الفصل (10) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,

 


**تأليف: هان بويون | ترجمة للعربية**

كان كل شيء يتعلق بها، من رأسها حتى أخمص قدميها، مغلفًا بالغموض. لم يستطع الموظف منع نفسه من التساؤل عن هويتها الحقيقية بينما يستمر في تفحصها بدقة. كانت لغزًا، قطعة أحجية لا تتناسب تمامًا مع الأجواء المحيطة بـ"بنك فيلف". كان هناك شيء في سلوكها، واختيارها لملابسها، وحتى في طريقة جلوسها يبدو غريبًا بعض الشيء، وكأنها تنتمي بأكملها إلى عالم آخر تمامًا. وبدا أن التوتر في الغرفة يزداد كثافة، حيث خيم شعور ملموس بالقلق عليهما معًا. وشعر الموظف بإحساس غريب من الترقب وهو يفتح بعناية وثيقة الهوية التي سلمته إياها. كانت أصابعه ترتجف قليلاً، ولم يدرِ إن كان ذلك بسبب التوتر أم نتيجة حدس أعمق في نفسه.

في اللحظة التي فتح فيها الوثيقة، تلاشت الابتسامة المهنية التي كانت ترتسم بثبات على وجهه، وتبخرت كأنها لم تكن موجودة قط؛ وكأن الهواء قد سُحب فجأة من الغرفة. رمش بغير تصديق، ناظرًا أولاً إلى الوثيقة، ثم إلى "سيو آه"، ثم عاد لينظر إلى الوثيقة مجددًا، بينما كان عقله يكافح للتوفيق بين ما يراه وما يعلم أنه ممكن. وعندما نظر إليها أخيرًا، كانت عيناه متسعتين من الحيرة والشك. والتقت نظراتها بنظراته بتلك الملامح القلقة والعيون المتسعة لأرنب حاصره صياد، حيث كانت كل غرائزها تحثها على الركض، لكنها تعلم أنه لا يوجد مكان تفر إليه.

سألت "سيو آه" بصوت خافت كأنه خيط واهن وسط هذا الصمت المطبق: "هل هناك مشكلة؟"

"آه... في الواقع..." تلاشت كلمات الموظف، وتبخرت ثقته المعتادة وهو يحدق في الوثيقة بين يديه. كان هناك مشكلة بالفعل، لكنه وجد صعوبة في التعبير عنها؛ فلم يسبق له أن واجه موقفًا كهذا طوال سنوات عمله في قارة "نورفوك". أخذ يفتح فمه ويغلقه وهو يكافح للعثور على الكلمات المناسبة، لكن لا شيء بدا كافيًا للتعبير عن حجم المشكلة.

بشفتين مضمومتين، حدق في الوثيقة مرة أخرى، آملاً أن تؤدي مجرد نظرة أخرى إلى حل المشكلة بطريقة ما. لكن بالطبع، مجرد التحديق لن يغير شيئًا. كانت المشكلة تكمن في أنه لم يستطع قراءة كلمة واحدة في الوثيقة التي سلمتها "سيو آه". كانت الحروف أجنبية، غريبة، وغير مفهومة تمامًا بالنسبة له. كان الأمر أشبه بتقديمه نصًا مكتوبًا بلغة منسية، شيء لا ينتمي إلى هذا الزمان أو المكان.

وإذ شعرت "سيو آه" بالارتباك المتزايد للموظف، عادت بذاكرتها إلى اللحظة التي دُفعت فيها إلى ركوب العربة. بدت تلك اللحظة وكأنها نقطة تحول، الأولى من بين عدة فرص ضائعة؛ فكان ينبغي لها أن تطلب من السائق أخذها إلى نزل بدلاً من البنك. كان ينبغي لها أن ترتاح ليلة واحدة، لتمنح نفسها الوقت للتأقلم، ثم تأتي إلى البنك بنشاط واستعداد في الصباح الباكر. لكن إلحاح مهمتها دفعها إلى البنك دون توقف، والآن، بدأت تندم على ذلك القرار.

وُضعت وثيقة هويتها قيد الانتظار، وكانت محتوياتها لغزًا غامضًا بالنسبة للموظفين. قضى الموظف وقتًا طويلاً في فحص الوثيقة من كل زاوية ممكنة، وكان إحباطه يزداد مع مرور كل لحظة. وفي النهاية، استدعى بضعة زملاء له، فبانت على وجوههم مزيج من الفضول والقلق وهم يتجمعون حول الوثيقة مثل العصافير حول فتات خبز. انحنت رؤوسهم معًا، يتحيرون في الحروف الغريبة، بل إنهم رفعوا الوثيقة في مواجهة الضوء كأنها قد تكشف عن حقيقة مخفية ما.

راقبت "سيو آه" المشهد بغير تصديق، وغرق قلبها مع إدراكها أنه لا أحد منهم يستطيع قراءة الوثيقة. وأخيرًا كسر أحد الموظفين الصمت متسائلاً: "أي بلد أصدر هذه الوثيقة؟"

إذا كان ركوب العربة هو أول فرصة ضائعة لها، فإن الفرصة الثانية والأخيرة جاءت عندما طُرح عليها هذا السؤال. ورغم أن اسم الدولة كان مكتوبًا بوضوح في أعلى الوثيقة، إلا أنهم ظلوا يسألونها وكأن الحروف غير مرئية.

أجابت بصوت ثابت رغم شعورها المتزايد بالخوف: "دانكوك".

كرر الموظف خلفها، وتلعثم لسانه في نطق المقاطع الغريبة: "... دان-كوك؟"

أوضحت المخارج بعناية آملة أن تسهل عليه الفهم: "دان، كوك."

حاول مرة أخرى والعبوس يرتسم على جبينه وهو يعاني في نطقها: "دا-ان-كوك؟"

"دان. كوك." بدأ صبرها ينفد، وبدا الحوار وكأنه تمرين بلا جدوى.

خمن مرة أخرى وهو تائه تمامًا: "دي-ان-كوك؟"

استسلمت "سيو آه" في النهاية وهبط كتفاها بيأس: "... نعم، يبدو هذا صحيحًا". بدت الكلمات وكأنها استسلام، واعتراف بأن هذا النقاش لن يؤدي إلى شيء. وبدلاً من الدخول في مثل هذه الحوارات العقيمة، كان ينبغي لها أن تسأل مباشرة إن كانوا عاجزين عن قراءة النص. كان ينبغي لها أن تعرض عليهم نسخها ثم البحث عن شخص يمكنه ترجمتها والتحقق منها. كان ينبغي لها الإصرار على استلام شهادة التحقق الخاصة بحامل المفتاح والمغادرة فورًا. لكنها كالحمقاء ترددت ولم تتحدث في الوقت المناسب، تاركة اليوم يضيع منها بالكامل.

ودفاعًا عن نفسها، لم تكن غرفة استقبال الشخصيات المهمة تحتوي على نوافذ، لذا لم تلاحظ كم من الوقت قد مضى. فالإضاءة الاصطناعية، المصممة بعناية لإضفاء شعور بالهدوء والفخامة، زادت من فقدانها للتوجيه. وبعد نقاش بدا وكأنه لا ينتهي، تم الاستنتاج بأن الوثيقة لا يمكن ترجمتها في تلك اللحظة. وبنوع من الممانعة، انتقل الموظف وزملاؤه أخيرًا إلى الخطوة التالية. وبعد عملية طويلة لنسخ تفاصيل وثيقة هويتها، صاغ الموظف الأوراق اللازمة، مؤكدًا إياها كحامل شرعي للمفتاح.

راقبت "سيو آه" العملية بشعور متزايد بالانفصال، وشردت أفكارها مع مرور الدقائق. وبدا أن عبء رحلتها، وساعات السفر الطويلة، وقلق موقفها يضغطون عليها دفعة واحدة. وبحلول الوقت الذي سلمها فيه الموظف الشهادة المكتملة، كانت يداها ترتجفان قليلاً، ولم تدرِ إن كان ذلك من الإرهاق أم من شيء أعمق.

في اللحظة التي أخذت فيها الشهادة من الموظف، سرى في جسدها شعور بوجود غريب ومخيف، مرسلًا قشعريرة باردة أسفل عمودها الفقري.

"...؟" تشنج جسد "سيو آه"، وانقبضت عضلاتها غريزيًا. فالغرفة التي كانت تبدو دافئة للغاية قبل لحظات، بدت فجأة أكثر برودة، وأصبح الهواء ثقيلاً بنذير شؤم لا يفسر. حبست أنفاسها، وقشعر جلدها بإحساس أن شيئًا خطيرًا يتربص بها خارج حدود الرؤية.

كان هذا الشعور بالخوف ينبعث من خلف الباب الذي كان الموظف يدخل ويخرج منه. لم يكن الأمر مجرد خيال أو خطأ عابر؛ فقد وقف كل شعر في جسدها، وصاحت غرائزها تحثها على الحذر. لم يكن هذا حضور شخص عادي. وجاء صوت خطوات، مكتومة عمدًا كأنها لشخص تدرب على التحرك دون إحداث صوت، من الجانب الآخر للباب.

شخص واحد؟ لا، بل كانا اثنين.

*وقع خطوات، خطوات، خطوات...*

حبست "سيو آه" أنفاسها، وكان قلبها ينبض بقوة شديدة حتى خشيت أن يفضح أمرها. وتمنت بكل جوارحها أن يمر ما في الخارج دون أن يقترب أكثر. ومثل طريدة تختبئ من مفترس، أجبرت نفسها على البقاء ساكنة، لتصبح غير مرئية.

*أرجوك، اذهب بعيدًا. أرجوك.*

لكن الخطوات المكتومة بعناية توقفت تمامًا خارج الغرفة. وكان الصمت الذي أعقب ذلك صاعقًا، وتمطت كل ثانية وكأنها دهر. ثم اقتربت الخطوات أكثر من الباب، وشعرت بوجود خلفه مباشرة، كأن شخصًا يضع أذنه على الخشب يستمع.

خفق قلبها بشدة حتى شعرت وكأنه قد ينفجر، وملأ الصوت أذنيها حاجبًا كل شيء آخر. ثم حدث ذلك.

طرقة بطيئة ومدروسة كسرت هذا الصمت المتوتر.

*طق، طق، طق، طق.*

رفعت "سيو آه" رأسها على الفور، واحتبست أنفاسها في حلقها. وتثبتت عيناها على الموظف ذي العينين الخضراوين المقابل لها، والذي كانت نظراته مبهمة. لكن شيئًا في تعابيره جعل الدم يجمد في عروقها؛ وميض لشيء لم يكن ينبغي أن يكون هناك.

"...!"

أما الموظف، الذي كان يراقبها بوضوح وعن قرب، فقد ابتسم وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة. كانت الابتسامة مختلفة الآن؛ أصبحت أكثر افتراسًا ومعرفة. ألقى نظرة سريعة فوق كتفه نحو الباب قبل أن ينهض من مقعده بحركة سلسة ومجربة.

وقال بصوت لا يزال يحمل تلك النبرة الهادئة والمستفزة: "معذرة منكِ. سأعود بعد قليل، لذا يرجى الانتظار هنا. وبما أن الوقت قد تأخر، سأرتب لعربة تأخذكِ في طريق عودتكِ."

"..."

أومأت "سيو آه" برأسها ردًا عليه، عاجزة عن العثور على صوتها. وشعرت بضيق في حلقها كأن الكلمات انحشرت ولم تقو الفلات.

*حافظي على هدوئكِ. حافظي على هدوئكِ.*

كررت هذه العبارة في رأسها، جابرة نفسها على البقاء متماسكة. لكنها كانت معركة تخسرها سريعًا؛ فكل غريزة فيها كانت تصرخ بها للفرار من هذا المكان وعدم الالتفات وراءها أبدًا. لكنها لم تكن قادرة؛ ليس بعد.

راقبت "سيو آه" بصمت حركة الموظف، كابتة الرغبة في الاندفاع من مقعدها. وبدت كل خطوة يخطوها وكأنها تردد صداها في أذنيها، وتضخم الصوت بفعل خوفها. وبينما كان يسير نحو باب الموظفين ويفتحه أخيرًا، لم تجد بدًا من إغلاق عينيها بشدة، موطنة نفسها لكل ما هو وشيك الحدوث.

تعليقات

المشاركات الشائعة