؟" وكأن الإجابة، رغم عدم أهميتها، قد تمنحه قدرًا ضئيلاً من الرضا المظلم في هذه اللحظة القاتمة.
ولم يتمكن الرجل المستلقي على الأرض، والذي كانت حياته تتلاشى مع كل نفس ثقيل يخرجه بصعوبة، إلا من إصدار صوت غرغرة مخنوق كإجابة. كانت يداه تخبشان الأرض بضعف، تحاولان عبثًا دفع الوزن الثقيل والمضطجع فوق عنقه. لكن أوسكار ظل ثابتًا دون أن يتحرك، يراقب فقط شرارة الحياة وهي تنطفئ في عيني ضحيته، لتختفي معها آخر علامات التمرد.
خلف أوسكار، كانت عواقب المعركة تتكشف في صمت مرعب. امتدت البرية الملطخة بالدماء في كل اتجاه، لتشكل منظرًا طبيعيًا مقفرًا متناثرًا بجثث القتلى. وتحرك رجال يرتدون حُللاً سوداء بين الجثث بكفاءة وهدوء، يجرون الموتى إلى قبور ضحلة بينما كانت النسور تحلق في الأعلى بشكل مشؤوم، بانتظار وليمتها.
قطع أحد الرجال الصمت مقدّمًا تقريره: "لقد أسرنا اثنين على قيد الحياة، وتأكد مقتل البقية."
رفع أوسكار جزمته أخيرًا، تاركًا الجسد الذي فارق الحياة يرتخي على الأرض. وبهدوء متعمد، مسح الدماء عن حذائه مستخدمًا ملابس الرجل الميت، وكأنه يزيل بقعة لا قيمة لها.
وأمر قائلاً: "ادفنوا الموتى، واجعلوا الأسرى يتحدثون."
رد الرجل بنبرة ملؤها الاحترام والتبجيل وهو ينتظر المزيد من التعليمات: "مفهوم. وماذا عن بقية الجدول الزمني؟"
أخذ أوسكار وقته، فأنهى سيجارته قبل أن يلقي بها جانبًا بإهمال. ونزع قفازاته السوداء، ثم التفت إلى الرجل الواقف بجانبه مظهرًا تعبيرًا مبهمًا: " الوعد هو وعد يا سايمون"، وأضاف بنبرة حملت بعض السخرية: "بالطبع، ذلك الأحمق أراد موتي هنا، لكن من سوء حظه أن خطته فشلت."
بينما كان يسير عبر ساحة المعركة، متخطيًا الجثث باستخفاف وتجاهل تام، خرج رجال يرتدون حللاً سوداء من بين الظلال، مشكلين حرس شرف صامت على طول طريقه. كانت حركاتهم دقيقة ومنسقة، مظهرين مدى الانضباط والولاء الذي يكنّونه لسيدهم. صعد أوسكار إلى العربة المنتظرة، ومسح يديه ووجهه بقطعة قماش رطبة. كانت الدماء على كمه بمثابة إزعاج بسيط، لا يستحق عناء تغيير ملابسه لأجله.
ألقى بقطعة القماش الملطخة بالدماء في الزاوية، وتحولت نظراته نحو النافذة. كانت المجزرة في الخارج تذكيرًا صارخًا بقسوة الحرب، وهي واقع دائم في حياته سئم منه وتعب. لم يكن هناك سوى طريقتين للهروب من هذه الحلقة المفرغة من العنف: إما بقطع رأس ملك لوكسين، ليوبولد، أو بالاستسلام للموت نفسه.
لكن الموت لم يكن خيارًا مطروحًا بالنسبة لأوسكار. لم يكن لديه أي نية للخسارة أو التضحية بأي جزء من نفسه في سبيل تحقيق النصر. كان يريد تفوقًا مطلقًا وسحقًا تامًا لا يترك مجالاً للشك أو المعارضة. كان عقله مثبتًا على هذا الهدف، راسخًا في عزيمته.
أشعل سيجارة أخرى، ليملأ الدخان المرير أرجاء العربة، ممتزجًا برائحة الدم العالقة. وعكست عيناه، الباردتان والقاسيتان كالعادة، العزيمة الجليدية التي بداخله. إن ما كان يبحث عنه لم يكن مجرد أي نصر عابر — بل كان يطمح إلى نصر مثالي، نصر بلا دماء يرسخ مكانته في التاريخ كإستراتيجي لا مثيل له.
♔♔♔
في مدينة فيلف، لم يكن هناك شخص واحد لا يعرف ذلك القصر الحجري الفاخر القابع بجوار نهر دانوب. كان القصر، الذي يعد أثرًا من حقبة زمنية غابرة، هدية من ملك إلى عشيقته المحبوبة ذات يوم، تلك المرأة التي سحرته واستولت على قلبه بشكل لم يفعله أحد غيرها. وعلى مدار قرن من الزمان، انتقلت ملكية القصر بين أيدٍ عديدة، واستُخدم لأغراض متنوعة — من مسرح إلى مقر إقامة صيفي للنبلاء. ومع ذلك، بعد مرور خمسين عامًا على وفاة عشيقة الملك، استعاد القصر اسمه الأصلي: **آرمان روز (Arman Rose)**.
لم يكن "آرمان روز" مجرد مبنى عادي؛ بل كان رمزًا لتاريخ مدينة فيلف وثقافتها، ومكانًا غارقًا في الفضائح والبذخ. وفي مدينة كانت فيها الدعارة والنوادي الليلية أمرًا قانونيًا بل ومزدهرًا، كان قصر آرمان روز أشهر وكر للمتعة والترفيه. وعلى عكس بيوت الهوى العادية المخفية في الأزقة الخلفية، كان آرمان روز يلبي احتياجات طبقة مختلفة تمامًا من الزبائن — الملوك والنبلاء من جميع أنحاء قارة نورفولك. كانت الليلة الواحدة بين جدرانه قد تكلف ما يعادل نفقات معيشة شهرين كاملين لعائلة متوسطة الحال.
وعندما كان القصر يستضيف شخصيات بارزة في ليالٍ معينة، كانت أرباحه تتجاوز أرباح شهر كامل لمعظم الشركات الأخرى. واليوم كانت إحدى تلك الليالي.
هتف حارس البوابة، الذي كان شديد اليقظة دائمًا، مع اقتراب عربة من المدخل الرئيسي للقصر: "لقد وصل أخيرًا!". سارعت **كاثرين**، مالكة آرمان روز، إلى إطفاء سيجارتها، وكانت يداها ترتجفان قليلاً من شدة الترقب والانتظار. وسألت بنبرة فضحها توتر نادر: "ماذا يفعل سموه؟"
هز الرجل الذي اقترب منها رأسه، وبدت ملامحه متجهمة وقاتمة: "الوضع فوضوي بالفعل بالداخل. الأبواب مغلقة وترفض أن تفتح. وسكرتير الدوق يتوسل لشراء بعض الوقت".
أخبرها حدسها، الذي صقلته عقود من العمل في هذا المجال، بأن هناك خطبًا ما. فالضيف المتوقع زيارته لآرمان روز اليوم لم يكن زبونًا عاديًا، بل كان شخصية ذات سلطة ونفوذ هائلين، يعلمه القاصي والداني في شرق نورفولك.
ورغم أن الدوق بادن — الأخ غير الشقيق لملك فيلف ورئيس بنك فيلف — كان بالفعل شخصية مرموقة وذات شأن، إلا أنه كان يبدو ضئيلاً وباهتًا مقارنة بماركيز رينهارت من مملكة لوكسين. لم يكن حضور الماركيز إلى آرمان روز مجرد زيارة اجتماعية عابرة؛ بل كان حدثًا ذا أهمية بالغة قد تترتب عليه عواقب بعيدة المدى.
تسارعت أفكار كاثرين وهي تدرس العواقب المتوقعة. فالماركيز رينهارت لم يكن رجلاً يستهان به أو يمكن العبث معه؛ سُمَعته في القسوة والمكر كانت في محلها تمامًا، وأي هفوة أو خطأ في التعامل معه قد يؤدي إلى كارثة محققة.
بينما كانت تقف عند المدخل، بانتظار وصول الماركيز، لم تتمكن كاثرين من التخلص من ذلك الشعور بأن الليلة ستكون مختلفة عن أي ليلة أخرى شهدها قصر آرمان روز. كان الهواء ثقيلاً بالتوتر، وهو ذلك النوع من الهدوء الذي يسبق العاصفة. وعرفَت كاثرين، بصفتها سيدة أعمال ذكية وبارعة، أن عليها أن تكون مستعدة تمامًا لكل ما قد يأتي في طريقها.
خفق قلب كاثرين بسرعة عندما فُتح باب العربة وترجل الماركيز منها. أجبرت نفسها على الحفاظ على هدوئها واستقباله بالنعومة واللباقة اللتين اشتُهر بهما قصر آرمان روز. لكن في أعماقها، كانت تدرك تمامًا أن هذا اللقاء سيكون أي شيء إلا لقاءً عاديًا.



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا