الفصل (2) A Contract Marriage with the Maid | زواج تعاقدي مع الخادمه,
## الفصل الثاني: أي نوع من الرجال كان زوجي؟
بعد أن اصطدمت طاسة الرماد الزجاجية برأس "رينا"، تدحرجت على الأرض حتى استقرت عند الحائط. تمالكت رينا نفسها بسرعة هائلة، وضغطت على رغبتها الفطرية في وضع يدها على رأسها لتفقد الجرح. وبدلاً من ذلك، انحنت انحناءة عميقة من خصرها، متظاهرة بأن شيئاً لم يحدث.
وقالت بصوت حاولت جاهدة أن يبدو هادئاً ومستقراً:
— لقد طلبتِني يا سيدتي.
لحسن الحظ، جاءها صوت ناعم ورقيق من أمامها يجيبها:
— لقد تأخرتِ. أين كنتِ كل هذا الوقت؟
رغم أن رينا جاءت مسرعة فور علمها بالاستدعاء، إلا أنها كانت تعلم أن الجدال مع أسيادها أمر غير منطقي ولن يفيدها بشيء. لذلك، أبقت رأسها منحنياً أمام ظلال الشابة ذات الشعر الطويل، وقالت باعتذار:
— أنا آسفة.
وهنا، تدخلت السيدة "هيرست" (رئيسة الخدم) لتقدم عذراً سريعاً يخفف من حدة الموقف:
— إن درس السيدة الكبيرة قد استغرق وقتاً أطول من المتوقع يا سيدتي.
ضحكت الشابة بسخرية خفيفة وقالت:
— أوه، حقاً؟ كان عليكِ أن تقولي ذلك من البداية.
فكرت رينا في نفسها بمرارة: *(وهل أعطيتِنا فرصة لنشرح لكِ؟)*. ورغم ما دار في عقلها، إلا أن شفتيها قامتا بواجبهما كخادمة مطيعة، فتابعت:
— اعذري تقصيري يا سيدتي.
*طاخ.* سقطت قطرة دم دافئة، كانت قد تجمعت عند طرف ذقن رينا، لتستقر على الأرض. وضعت السيدة ساقاً فوق الأخرى، ونظرت إلى رينا عبر انعكاسها في المرآة، وقالت ببرود:
— التقطيها.
أسرعت رينا نحو الجدار لتلتقط طاسة الرماد، ثم تقدمت نحو "كريستينا". وبعد أن تأكدت بعينيها أن الطاسة لم تتسخ بالدماء، قدمتها باحترام شديد بكلتا يديها ورأسها منحنٍ لأسفل. لكن كريستينا أصدرت صوتاً مستنكراً بلسانها، وأشارت بذقنها نحو الأرض مستاءة من شيء آخر.
التفتت رينا لتفهم السبب، فرأت فرشاة شعر ملقاة على الأرض. وضعت طاسة الرماد أولاً على الطاولة المجاورة لكريستينا، ولم تضيع ثانية واحدة لتذهب وتلتقط الفرشاة. وفي تلك اللحظة التي أدارت فيها ظهرها للسيدة، استغلت الفرصة بسرعة، واستخدمت القماش الأسود لكم ثوبها لتمسح الدم السائل على جبهتها دون أن يلاحظها أحد.
عادت رينا مجدداً ومدت يديها بالفرشاة نحو كريستينا، لكن السيدة لم تأخذها. تطلعت كريستينا إلى الفرشاة، ثم رفعت عينيها لتنظر مباشرة إلى رينا، فنظرت رينا إليها بالمقابل.
في ذلك الضوء الخافت المنبعث من شمعة عسل النحل الثمينة، كانت كريستينا تبدو في غاية السحر والجمال؛ بشرة صافية ومثالية لا تشوبها شائبة، خصلات شعر ذهبية براقة تتدلى في تموجات ساحرة على ظهرها، ورموش طويلة تظلل عينيها الزمرديتين الغامضتين اللتين تشبهان برعماً أخضر غضاً ينبض بالحياة تحت أشعة الشمس. كانت شفتاها الحمراوان مغلقتين، لكن ملامحها حملت ابتسامة خفيفة ونادرة جداً.
كانت تبدو جميلة للغاية، ولكنها في الوقت نفسه بدت امرأة يصعب إرضاؤها بأي شكل.
تساءلت رينا في عقلها: *(كيف فكرت السيدة الكبيرة ورئيسة الخدم هيرست في استخدامي كبديلة لهذه الفتاة؟)*. صحيح أن رينا كانت تُعتبر فتاة جميلة وجذابة بين الخادمات، إلا أنها مقارنة بكريستينا كانت تبدو بسيطة وعادية جداً. لم تكن تملك شيئاً من تلك الرقة المفرطة والفخامة التي تتمتع بها السيدة التي تقف أمامها.
أشاحت كريستينا بنظرها عن رينا وعادت لتنظر إلى المرآة، ثم قالت بنبرة حادة:
— اتركينا بمفردنا.
أجابت السيدة هيرست فوراً: "حاضر يا سيدتي"، ثم انحنت وغادرت الغرفة مغلقة الباب خلفها.
ساد الصمت الغرفة، وظلت كريستينا تحدق بهدوء في المرآة. كان التوتر في الجو خانقاً وثقيلاً وثمة شعور بالقلق يملأ الأركان. وحتى بعد أن تلاشت أصوات خطوات رئيسة الخدم تماماً في الممر الخارجي، لم تتحدث كريستينا لفترة طويلة، قبل أن تقطع الصمت قائلة:
— سرحي شعري.
اجابت رينا:
— حاضر يا سيدتي.
تراجعت رينا خطوة للخلف، وأمسكت الفرشاة بطريقة مريحة. بدأت تمرر خصلات شعر كريستينا الطويلة بين أصابعها، فبدت وكأنها خيوط من الذهب الخالص. كان ضوء الشمعة ينعكس من خلال طاسة الرماد الزجاجية على الطاولة، ليرسم على الحائط انكسارات ضوئية حادة ومتداخلة. في تلك اللحظة، تداخلت صورة كريستينا الحالية في المرآة مع صورتها قبل خمس سنوات، عندما كانت فتاة في السابعة عشرة من عمرها، تحطم كل شيء في نوبة غضب عارمة رافضة فكرة الزواج.
تذكرت رينا ذلك بمرارة: *(... في ذلك الوقت، رمى الماركيز الغاضب طاسة الرماد هذه على الآنسة الشابة. وإذا فكرت في الأمر الآن، فقد كنت أنا أيضاً من تلقى الضربة بدلاً منها في ذلك اليوم. بالطبع، لا أحد من هذه العائلة يتذكر ذلك).*
أخرجت رينا نفسها من الأفكار وسألت بلطف:
— هل تفضلين أن أضع زيت الكركديه يا سيدتي؟
بدون أن تنطق بكلمة، أشارت كريستينا بإصبعها نحو زجاجة زيت أخرى موضوعة على طاولة الزينة؛ كان زيت شقائق النعمان. فأخذته رينا على الفور.
بدأت رينا بتسريح الشعر من الأسفل صعوداً، وكانت حذرة جداً حتى لا تشد خصلات شعرها أو تؤذي رأسها. وضعت القليل من الزيت الدافئ على أطراف أصابعها وبدأت تخلل بها شعر السيدة بلطف؛ تمريرة بأصابعها وتمريرة أخرى بالفرشاة، حتى بدأ الشعر الذهبي يلمع ببريق أخاذ تحت الضوء. وفجأة، سألت السيدة بنبرة صوت باردة وجامدة، خالية من أي مشاعر:
— أي نوع من الرجال كان زوجي؟
نظرت رينا إلى انعكاس وجه كريستينا في المرآة، لكن كريستينا لم تنظر إليها، بل أبقت عينيها مثبتتين على الزهور المجففة الموضوعة أمامها على الطاولة، وتابعت قائلة:
— هذا هو السبب الحقيقي وراء استدعائكِ إلى هنا الليلة.
*(... زوجها!)*. تجمدت رينا في مكانها والفرشاة معلقة في يدها، وشرد ذهنها تماماً وهي تغرق في أعماق ذكرى محفورة في ذاكرتها من الماضي.
> *"من كان لديه أي اعتراض على هذا الزواج، فليتحدث الآن أو ليصمت إلى الأبد."*
> *"في السراء والضراء، في المرض وفي الصحة، في الشباب وفي الشيخوخة... حتى يفرقكما الموت... هل يقبل كل منكما الآخر زوجاً شرعياً لترعاه، وتقدّره، وتحبه طوال حياتكما؟"*
> *"برجاء التوقيع هنا على وثيقة الزواج..."*
>
في تلك الليلة المشهودة، كانت العروس البديلة ترتجف من شدة الخوف خلف طرحتها الطويلة الفاخرة. تم إشعال شمعة واحدة فقط في غرفة الزفاف، وكأن هذا الضوء الشحيح جاء خصيصاً ليساعد في إخفاء ملامح العروس المزيفة. كانت السيدة هيرست قد نبهت رينا بشدة ألا ترفع الطرحة عن وجهها أبداً حتى تنطفئ الشمعة تماماً. وهكذا وقفت رينا هناك، ممسكة بأطراف طرحتها بقبضتين مشدودتين بقوة، لدرجة أن مفاصل أصابعها تحولت إلى اللون الأبيض من فرط التوتر.
بالتأكيد، لم تكن الليدي كريستينا الحقيقية لتشعر بكل هذا الرعب الخانق. تمنت رينا من كل قلبها أن تتماسك وتظهر بعض الشجاعة، لكن الأمر كان يفوق طاقتها.
حاولت سريعاً تذكير نفسها بالسبب الرئيسي الذي دفعها للموافقة على هذه اللعبة الخطيرة، رغبة منها في طرد الخوف من قلبها. فمنذ أن ركضت جدتها العجوز وسط ألسنة النيران في منزلهم المحترق لإنقاذ رينا التي كانت مغمى عليها، أصبحت الجدة تتأرجح على حافة الموت بسبب الحروق والاختناق. وبناء على ذلك، وافقت عائلة "جوليوس" الثرية على التكفل بكافة المصاريف الطبية الباهظة وإرسال طبيب العائلة الخاص للإشراف على علاج جدتها، مقابل أن تقضي رينا هذه الليلة مكان ابنتهم. كانت رينا مستعدة لبيع روحها وفعل أي شيء في العالم لإنقاذ جدتها الحبيبة.
قطع حبل أفكارها صوت رجولي دافئ اخترق ظلام الغرفة وهدوءها:
— ... هل أنتِ خائفة؟
انتفض جسد رينا وجفلت جراء هذا الصوت. نظر الرجل إليها للحظة، وكانت صورته تبدو مشوشة وضبابية من خلف قماش الطرحة، ثم ضحك بينه وبين نفسه ضحكة خفيفة وأشاح بنظره عنها ببساطة.
وتابع قائلاً:
— ... أعتقد أنه سؤال غبي منى، فمن الطبيعي أن تكوني كذلك.
لحسن الحظ، لم يكن هذا الزوج يعرف شيئاً عن ملامح أو شخصية السيدة التي كان من المفترض أن يتزوجها؛ لذا سار الأمر لصالح رينا تماماً، وبدت في نظره مجرد عروس أخرى غلب عليها التوتر والخوف في ليلة زفافها. ومض ضوء الشمعة الخافت بقلق يعكس الاضطراب الذي يسكن الغرفة. وفي تلك اللحظات، تأرجحت مشاعر رينا؛ تمنت تارة أن تمر الليلة بسلام دون أن يكتشف أمرها، وتمنت تارة أخرى أن يكتشف هويتها الحقيقية ويثور غضباً ويخرج من الغرفة وينهي هذه المهزلة. أغلقت عينيها بقوة وحاولت حصر تفكيرها في وجه جدتها المريضة لتستمد القوة.
بعد دقيقة من الصمت، تحدث الرجل مجدداً بنبرة صوت ناعمة:
— ... إذا سمحتِ لي. (توقف قليلاً ثم أكمل): لا يمكنني تأجيل هذا الأمر أكثر من ذلك. أعلم أنه كان من الأفضل أن أنتظر حتى تهدئي، لكن لم يتبقَ الكثير من الوقت، والليل يمر سريعاً...
لم تنطق رينا بحرف وظلت صامتة كالصنم. خلع الرجل الإكسسوارات والمجوهرات الثقيلة والدبابيس التي تزين بدلته الرسمية ووضعها بهدوء على الطاولة، ثم اقترب منها بخطوات ثابتة. وقف أمام العروس المرتجفة ونظر إليها من الأعلى وقال:
— لسوء الحظ، لن تكون هذه الليلة سهلة أو مريحة بالنسبة لكِ... سأبذل كل ما في وسعي لأكون لطيفاً، ولكن ما يتوجب عليكِ تحمله الليلة لا مفر منه. أرجوكِ... تحمّلي من أجلي، وأنا أعتذر منكِ بشدة مقدماً على أي إزعاج.
كانت كلماته الأخيرة والاعتذار الذي قدمه بمثابة مفاجأة صاعقة لرينا. وللمرة الأولى منذ دخولها الغرفة، تجرأت ورفعت رأسها لتنظر إليه مباشرة.
كان رجلاً طويلاً، ضخم البنية، ويمتلك وجهاً وسيماً منحوتاً بدقة كالتماثيل الأثرية. وكان ضوء الشمعة ينعكس بوضوح في عينيه الرماديتين الغامضتين اللتين تحملان نظرة عميقة وهادئة، كان من نوع الرجال الذين يملكون هيبة تذكرك بذئاب القطب الشمالي الشامخة.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
— ... أنا لم أعرّفكِ بنفسي بعد بشكل لائق. اسمي آرثر... كما رأيتِ بالتأكيد عندما وقعنا على وثيقة الزواج قبل قليل.
أطرق رأسه قليلاً وضحك بصوت منخفض، وكأنه يحاول تلطيف الأجواء وإيجاد شيء من الفكاهة في هذا الموقف المتوتر:
— أنا زوجكِ الجديد.
هل كان يحاول المزاح؟ أم كان يرغب فقط في كسر الجليد وممارسة بعض الشكليات المعتادة بين الأزواج؟
لم تستطع رينا إخراج كلمة واحدة من فمها، ولم يكن صمتها نابعاً من الخوف هذه المرة فحسب، بل لأنها تذكرت التحذيرات الصارمة بأنه لا يجب عليها التحدث حتى لا يكتشف نبرة صوتها التي تختلف تماماً عن نبرة السيدة كريستينا. ولحسن الحظ، واصل آرثر الحديث بدلاً عنها ولم يظهر أي امتعاض أو ضيق من سكوتها.
وقال بنبرة مطمئنة:
— ... لا بأس إن لم ترغبي في إخباري باسمكِ الآن.
انحنى ونفخ في الشمعة فأطفأها، ومع حركة خفيفة وناعمة من يده، سقطت الطرحة الثقيلة بهدوء عن رأس رينا في الظلام الدامس. شعرت بيده الباردة تلتف برقة حول مؤخرة عنقها، فأغلقت عينيها مستسلمة للقدر.
لقد كانت رينا تتوقع أن تكون هذه الليلة كابوساً مرعباً ومذلاً. وطوال الأيام الماضية كانت تواسي نفسها وتقول: *(إنها ليلة واحدة فقط وسينتهي كل شيء. لا يهم أي شيء آخر، فلا توجد خادمة في العالم يمكنها بيع عذريتها بهذا المبلغ الخيالي الذي سينقذ عائلتها)*. كانت تحاول جاهدة رفع معنوياتها، لكنها في أعماق قلبها كانت تخشى أن تشعر بالبؤس والإهانة والانتهاك.
