الفصل (20) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,
بدت مخاوف المرأة وكأنها تلامس بشرته مباشرة، لدرجة جعلته يشعر برغبة في الحك من شدة هذا الإحساس. وسرعان ما غضّت بصرها وكأنها لم تعد تحتمل النظر إليه، وبدت حائرة لا تدري ماذا تفعل، وهي تختبئ جزئيًا خلف الباب؛ وكأنها تؤمن بأن ذلك الباب الواهن هو درعها الوحيد لحمايتها.
وفي اللحظة التي تركّز فيها انتباه "أوسكار" بالكامل على المرأة القابعة خلف الباب، تناهى إلى مسامعه صوت ينادي من أسفل الدرج:
— "معذرة؟ يا سيدي؟"
تردد صدى الصوت العالي في أرجاء السلم، وترافق مع خطوات متسارعة.
احمرّت عينا أوسكار غضبًا وضاق نظره.
— "لحظة واحدة من فضلك!"
كان بإمكانه تقريبًا أن يشم الرائحة الكريهة المصاحبة للصوت، حتى قبل أن يظهر صاحبه.
ألقى أوسكار بسيجارته على الأرض وسحقها تحت حذائه، ثم أخرج سيجارة أخرى ووضعها بين شفتيه؛ فقد بدا له أن الدخان هو الوسيلة الوحيدة التي تمكنه من تحمل الرائحة العفنة التي تفوح من هذا المكان.
في هذه الأثناء، كانت صاحبة "الماخور" (بيت البغاء) —التي اشترت "سيو آه" مقابل خمسة آلاف كيرت— تهرول نحو أوسكار، وهي تلهث دون أن تتمكن من التقاط أنفاسها.
لقد خرجت في البداية للقاء ضيف متميز ومجهول الهوية، وهي تشعر بالرضا حيال تلك المرأة الغامضة التي وصلت فجأة الليلة—واصفة إياها بالماس الخام غير المصقول. ولكن عندما علمت أن هذا الضيف المجهول يقف أمام غرفة المرأة التي اشترتها للتو، صرخت غريزتها محذرة إياها من أن هناك مصيبة قادمة.
نادته وهي تقترب، وهي تجبر نفسها على الابتسام:
— "سيدي؟ هل هناك ما تحتاجه؟ ربما غرفة للنوم...؟"
ولكن صوتها وابتسامتها المصطنعة تلاشت تمامًا بمجرد أن رأته.
كان واقفًا هناك، واضعًا إحدى يديه في جيبه كأن الأمر لا يعنيه، بينما يمسك بالأخرى سيجارة يتوهج طرفها باللون الأحمر. ومع تصاعد الدخان من حوله، كانت عيناه الزرقاوان الثاقبتان هما الشيء الوحيد الذي يبرز بوضوح في الضوء الخافت.
كان يقف كالجبل، ينظر إليها بنظرات بدت وكأنها تخترقها وتقرأ ما بداخلها. أما الصمت الذي يحيط به فكان يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
كان هذا رجلاً جاء إلى ماخور، ومع ذلك لم يكن هناك أي أثر للشهوة في عينيه.
شعرت المرأة وكأن حلقها يغصّ، ولم تجد الكلمات لتتحدث.
— "سيدتي."
جاء الصوت من خلفها ليعيدها إلى أرض الواقع. التفتت بعيدًا عن الرجل وكأنها تحاول الهروب، ورأت الفتاة الجميلة من قبل تطل بحذر من شق الباب.
*يا إلهي.*
لقد كانت الفتاة جميلة حتى بشعرها الأشعث ومعطفها البالي، أما الآن، وبعد أن نظفت نفسها، فقد صار جمالها لا ينكره أحد. كانت فائقة الجمال لدرجة أن صاحبة المكان تيقنت بأنها تستطيع تحديد أي سعر لبيعها. كان وجه الفتاة يبدو وكأنه خارج من لوحة أو حلم، وبدأت المالكِة تتخيل بالفعل الأرباح الطائلة التي ستجنيها من ورائها.
ستبدو هذه الفتاة مذهلة لو ارتدت أقراطًا من حجر الأوبال مع فستان فضفاض. وفي اليوم الأول الذي تبدأ فيه العمل، يمكنها بسهولة استرداد استثمارها البالغ خمسة آلاف كيرت. كانت الفتاة بمثابة الدجاجة التي تبيض ذهبًا.
لقد مرت صاحبة المكان بأهوال كثيرة في حياتها، حيث بيعت من قبل وقامت ببيع الآخرين بنفسها، وكانت تعرف جيدًا مدى قذارة هذه التجارة. لكنها تعلمت شيئًا واحدًا: في حين أن الجروح الجسدية والعاطفية قد تتلاشى، فإن المال يبقى للأبد.
أما الآن، فإن الأمر الأكثر أهمية هو معرفة كيف يعرف الرجل الواقف خلفها هذه الفتاة التي أمامها. كان عليها أن تتوخى الحذر.
سألت بنبرة حاولت أن تجعلها تبدو هادئة:
— "آنسة، هل تعرفين هذا السيد؟"
تنقلت عينا الفتاة من الرجل إلى الأرض، وقالت:
— "لا أعرفه."
وهكذا تم تفادي أزمة واحدة. وبينما تنفست المرأة الصعداء، سألت الفتاة بتردد:
— "هل هذا المكان حقيقةً فندق (نُزل)؟"
— "بالتأكيد."
جاء رد صاحبة المكان عفوياً وسهلاً، ولكن سرعان ما تبعته هزء وسخرية من الرجل الواقف خلفها. تحولت نظرات الفتاة نحو مصدر الصوت، فأضافت صاحبة المكان مسرعة:
— "نحن نؤجر الغرف ونأخذ مقابلها، لذا نعم، إنه فندق."
بالطبع، لم يشمل سعر الغرفة المساحة فحسب، بل شمل أيضًا خدمات النساء اللواتي يعملن هناك.
أطلق أوسكار ضحكة ساخرة وهو يراقب ترهات صاحبة المكان وسخافتها، مسدًا أنفه. وفي الوقت نفسه، كان على "سايمون" أن يقاوم رغبته العارمة في حشو فم المرأة بحفنة من الرمال لإسكاتها؛ فقد شعر أن صبر أوسكار قد بلغ حده الأقصى.
وبالفعل، قرر أوسكار أنه انتظر بما فيه الكفاية. فتجاوز صاحبة المكان تمامًا وتوجه بالحديث إلى الفتاة:
— "هل تنوين البقاء هنا؟"
وعندما رفعت الفتاة عينيها أخيرًا، التقت نظراتهما. رسم أوسكار على وجهه ابتسامة ساحرة وعلّق بنبرة عادية:
— "هذا المكان... هو ماخور."



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا