الفصل (12) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,

 


*

تَحرّكت العَربة التي تحمِل المغتربة الغافلة عما يدور حولها على طول الشارع المصطف بالأشجار، متتبعةً ضِفاف نهر "دوب" .

ظلّت "سيو آه" عاقدة يديها بإحكام وهي تحدق من النافذة. كانت ضفة النهر مصطفة بالمباني التي انسكبت أضواؤها الدافئة في عتمة الليل. مرّت العربة بقصر حجري هائل ومهيب لاح بنذير شؤم في الظلام، وكان هناك عربة سوداء ضخمة تقف عند مدخل القصر، يلقي حضورها الفارض ظلاً طويلاً.

*أي نوع من الأماكن هذا؟ وأي نوع من الأشخاص يملك عربة كهذه؟*

تلاشى الخاطر بالسرعة ذاتها التي جاء بها بمجرد تجاوزهم للقصر، وحلّ محله قلقها من جديد، أقوى من أي وقت مضى.

*لم يتبقَ معي الكثير من المال. ماذا لو لم أتمكن من دفع أجرة العربة أو النزل؟ وماذا لو عثر ذلك الرجل عليّ مجددًا؟*

وبينما كانت مخاوفها تتصاعد كدوامة، بدأت سرعة العربة تبطئ بشكل ملحوظ. وسرعان ما توقفت تمامًا، ونادى السائق من الخارج:

"لقد وصلنا!"

أمسكت "سيو آه" بحقيبة أمتعتها وياقة معطفها بإحكام، وتطلعت من النافذة، لتشاهد قصرًا مهيبًا آخر، لا يقل فخامة وجمالاً عن القصر الذي مروا به للتو.

♔♔♔

"هل عثرت على مفتاح الخزنة بعد؟"

لم يُجب "أوسكار".

اكتفى بتدخين سيجارته، متبددًا دخانها كأنه طيف شفاف. ومع انقشاع الدخان، ألقى بسؤال آخر ببرود:

"هل تلقيت أي أخبار من بنك فيلف؟"

*آه، بالطبع.*

ابتهج الدوق في قرارة نفسه؛ فقد كان يملك تحديدًا تلك المعلومة التي قد تثير اهتمام هذا الرجل المريب. كم هو محظوظ أن تأتي مثل هذه الأخبار في الوقت المناسب تمامًا! يا له من توفيق مذهل أن تقع هذه المعلومة بين يديه في هذا التوقيت بالذات!

وبدلاً من الإجابة، أخذ الدوق سحبة من سيجارته ونفث سحابة من الدخان. ومع تشتت الضباب الكثيف بينهما، تلاقت نظراتهما بحدة.

*طق، طق، طق، طق.*

تردد صدى طرقة غريبة ومقلقة في أرجاء الغرفة.

التفت الدوق لينظر نحو الباب، في حين كرر "أوسكار" سؤاله:

"هل هناك أي أخبار تتعلق ببنك فيلف؟"

تحولت نظرة الدوق من الباب وعادت إلى "أوسكار". وكانت السيجارة بين يديه تبعث خطًا رفيعًا من الدخان، يتصاعد في الهواء بلا هدى.

"..."

"..."

تمطت بضع ثوانٍ من الصمت بينهما. أومأ "أوسكار" برأسه مفكرًا مع نفسه، ثم نهض ببطء من مقعده. ومع وقوع ظله على الدوق، بدا وكأن العالم قد أظلم من حوله.

"ماركيز؟"

هل كان ذلك لأن "أوسكار" كان الوحيد الواقف؟ أم لأنه كان بمفرده في الغرفة؟ أم لأن الظل الذي ألقاه "أوسكار" بدأ يبتلعه؟

خيم ضغط خانق على الغرفة كأنه ظلام دامس لا يمكن اختراقه.

ارتخت ملامح "أوسكار" الوسيمة إلى ابتسامة، لكنها كانت ابتسامة جعلت الدوق يشعر وكأنه يُخنق.

"لقد قلت إنك تجد الأمر مسليًا، لذا أنا فضولي."

"أنا... حسناً، في الحقيقة..."

تعلثم الدوق، عاجزًا عن صياغة جملة مترابطة، لكن "أوسكار" لم يكن يملك الصبر أمام مثل هذا العجز. ومع خروج ضحكة جافة من شفتيه، تعثرت كلمات الدوق وماتت في حلقه. فأومأ "أوسكار" متفهمًا:

"اعذرني للحظة."

وفي هذه الأثناء، أثناء انتظاره بالخارج، رأى "سايمون" خروج "أوسكار" من الغرفة واستشعر على الفور أن صبره قد نفد. نقل إليه سريعًا آخر المعلومات، واكتفى "أوسكار"—الواقف كشبح صامت—بالإيماء برأسه وعاد إلى الغرفة دون نبس ببنت شفة.

جف حلق الدوق عندما جلس "أوسكار" مجددًا، بملامح لم تتغير. وأشعل "أوسكار"، وهو لا يزال يبتسم، سيجارة أخرى، محيطًا نفسه بسحابة من الدخان. وتلاشت الابتسامة، ولم يتبقَ ظاهرًا عبر الضباب سوى عينيه الزرقاوين الباردتين.

"يا صاحب السمو، دوق بادن."

تصبب جبين الدوق عرقًا باردًا عند سماع ذلك الصوت القاسي الذي تخلل الدخان. وارتجف جسده العاري، وتقلصت رجولته الضامرة بشكل مثير للشفقة، ولم يملك "أوسكار" سوى أن يطلق ضحكة خافتة أمام هذا المشهد.

كانت الضحكة النابعة من أعماقه تشبه الهزيم القادم من قاع منجم، باردة ك الرياح التي تعوي عبر نفق مظلم تحت الأرض.

أمسك الدوق غريزيًا بالمرأة التي بجانبه، جاذبًا إياها إليه كأنها درع يتترس به، وحدق في "أوسكار".

"آه! يـ-يا صاحب السمو...!"

إن الكلب قد ينبح، لكن الذئب لا يفعل.

في الغابة الساكنة والمميتة، يكتفي الذئب بالانتظار، خافضًا جسده ومتربصًا بالوقت المناسب. ولم يحدث ذلك إلا عندما كشر الذئب عن أنيابه أخيرًا، ليدرك الدوق أنه يقف بمفرده في غابة مهلكة وموحشة.

"هل هناك أي أخبار من بنك فيلف؟"

كانت هذه هي المرة الثالثة التي يسأل فيها.

صرخ حدس الدوق مؤكدًا أنه لن تكون هناك مرة رابعة، فبدأ يتحدث سريعًا وصوته يرتجف:

"لقد... لقد ظهر شخص يحمل مفتاح الخزنة 5555!"

"حقًا؟"

"إنها امرأة، آه، و..."

"متى سأتمكن من فتح تلك الخزنة؟"

"..."

"ألا يمكنني ذلك؟"

جاء صوت "أوسكار" هادئًا بشكل مخادع، لكن نبرة التهديد المبطنة فيه كانت واضحة لا تخطئها عين.

ابتلع الدوق ريقه، وحلقه جاف، وتمتم متلعثمًا: "ينبغي... ينبغي أن يكون ذلك قريبًا. سأحرص على أن يكون قريبًا!"

مال "أوسكار" إلى الخلف قليلاً، ملامحه غير مقروءة. ودق قلب الدوق في صدره، والتف الخوف حوله بإحكام أكبر مع مرور كل ثانية.

قال "أوسكار" بصوت منخفض ومحمل بالخطر: "احرص على أن تفعل ذلك."

أومأ الدوق برأسه بجنون، مستميتًا لاسترضاء الرجل الماثل أمامه. وعندما التفت "أوسكار" مبتعدًا، شعر الدوق وكأن عبئًا قد رُفع عن صدره، على الرغم من أن الخوف العالق جعل التنفس صعبًا.

ولكن مع التقاء عيني "أوسكار" الزرقاوين الباردتين بعينيه مرة أخرى، أدرك الدوق أن العاصفة ما زالت بعيدة عن الانتهاء.

تعليقات

المشاركات الشائعة