لكن ما حدث كان عكس مخاوفها تماماً؛ فقد عاملها آرثر بأعلى درجات الاحترام والتقدير، وكان يراعي مشاعرها ويسألها عن راحتها في كل خطوة ولحظة. في تلك الليلة فكرت رينا: *(أظن أن النبلاء والبلهاء من أمثال الليدي كريستينا يعيشون هكذا ويُعاملون بهذا الدلال طوال حياتهم)*. شعرت وكأنها تذوقت، ولو لليلة واحدة، طعم العيش في عالم مخملي جديد تماماً. ورغم أن التجربة لم تكن سهلة عليها، إلا أن نبل أخلاقه واحترامه الشديد جعلها تشعر بالامتنان والأسف تجاهه في آن واحد. ولحسن الحظ، انتهت الليلة دون أن تترك أي جرح أو ندبة في قلب رينا.
*تشق.* عادت رينا فجأة إلى أرض الواقع بفضل حركة كريستينا. واستعادت تركيزها وبدأت تسرح شعر السيدة مجدداً بعد أن كانت متجمدة لعدة دقائق.
وقالت مجيبة على السؤال:
— هو... (توقفت للحظة لتلتقط أنفاسها ثم تابعت): إنه رجل وسيم للغاية يا سيدتي.
عند سماع هذا الرد البسيط والعادي، نظرت كريستينا التي كانت تجلس هادئة كتمثال من الرخام، بحدة وغضب إلى رينا عبر المرآة. كانت نظراتها مليئة بالاستنكار وكأنها تقول لها: "هل تظنين أنني خاطرت واستدعيتكِ إلى هنا لأسمع هذا الهراء السطحي؟"
قابلت رينا نظرات السيدة الغاضبة بابتسامة هادئة وخفيفة في المرآة، وقالت مطمئنة إياها:
— ... لا تقلقي يا سيدتي. لم يكن رجلاً سيئاً على الإطلاق.
لم تعلق كريستينا على الكلام، فاستمرت رينا في تمرير الفرشاة بنعومة على شعرها الذهبي، وبدأت تسرد لها تفاصيل الحكاية بالتفصيل.
بعد أن انتهت رينا من تصفيف شعر كريستينا وخروجها من الغرفة، استدعتها رئيسة الخدم السيدة هيرست جانباً للتحدث معها على انفراد. وكما توقعت رينا تماماً، وجهت إليها السيدة هيرست تحذيراً شديد اللهجة بضرورة إبقاء هذا السر مدفوناً وألا تنطق بكلمة واحدة لأي مخلوق كان. وطلبت منها أن تغادر القصر وتختفي عن الأنظار لفترة من الوقت حتى تهدأ الأمور، ووعدتها بأنها عندما تعود إلى العمل ستحصل على ضعف راتبها المعتاد كافأه لها.
لكن المفاجأة الكبرى التي لم تخطر على بال رينا، هي عندما أبلغتها السيدة هيرست بأن الرعاية الطبية الشاملة لجدتها المريضة، والتي كان من المفترض أن تنتهي بنهاية هذا العام، قد تقرر تمديدها لخمس سنوات إضافية كاملة على نفقة العائلة. اتسعت عينا رينا من فرط الصدمة والذهول، ووضعت يديها على فمها غير مصدقة ما تسمعه.
وقالت بدموع الفرح:
— شكراً لكِ... شكراً جزيلاً لكِ يا سيدة هيرست!
وانحنت لرئيسة الخدم مرات عديدة لا تُحصى، قبل أن تسير بخطوات راقصة وسعيدة مبتعدة عن جناح الليدي كريستينا.
عادت رينا إلى غرفتها المشتركة في سكن الخادمات مع خيوط الفجر الأولى، لتجد أن بقية الخادمات قد استيقظن بالفعل وغادرن لبدء أعمالهن اليومية الشاقة. فبالتأكيد لم يحظين سوى بساعات قليلة من النوم بعد المجهود الخرافي الذي بذلنه في الليلة الماضية. نظرت رينا إلى السماء التي بدأت تضاء تدريجياً بنور الصباح من خلال النافذة الصغيرة الضيقة التي تسرب الهواء البارد باستمرار داخل الغرفة. استندت برأسها على الباب المغلق، وبعد أن تأكدت تماماً أنها بمفردها ولا يوجد أحد معها، انطلقت من فمها ضحكة سعيدة:
— ها... هيهي...
مدت ذراعيها نحو السقف بتمطط وتثاءبت بعمق لتطرد آثار التعب، ثم توجهت نحو سريرها. ضعف الراتب والمزايا بدون القيام بأي عمل لشهر كامل... شعرت رينا وكأنها عثرت على كنز ذهبي مدفون. والأهم من كل ذلك، أن جدتها ستكون في أيدٍ أمينة وتتلقى رعاية طبية ممتازة لخمس سنوات أخرى. لقد كانت رينا تشعر بالهم وتفكر كيف ستتحمل مصاريف علاج جدتها الباهظة بمجرد انتهاء المدة المتفق عليها في نهاية العام، ولكن الآن تبين أن وضعها المادي سيكون أفضل بكثير مما خططت له. وفكرت أنه ربما بالمال الذي ستدخره من الآن فصاعداً، ستتمكن من شراء منزل صغير دافئ على شاطئ البحر لتعيش فيه مع جدتها.
*(يجب أن أذهب لزيارة جدتي غداً والاطمئنان عليها).*
ولكن بعد تفكير قصير، قررت تغيير خطتها؛ ورأت أنه من الأفضل أن تنام وترتاح يوماً كاملاً قبل القيام بأي مجهود، خاصة وأنها لم تنم سوى خمس ساعات فقط خلال اليومين الماضيين. وبمجرد أن استلقت، شعر جسدها المنهك وكأن السرير يبتلعه إلى الداخل من فرط الراحة. فركت عينيها المتعبتين، وقررت أن تأخذ غفوة سريعة قبل أن تعود الخادمات من نوبتهن.
ثم فكرت: *(... هل سيكون الابتعاد عن القصر لمدة شهر كافياً؟ أغراضي ليست كثيرة على أي حال... يجب أن أقوم بجمع الأشياء الهامة التي أريد أخذها معي إلى المنزل قبل أن أستسلم للنوم).*
نزلت رينا من سريرها وجلست بوضعية القرفصاء على الأرض وبدأت ترتب أشياءها البسيطة. وفجأة، *تكة*، اصطدمت يدها دون قصد بصندوق التخزين القديم الخاص بها، مما أدى إلى فتح غطائه. تيبست نظرات رينا عندما وقعت عيناها على دفاتر القصاصات والالبومات القديمة التي ظهرت من داخل الصندوق.
كانت الورقات والقصاصات قد تحول لونها إلى الأصفر الداكن بسبب مرور السنين الطويلة على جمعها. لمست رينا بأصابعها أطراف الدفاتر التي أصبحت دائرية ومتهالكة من كثرة التقليب والاستخدام، وارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة وهي تسترجع شريط ذكريات السنين الماضية المخزنة داخل هذه الصفحات.
وكانت آخر قصاصة كتبت فيها بخط يدها تعبر عن مشاعرها:
> *زوجي العزيز لليلة واحدة،
> لقد كرهتك ونفرت منك بشدة وأنا أقوم بأعمال التنظيف الشاقة يوماً بعد يوم طوال الشهر الماضي. ولكنني الآن، وبفضلك أنت، أشعر بسعادة غامرة لا توصف. سأعتز بهذه الهدية الأخيرة التي منحتني إياها من كل قلبي، وأتمنى لك من أعماق فؤادي حياة سعيدة ومليئة بالهناء عند عودتك إلى ديارك.*
> *زوجتك السابقة."*
Sweetnoveltime
>



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا