الفصى (6) أنت مجرد نزوة – You’re Just a Fling,

 


حسنًا، باستثناء تلك اللحظات العابرة والمفاجئة التي كانت تلمح فيها شيئًا ذهبيًا يجعل قلبها ينبض بشدة، وتجبر قدميها على التراجع من حيث أتيا.

مع ذلك، كانت تحب البقاء هنا.

ظهر الخادم "ويليام" في نفس اللحظة التي دقت فيها ساعة الحائط الكبيرة مرتين.

يبدو أن خمول الساعة الثانية ظهرًا لم يؤثر عليه أبدًا؛ فقد ظل وقورًا ومستقيم الظهر كعادته دائمًا.

قال: "آنسة كلير".

عندما رأيت كلير ابتسامته الخفيفة، خمنت على الفور وقالت:

"إنه يوم إجازتي اليوم، أليس كذلك؟"

"نعم، هذا صحيح. لقد طلب مني سيادة الدوق أن أخبركِ بذلك".

"شكرًا لك على إعلامي".

"إذا كنتِ ستبقين في غرفة المكتب، هل أحضر لكِ وجبة خفيفة؟"

"لا، لا بأس. أفكر في الخروج للمشي اليوم".

أومأ ويليام برأسه خفيفًا ونظر من النافذة وقال:

"أرجو أن تأخذي مظلة معكِ، فربما تمطر".

"إذن، من الأفضل أن أسرع".

تابعت كلير نظرته وأمالت رأسها قائلة:

"لكن السماء صافية وزرقاء جدًا".

"لا تستهيني بطقس الشمال يا آنسة، إنه متقلب أكثر من مزاج المراهقين".

"يا له من وصف دقيق وواضح!"

غيرت كلير ملابسها بسرعة، فقد أرادت أن تستمتع بالمشي قبل أن يتغير الطقس.

لكنها لم تكن تدرك مدى تقلب الأجواء فعلاً.

فما إن خطت خطواتها في الحقل الممتد أمام القصر، حتى باغتتها أمطار غزيرة ومفاجئة.

كان المطر قويًا، وكانت قطراته تضرب وجهها بقسوة.

نظرت حولها بذعر، ووضعت يديها فوق رأسها لحمايتها كأنها مظلة مؤقتة.

راحت تقفز بين برك المياه، حتى نجحت أخيرًا في الاحتماء تحت شجرة صنوبر قريبة.

وقالت لنفسها: "ماذا أفعل الآن؟"

أرجعت شعرها المبلل إلى الوراء ونظرت خارج ظل الشجرة.

لم تكن الأمطار تتوقف، بل كانت تزداد غزارة، وبدأ البرد يتسلل إلى رجليها.

عطست بصوت عالٍ، ونظرت نحو القصر البعيد، وهي محتارة تفكر:

هل تركض وسط المطر؟ أم تنتظر حتى يتوقف؟

لكن البرد كان شديدًا...

فركت كلير أكمامها المبللة، محاولة الحفاظ على ما تبقى من دفء في جسدها.

هبت ريح قوية، فكمشت جسدها تلقائيًا.

وفجأة...

بصوت مسموع، وُضع معطف فوق رأسها.

وقال رجل يركب حصانًا: "هذا الطقس قاسٍ حقًا".

ثم أردف: "اصعدي".

ودون أن ينتظر منها ردًا، أحاط الدوق الشاب خصرها بذراعه ورفعها صوبه.

✦ ❖ ✦

كانت كلير ممشوقة القوام وطويلة، ولم تكن صغيرة الحجم أبدًا، ومع ذلك، بدا جسدها بين يديه وكأنها دمية صغيرة ورقيقة. رفعها بيديه القويتين بسهولة ووضعها على السرج أمامه.

كانت لا تزال مشوشة بسبب هذا الارتفاع المفاجئ، وجفلت عندما لمست أصابعه رقبتها فجأة، ليبعد خصلات شعرها المبللة التي التصقت ببشرتها.

سألها: "هل أنتِ باردة؟"

أجابت: "آه، لا... أقصد، قليلاً".

قال باقتضاب: "تحملي".

غطاها الدوق الشاب بمعطفه بعناية. كان صوته جافًا، لكن يديه كانت حنونة ومراعية، لدرجة أن كلير تشتت ذهنها للحظة.

ربما شد لجام الحصان؛ لأن الحصان أصدر صهيلًا خفيفًا وبدأ يتحرك بسرعة أكبر. جعلها المطر والطريق الضبابي تترنح، لكن ذراعًا قوية جذبتها نحو الداخل.

اقتربت منه أكثر، وشعرت بدفء جسده يمر عبر الملابس المبللة.

كان دفؤه يشبه حرارة الشمس.

أخذت كلير نفسًا عميقًا وهادئًا محاولة استعادة هدوئها. وعبر رائحة المطر الرطبة، تسللت إليها رائحته، التي تشبه رائحة غابة دافئة تشرق عليها الشمس؛ مزيج من الخضرة المنعشة ونسيم الصيف.

كان شعورًا... مريحًا.

مريحًا أكثر من اللازم.

عضت كلير على شفتيها بقوة؛ فهي لم تكن تريد أن تضعف في لحظة لا تعني شيئًا.

فكرت: "هذا ليس صحيحًا".

حاولت غريزيًا الابتعاد قليلاً، لكن الدوق الشاب لم يسمح لها بذلك. ضغطت يده بقوة على كتفها، كتحذير صامت.

كانت دقات قلبها تقرع ك الطبول في صدرها، مضطربة وسريعة، تتردد أصداؤها من رأسها حتى أخمص قدميها. طوال الرحلة، كانت كلير تكافح لمجرد أن تتنفس بشكل طبيعي.

وفي وقت ما، توقف الحصان.

أمسكت يده الكبيرة بخصرها مجددًا، وساعدها بلطف على النزول. وعندما لامس حذاؤها الأرض الثابتة، خلعت غريزيًا المعطف الذي كان يغطي رأسها.

بدا العالم الذي ظهر أمام عينيها كأنه لوحة فنية: ظهر الرجل العريض والقوي، وشعره الذهبي.

كادت أن تتجمد في مكانها من المشهد، لكن صوت باب يُفتح بقوة أعادها إلى الواقع.

التفتت ورأت كوخًا صغيرًا، ورجلًا يخرج من الباب.

وقال بقلق: "...سيدي الشاب!"

رد الدوق: "مرحبًا جون. أين نورا؟"

"إنها بالداخل. تفضل بالدخول بسرعة!"

"هذا ما سأفعله".

وبيد حازمة ولطيفة في آن واحد، أرشدها الدوق الشاب لتدخل أولاً.

سأل جون: "سيدي الشاب، مَن هذه الآنسة...؟"

أجاب: "ضيفة والدي".

ابتسمت كلير بشكل طبيعي ومدت يدها قائلة: "أنا كلير وايد. تشرفت بمعرفتك".

صافحها جون سريعًا وقال: "أنا جون، حارس الصيد لعائلة برتراند، آنسة وايد".

ثم التفت نحو داخل المنزل ونادى بصوت عالٍ: "نورا!"

"ماذا هناك الآن... أوه إلهي، سيدي الشاب! في هذا الطقس! ماذا لو أصبت بالبرد؟"

بدا أن هناك سيلًا من التوبيخ على وشك الانطلاق، لكن الدوق الشاب لوح بيده ببساطة قائلاً:

"إذن أعطني منشفة".

أسرعت امرأة ذات شعر رمادي وأعطت كلًا منهما منشفة.

وأضاف الدوق: "وملابس للآنسة وايد".

اختفت نورا في الداخل وعادت بملابس جافة لكلير. ثم ضربت الدوق الشاب ضربات خفيفة على ظهره معاتبة:

"كيف تخرج في هذا الطقس؟! ومعك سيدة أيضًا!"

"لقد صادفت الآنسة وايد بالخارج. كيف لي أن أعرف أنها ستمطر؟"

"بل كنت تعرف!"

"لا، لم أكن أعرف".

"كاذب!"

تغير ذلك الوجه الذي يشبه الملاك إلى ابتسامة شقية، وهز الشاب كتفيه قائلاً:

"لقد استخدمت العذر الأسهل يا نورا. أم أن لديكِ عذرًا أسهل منه؟"

"..."

"أخبريني، وسأستخدمه في المرة القادمة".

"سيددددي الشاب!"

غطى أذنه في الوقت المناسب، لكن نظرته الواثقة والمستفزة جعلت نظرات نورا تصبح أكثر حدة.

وبينما كانوا يجففون أنفسهم، كان من الواضح أن هناك عاصفة من التوبيخ قادمة لا محالة.

بعد أن اقترح على كلير أن تأخذ وقتها لتغيير ملابسها، سحب الدوق الشاب جون إلى الخارج. عندها فقط هدأت نورا وتوقفت عن التذمر.

وقالت نورا وهي تتنهد: "أوف! متى سيتعلم هذا الشاب أن يستمع للكلام!"

(فكرت كلير في نفسها: "انظري إلى وجهه يا سيدتي، إنه يصرخ قائلاً: أنا لا أستمع لأحد".)

لكن كلير احتفظت بهذه الفكرة لنفسها بحكمة. غيرت ملابسها إلى أخرى جافة وراقبت نورا بحذر، متمنية ألا تصبح هي الهدف التالي لتوبيخها.

قالت نورا بلطف: "أنتِ وجه جديد هنا يا آنسة".

لحسن الحظ، بدت نورا مستعدة لتكون طيبة معها.

رحبت بها كلير بأدب وقالت: "يسعدني لقاؤكِ يا سيدة نورا. أنا كلير وايد،  انا هنا كضيفة لسيادة الدوق. من فضلكِ ناديني كلير".

ردت نورا بابتسامة وقورة: "ضيف الدوق هو ضيف عزيز علينا جميعًا. مرحبًا بكِ. يبدو أن المطر لن يتوقف قريبًا، لذا اقضي الليلة هنا براحة. فطيرة اللحم التي أعدها مميزة حقًا، تطلعي لتذوقها!"

صفقت نورا بيديها بحماس، وعرضت كلير المساعدة في إعداد العشاء، لكن...

"أنتِ ضيفة، أليس كذلك؟"

بهذا الرد الحازم، لم يكن أمام كلير خيار سوى الجلوس مجددًا.

بعد أن اختفت نورا بسعادة في المطبخ، لم يمر وقت طويل حتى عاد الدوق الشاب.

انحنى قليلاً لتجنب ضرب جبهته بإطار الباب، ثم وقف مستقيمًا مرة أخرى.

ألقى نظرة سريعة وباردة على الغرفة قبل أن يجلس على الأريكة المقابلة لها، مادًا رجليه باسترخاء.

حتى وعيناه مغلقتان، كان حضوره يملأ الغرفة، وجعل كلير تعدل جلستها وتشد ظهرها تلقائيًا.

شعرت وكأن الهواء أصبح أثقل بمجرد دخوله، ربما لأن رجلاً ضخم البنية صار يشغل مساحة صغيرة.

طوت يديها بهدوء.

ومثلها، كان قد غير ملابسه، وأصبح يرتدي قميصًا جافًا، فتح منه أول زرين.

خفضت كلير نظراتها لتراقب يديه المسترخيتين على ركبتيه.

كان يرتدي قفازًا أسود في يد، بينما كانت اليد الأخرى عارية.

كان التناقض بين الأسود والأبيض لافتًا للانتباه بشكل غريب.

ثم تحركت يده... ببطء وهدوء وجاذبية.

أمسكت أصابعه الشاحبة بطرف القفاز وبدأت في خلعه ببطء، لتظهر البشرة الناعمة تحته.

ثم فتح كلتا يديه نحوها.

وكأنه يريها خاتمًا ليس موجودًا أصلاً.

نظرت كلير بذهول إلى عروق يده، وأصابعه الطويلة، وأظافره المرتبة. وعندما استعادت وعيها أخيرًا ونظرت لأعلى، وجدته يراقبها بنظرة غامضة لا يمكن تفسيرها.

أنزل يديه، لكن عينيه لم تفارقها.

ولأنها لم تفهم تلك النظرة الغريبة، أو ربما لأنها لم ترغب في فهمها، شعرت كلير بارتياح شديد عندما سمعت صوت نورا في الوقت المناسب تمامًا.

لأن هذا الصوت منحها العذر لتنقذ نفسها وتتراجع.

وكما وعدت نورا، كانت فطيرة اللحم مقرمشة ولذيذة، وكان دفؤها كافيًا تمامًا لتهدئة جسدها الذي جمدته الأمطار.

وحتى أثناء تبادل أطراف الحديث الخفيف، كانت كلير حريصة ألا تنظر إليه بطرف عينها؛ لأنها شعرت أنه لو فعلت ذلك، فقد يحدث شيء لا يمكن التراجع عنه. كان مجرد شعور لا أساس له، لكنها فضلت الحذر على أي حال.

تعليقات

المشاركات الشائعة