الفصل (5) Our Summer Is Not Over | صيفنا لم ينتهِ بعد,

 


*كان الأمر صعباً.*

لقد وجدت "ميا بلير" أن التعامل مع "ديلان راينهارت" أمر في غاية الصعوبة. كان من نوعية الرجال الذين يلقون بحجر في بحيرة راكدة، ثم يتصرفون كأن شيئاً لم يكن.

داخل العربة التي كانت تتهادى ببطء مع الحركة، كان ديلان يراجع وثائقه بوتيرة هادئة ومنتظمة.

أما ميا، فقد أسندت رأسها إلى النافذة، ووجهت نظراتها نحو الخارج. ومع ذلك، كان كل تركيزها منصباً على الرجل الجالس بجانبها. بدت لها هذه الفكرة مثيرة للسخرية، فافترت شفتاها عن ضحكة خافتة وصامتة، قبل أن تدير عينيها ببطء نحو المجلدات التي بين يديه.

كان لا يزال يقرأ—تحركاته دقيقة، وخالية من أي تكلّف. وفجأة، وكأنه شعر بنظراتها، تحرك حاجبه حركة خفيفة.

أضواء المصابيح في الشارع، والتي كان العمال يوقدونها أثناء مرورهم، ألقت بظلالها على ملامحه فجعلتها تبدو حادة وواضحة. ودون أن تشعر، وجدت ميا نفسها تتأمله بدقة؛ ذلك الحاجب الذي لم تره منذ ثلاث سنوات، عيناه، أنفه، وشفتاه.

الآن فقط، بدأت هذه الملامح تتضح في مخيلتها، واحدة تلو الأخرى.

انخفضت نظراتها لترتسم على خط عنقه، وهو يرتفع وينخفض مع كل نفس يخرجه. ثم إلى عرض كتفيه، وصولاً إلى أصابعه الطويلة التي كانت تثبت الوثائق في مكانها بقوة.

بعدها، رفعت رأسها ببطء مرة أخرى...

لتلتقي عيناها بعينيه.

زرقاوان، صافيتان، وتراقبانها.

"هل هناك ما تودين قوله؟"

تلك النظرة—العميقة كالبحر—استقرت عليها مجدداً.

وفي تلك المساحة الضيقة بينهما، حيث كانا قريبين لدرجة أن أي حركة طفيفة كفيلة بأن تجعلهما يتلامسان، ظلا ساكنين، يتبادلان النظرات. ولم يقطع هذا الصمت سوى صوت خفيف لورق يتحرك وينكمش قليلاً.

"ديلان."

فتحت ميا شفتيها قائلة:

"تعال إلى غرفتي لاحقاً."

أمال ديلان رأسه قليلاً، وكأنه لم يستوعب كلامها على الفور.

فأضافت بهدوء:

"يجب أن ننهي الحديث الذي تركناه معلقاً في وقت سابق."

كان هذا هو القرار الذي توصلت إليه بعد أن أطالت النظر من النافذة، مرتبةً أفكارها في صمت.

لو أرادت أن تعدد الأسباب التي منعتها من اتخاذ القرار في غرفة المكتب، فلن تنتهي. لقد كان نقاشه غريباً، والأجواء المشحونة بينهما أربكتها، وشعرت في مكان ما بداخلها بالقلق من أنها تخطو نحو فخ مجهول.

لكن بمجرد أن رتبت أفكارها بهدوء...

لم يعد هناك أي مبرر لتشعر بالارتباك،

ولا سبب يدعوها للخوف.

قالت ميا: "لقد اتخذت قراري."

كل ما كان عليها فعله هو قطع الطريق أمام أي نقاش آخر، والاعتياد على هذا التوتر. وحتى لو كان ذلك يعني إنهاك جسدها ونفسها—فإنها تحتاج فقط لتجنب الفخ.

"ديلان، كما قلت أنت... الشخص الذي سيتضرر إذا طال هذا الأمر هو أنا."

"ظننتكِ ستتخذين خياراً أكثر حكمة." ظهرت نبرة تهكم خفيفة على شفتي ديلان. وللحظة، بدت عيناه وكأنها تتغير—كالبحر الهادئ حين تضطرب أمواجه فجأة. واستقبلت ميا هذا التغيير دون أن ترمش.

قالت بنبرة ثابتة: "لا أعرف ما الذي يعتبر خياراً حكيماً، لكني طوال حياتي كنت أفضل التصرف على التردد."

حتى سخريته لم تعد تبكها أو تثير قلقها. لم تتراجع مفاجأةً، ولم تتجمد من الانزعاج. بدت مثل بحيرة عادت إلى سكونها بعد اضطراب.

في تلك الأثناء، كانت العربة قد دخلت فناء القصر، وتباطأت حركة العجلات حتى توقفت تماماً.

قالت له: "لا تتأخر، سأكون في انتظارك."

وبعد أن قالت كل ما تحتاجه، نزلت ميا من العربة دون أن تنتظر منه أن يرافقها، واختفت عن الأنظار.

*✦ ❖ ✦*

بعد عودتها إلى غرفتها بمفردها، قامت ميا بروتينها المعتاد بسلاسة؛ خلعت ملابسها، واغتسلت، ثم بدلت ثيابها—ولم يستغرق ذلك وقتاً طويلاً.

وبالنظر إلى كمية الأوراق التي كان ديلان يراجعها سابقاً، كانت ميا واثقة من أن وصوله سيستغرق بعض الوقت.

جلست على الأريكة، وأعادت قراءة العقد مرة أخرى بهدوء.

ولم تنسَ أن تدون النقاط التي ستحتاج إلى تعديلها معه. وبحلول الوقت الذي انتهت فيه من كتابة كل ما يدور في ذهنها، كانت عقارب الساعة قد دارت دورة كاملة.

نظرت إلى الوقت، وظنت أنه ربما تأخر فقط، فاستندت إلى الخلف وأغلقت عينيها.

ثم استسلمت ببطء للأفكار التي بدأت تراودها.

وكانت كلها تدور حوله.

*"لا أريد التفكير في الأمر."*

كانت تقصد ذلك حقاً. ومع ذلك، كلما كان الأمر يتعلق به، كانت الأمور تسير على هذا النحو دائماً؛ تفلت الأفكار من بين يديها، وتأخذ عقله في اتجاهات لا تريدها.

*"لا أريد حتى أن أفهمه."*

بدت الكلمات مصطنعة حتى لنفسها.

لم تكن لديها أي نية لموافقته الرأي، ولا لفهمه—

ومع ذلك، ودون أن تدرك، كانت تستمر في محاولة قراءة نواياه.

*‘هل يعقل أنه لم يكن ينوي الوفاء بالعقد من الأساس؟’*

بمجرد أن تشكلت هذه الفكرة، بدت لها سخيفة. وافترت شفتاها عن ضحكة خافتة. فعندما يتعلق الأمر بديلان، كان هناك نوع غامض من الثقة لا يمكنها تجاهله.

مثلما فقدت هي والديها على يد العائلة المالكة في "مراد"، هو أيضاً فقد كل شيء بسببهم؛

عائلته بأكملها،

ورفاقه الذين وقفوا بجانبه في معارك لا تحصى. وحتى ابن عمه—الذي مات بسبب قرار اتخذه ديلان بنفسه.

وعندما أُعيدت جثة ابن عمه ذلك، بعد أن ضاع في البحر، إلى البر دون حتى جثمان ليدفن—

حينها قطع ديلان وعداً لها:

أنه مهما كلف الأمر، سيعثر على رفات والديها، وسيمنحها ما طلبته.

وبتذكرها لديلان ذلك...

فإن اقتراحه الحالي هذا كان أبعد ما يكون عما يمكن أن تتوقعه ميا.

*‘لو أنك طلبت مني ببساطة البقاء لعام آخر لأنك بحاجة إلي، لكنت وافقت دون تردد.’*

هذا هو بالضبط السبب في أن اقتراحه هذا لم يكن منطقياً بالنسبة لها—ولماذا أثار في نفسها شعوراً خفيفاً بالاستياء.

*‘ألم يكن يثق بي؟’*

حاولت قراءة أفكار ديلان، لكنها لم تجد شيئاً. كان الأمر أشبه بالاصطدام بجدار، مراراً وتكراراً—لتعود في كل مرة خالية الوفاض.

ثم تعالت طرقات على الباب.

*طق. طق.*

صوت نظيف ومنتظم.

وفي اللحظة نفسها، فتحت ميا عينيها المغلقتين وقالت:

"تفضل بالدخول."

ومع إذنها، انفتح الباب ليكشف عن ديلان واقفاً عند العتبة الفاصلة بين الممر والغرفة. كان مظهره مختلفاً عن المعتاد؛

أقل ترتيباً، وأكثر تحرراً.

فشعره الذي كان مصففاً بعناية من أجل الحفل قد تدلى قليلاً وفقد نظامه.

ومع ذلك، وحتى في هذا الارتباك، ظلت خطواته دقيقة ولم تتغير. وسرعان ما وقف أمام ميا التي كانت لا تزال جالسة. وتحركت نظراته فوقها ببطء وتأنٍ.

لم يكن هناك أي عجلة في نظرته.

تماماً كما فعلت ميا في العربة قبل قليل، تتبعت عينا ديلان تفاصيلها من البداية إلى النهاية.

والفارق الوحيد...

هو المكان الذي استقرت فيه نظراته؛ على العقد الذي كانت تقرأه، والأوراق الموضوعة بجانبه.

وتحت تلك النظرة الثقيلة التي بدت وكأنها تقيدها في مكانها، أدارت ميا رأسها بعيداً وقالت:

"هناك نقاط بحاجة إلى تعديل."

ودون أن يجيب، مد ديلان يده والتقط الأوراق من على المكتب. كانت هي الأوراق التي كتبت عليها ميا بنفسها. عقد حاجبيه قليلاً، وكأن الخط كان صعب القراءة، ثم خفض عينيه وبدأ يقرأ.

*يلتزم الطرف الثاني بأداء واجبات الزوج/الزوجة حسب متطلبات الطرف الأول.*

*يلتزم الطرف الثاني بالامتثال التام لمطالب الطرف الأول.*

*وفي مقابل عام واحد من هذا الالتزام، يمنح الطرف الثاني رفات والديها الموعود سابقاً، إلى جانب تذكرة العودة إلى وطنها.*

وبعد ذلك، جاءت الإضافات كالتالي:

سيتم صياغة عقد جديد مستقل عن العقد السابق—وإن كانت صلاحيته ستظل قائمة.

*لا يحق لأي من الطرفين رفض تنفيذ الاتفاقية بالاستناد إلى شروط لم تذكر صراحة. وفي حال نشوء موقف كهذا مجدداً، يتعين على الطرف الأول نقل كافة الصلاحيات إلى ضامن والتنازل عن جميع حقوقه.*

وهنا—وبعد أن أطال القراءة—انقبضت زاوية فم ديلان بشكل ساخر.

"الطرف الثاني... الطرف الثاني... الطرف الثاني." رن صوته المنخفض، بارداً وثابتاً، ليتردد صداه في الغرفة الهادئة.

"هل هذه مطالب شخص في هذا الموقف؟"

فكرت ميا في الأمر للحظة.

ربما لا، ليس بالنسبة لطرف ثانٍ عادي. لكن لم تكن لديها أي نية لتقبل مثل هذه الملاحظة من الشخص الذي خلق هذا الوضع السخيف في المقام الأول.

"ديلان، لو لم أكن الطرف الثاني، لما فكرت حتى في الاستماع إلى أمر تافه كهذا."

وانفلتت ضحكة خافية من شفتيها.

إذا كان هناك من يفهم مدى غرابة وغير منطقية هذا الوضع، فينبغي أن يكون هو.

"أليس هذا ما أردته؟" مدت ميا يدها وسحبت الورقة من بين يديه.

وعلى غير المتوقع، تركها ديلان دون أي مقاومة. وإذ أبعدت نظراتها عنه، أمسكت بقلمها مرة أخرى. ولما لم يأتِ منه أي رد، افترضت أنه ليس لديه ما يعترض عليه، وبدأت ببطء تضيف شروطاً أخرى إلى العقد.

"لدي الحق في المطالبة بهذا القدر على الأقل."

ومع صوت حفيف القلم الخفيف، تحركت يد ميا عبر الصفحة بوتيرة غير متسرعة.

وكان ديلان يراقبها في صمت.

وعلى عكس العقد السابق، كان خط يدها غير منتظم—وملتوياً قليلاً—لكن ميا لم تكن تهتم. كانت تكتب دون توقف، وكأن شكل الحروف يهمها أقل بكثير من الفعل نفسه.

وعندما انتهت من كتابة كل ما تريد، سألته:

"إذا كان هناك أي شيء آخر تريده، فقله الآن. لا تقدمه لاحقاً كعذر."

ولم يأتها جواب.

بدلاً من ذلك، شعرت بنسمة منعشة وخفيفة تقترب من حواسها. لقد كان قريباً جداً.

وفي اللحظة التي أدركت فيها أن ديلان بات بجانبها تماماً—قريباً لدرجة أن وجوده ملأ المكان—تصلب جسدها. بدا أنه اغتسل هو الآخر؛ فقد كان يفوح منه إحساس بالبرودة والانتعاش، مع بقايا رطوبة لا تزال عالقة في شعره.

"افعلي ما تشائين." وفي الوقت نفسه، استقرت يده بخفة على مؤخرة عنقها.

"سأراقب... لأرى مدى براعتكِ في تنفيذ اتفاقنا."

كان هناك شيء بارد فيه—منعش، وشبه منفصل عن الواقع—

ومع ذلك، وحيث لامستها يده، بدأت حرارة دافئة وهادئة تتجمع.

تذبذبت عينا ميا، اللتان ظلتا ثابتتين حتى الآن. كان الأمر ببساطة غير مألوف بالنسبة لها.

هناك أشياء كثيرة في هذا العالم يمكن أن تفاجئ المرء، ولطالما حاولت ميا أن تظل بمنأى عنها.

لكن كما هو الحال دائماً...

كلما كان ديلان طرفاً في الأمر، اختلف الوضع تماماً.

عندما تزوجا لأول مرة قبل أربع سنوات، وقدم لها العقد.

وقبل ثلاث سنوات، عندما ودعته وهو ذاهب إلى الحرب.

وحتى الآن، بعد أن التقيا مجدداً—

لم يتغير شيء.

ظل الأمر عالقاً بداخلها، مثل ندبة ترفض أن تتلاشى.

فاشتدت قبضتها على القلم الذي تحمله، وتجمعت القوة في يدها.

*✦ ❖ ✦*

تعليقات

المشاركات الشائعة