الفصل (1) أسباب هذا الزواج التعاقدي / The Reason for a Contractual Marriage,
كانت باقة مليئة بالزهور الجميلة.
كوبية وردية، وفجلوان (بيوني) أبيض، وزنابق الكالا، وأمارلس.
مررت "بريانا" أطراف أصابعها برقة فوق البتلات الوردية لزهور الكوبية. كان يُقال إن معنى هذه الزهرة يرمز إلى القلب المخلص والصادق. بينما تعني زهور الفجلوان البيضاء زواجاً سعيداً، وتعبّر زنابق الكالا عن الحب الأبدي، أما زهور الأمارلس فكانت تعكس جمالاً باهراً وخاطفاً للأنظار.
ومع ذلك، لم يكن أي من هذه المعاني يهم "بريانا" في شيء. فهذا الزواج الذي كانت على وشك الدخول فيه لم يكن حقيقياً، بل مجرد عقد مصلحة. وجعلتها فكرة عهود الحب الزائفة التي ستنطق بها قريباً تدرك مدى عدم ملاءمة هذه الزهور لوضعها الحالي.
وقالت إحدى الخادمات بصوت مليء بالإعجاب: "آنسة بريانا، تبدين مذهلة اليوم".
رفعت "بريانا" رأسها عند سماع هذا الإطراء بعد أن كانت مستغرقة في أفكارها. كانت الخادمات، اللواتي احمرت وجوههن من الحماس، ينظرن إليها بأعين تتلألأ بريقاً. وعندما بادلتهن "بريانا" بابتسامة صافية، امتلأت الغرفة على الفور بالضحك والبهجة.
قالت خادمة أخرى: "هذا صحيح، لم أرَ قط عروساً أكثر جمالاً من الآنسة بريانا".
لتتدخل ثانية قائلة: "حسنًا، هذا لأن الدوق يعزها ويقدرها كثيراً. فالعروس التي تحظى بحب عريسها تتألق دائماً".
وأضافت ثالثة: "بالتأكيد. لا بد أن الدوق كان متلهفاً جداً للزواج من الآنسة بريانا ليعجل بالزفاف بهذا الشكل. إنه في العادة شخص لا يستعجل الأمور قط".
تحدثت الخادمات بأصوات أكثر حماساً واهتزازاً من صوت العروس نفسها، مما أجبر "بريانا" على استجماع قواها لترسم ابتسامة مشرقاً. لقد كنّ يعتقدن أن سيد هذا القصر العظيم كان يكنّ لها عاطفة طويلة الأمد وأنه تقدم لخطبتها أخيراً.
لكن كل ذلك كان محض أكاذيب وخداع.
ففي النهاية، قبل بضعة أشهر فقط، كانت مستعدة للزواج من رجل آخر. ولو لم يمت خطيبها فجأة وبشكل غير متوقع، ولو لم تواجه صعوبات غير متوقعة بعد ذلك، لما وجدت نفسها في هذا الموقف اليوم.
ولم يكن العالم يعرف شيئاً عن هذه التفاصيل المعقدة. فلن يكون من مصلحة أحد أقوى رجال المملكة أن يُعرف أنه وافق على زواج تعاقدي؛ فقد أراد أن يظهرا كأي زوجين عاديين في أعين الآخرين.
حدثت نفسها وهي ترفع طرفي شفتيها: *'لذا، يجب ألا أبدو كئيبة. بريانا، عليكِ أن تبتسمي بشكل أكثر إشراقاً'*.
اليوم، كان عليها أن ترتدي وجه العروس الأكثر سعادة في العالم، العروس التي اختارها الرجل الذي تتطلع إليه كل سيدة في المملكة. كانت هذه طريقتها في رد الجميل للشخص الذي مد لها يد العون طواعية عندما وجدت نفسها في مأزق عصيب.
وسألتها إحدى الخادمات: "لقد انتهينا تماماً. هل تودين إلقاء نظرة في المرآة؟"
وقبل أن تدرك ذلك، كانت الاستعدادات قد اكتملت. نهضت "بريانا" ببطء تتبع توجيهات الخادمة، واتسعت عيناها الفيروزيتان بذهول أمام انعكاس صورتها في المرآة الكبيرة.
كان الحرير ذو اللون الكريماني (السكري)، والذي يتلألأ كاللؤلؤ، يتدفق بسلاسة منساباً فوق تفاصيل جسدها. كان فستاناً بسيط التصميم دون أي زركشات ضخمة، لكن الجواهر الصغيرة المرصعة في جميع أنحاء التنورة كانت تلمع تحت الأضواء، مما أضفى تأثيراً أكثر فخامة وتألقاً. أما شعرها البني، المزين بورود بيضاء، فكان ينسدل بطبيعية فوق أحد كتفيها، ليكمل مظهر الفستان بشكل مثالي.
حدقت "بريانا" مأخوذة بالمرأة الغريبة عنها في المرآة. لقد اختفت فتاة الريف تماماً، وحلت محلها سيدة أنيقة تبدو وكأنها ولدت من صلب النبلاء.
بدأت الخادمة قائلة: "على الرغم من أنه قد يبدو بسيطاً نوعاً ما حول عنقكِ الآن، إلا أنه قريباً..."، ثم توقفت فجأة عن الكلام وجفلت.
إذ قامت خادمة أخرى بجانبها بإسكاتها بحركة سريعة. رمشت "بريانا" بتعجب، فسارعت الخادمة إلى تغيير الموضوع:
"على أي حال، هل كنتِ تعلمين؟ لقد جهز الدوق فساتين ومجوهرات لهذا الزفاف يمكنها شراء قلعة صغيرة".
لم تملك "بريانا" سوى أن تطلق ضحكة خافتة: "شكراً لكِ على كلماتكِ اللطيفة، ولكن يبدو أن في الأمر بعض المبالغة".
أصرت إحدى الخادمات: "هذا حقيقي. لقد سمعت ذلك بنفسي من رئيس الخدم، وهو لا يمكن أن يكذب في مثل هذه الأمور".
وأضافت أخرى: "صحيح، إنه شخص دقيق ومتحفظ للغاية".
وقالت الثالثة: "سمعت أن الدوق اختار لكِ الأفضل من بين كل شيء".
وبالعودة بذاكرتها إلى الوراء، كان كل شيء قدمه لها منذ أن تقرر الزواج ثميناً ومفرطاً بشكل مستمر؛ فساتين لا حصر لها، مجوهرات، عربات، وحتى خيول.
ولكن...
أخفت "بريانا" الابتسامة المرة التي حاولت شق طريقها إلى شفتيها. ففي نهاية المطاف، لم يكن هذا سوى حيلة أخرى لخداع الآخرين؛ فمن خلال إمطارها بالهدايا الباهظة الثمن، كان يهدف إلى جعل الناس يعتقدون أنها عروس سعيدة ومحبوبة من قبله بعمق.
بينما في الحقيقة، كان فقط يؤدي واجباً تجاه صديقه المقرب بتحمل مسؤوليتها.
سألتها إحدى الخادمات بلهفة: "آنسة بريانا، كيف تشعرين؟ هل أعجبكِ؟"
نفضت "بريانا" سريعاً تلك الأفكار المعقدة من عقلها، والتفتت إلى الخادمات اللواتي عملن بجد من أجلها طوال الساعات القليلة الماضية، ومنحتهن ابتسامة طيبة.
وأجابت بدفء: "لقد أحببته حقاً. شكراً لكم".
استجابت الخادمات بفرحة عارمة، وانحنين قليلاً تعبيراً عن امتنانهن. وفي تلك اللحظة، تردد صدى طرقة على الباب، وانفتح لتظهر في سطح المرآة المصقول صورة رجل.
كان طويلاً وبنية جسدية قوية. وكان لحضوره هالة طاغية تعجز الكلمات عن وصفها، ملأت الغرفة وغيرت الأجواء فيها تماماً. وسرعان ما تراجعت الخادمات إلى الخلف وانحنين برؤوسهن.
لم يدخل الرجل على الفور؛ ولسبب ما، توقف عند الباب، وتلاقت أعينهما عبر المرآة.
في السابق، كانت "بريانا" تتجنب نظراته دائماً، شاعرة بارتباك وضيق لا يفسر عندما تنظر في عينيه العميقتين والمظلمتين. لكن هذه المرة، وجدت نفسها تحدق بذهول في انعكاس صورته.
كان شعره الأسود، الذي كان يغطي جبهته عادة، مصففاً بعناية إلى الخلف اليوم، مما أبرز عينيه الحادتين ومنحه مظهراً أكثر جاذبية وإثارة للإعجاب. وكان يرتدي زياً رسمياً مزيناً بخيوط فضية بدلاً من ملابسه البسيطة المعتادة، مما جعله يبدو أكثر فخامة وبهاءً.
كان يشبه إلهاً قديماً من لوحة كلاسيكية—تجسيداً للقوة التي تبدو لا تقهر، ممتزجة بنقاء خالٍ من أي شائبة. رجل أشبه بإله حرب نبيل.
"لوشيوس كارلايل".
وفي تلك اللحظة، ضربتها الحقيقة بقوة، فأمسكت "بريانا" بالباقة بإحكام.
*هل سأتزوج هذا الرجل حقاً؟ هل هذا هو الخيار الصحيح فعلاً؟*
لكي نكون صادقين، شعرت برغبة عارمة في الهروب أو الانشقاق في الأرض والاختفاء. ورغم أن الظروف لم تترك لها أي خيار آخر، إلا أن هذا كان جنوناً محضاً.
ومن بين كل الشروط، كان شرط هذا الزواج التعاقدي هو أن تنجب له طفلاً يحمل اسمه.
*(أنتِ بحاجة إلى مكان آمن، وأنا بحاجة إلى وريث يحمل اسم عائلتي ويحمي سلالتي. إذن، ما رأيكِ أن نبرم هذا الاتفاق؟)*
تردد صدى اقتراح "لوشيوس" في عقلها، مما جعل شفتيها ترتجفان لا إرادياً.
*ربما، حتى الآن، يجدر بي أن أخبره؟ لو قلت إنني لا أستطيع المضي قدماً في هذا الزواج قبل فوات الأوان، ربما...*
في تلك اللحظة، تردد صدى صوت "لوشيوس" المنخفض والعميق: "بريانا".
بدأ يسير نحوها، وراقبته "بريانا" يقترب عبر المرآة.
استشعرت الخادمات الموقف، فغادرن الغرفة سريعاً، وبحلول الوقت الذي وصل فيه إليها، كانا بمفردهما.
مسحت "بريانا" علامات القلق التي كانت ظاهرة على وجهها، وتدربت على الابتسامة التي رتبتها في ذهنها. وعندما التفتت لتواجهه بشكل صحيح، ظهرت سلسلة براقة ورقيقة أمام عينيها.
"هذا..."
لقد كانت قلادة تشع نبلًا وفخامة. وحتى هي، غير المعتادة على مثل هذه الزينة الفاخرة، استطاعت أن تدرك من النظرة الأولى أن هذه ليست قطعة عادية؛ حيث كانت الجوهرة الباهرة الجمال في نهاية السلسلة تتأرجح بلطف.
كانت جوهرة على شكل قطرة دماء تتلألأ باللون الفيروزي، وتحيط بها ماسات عديدة تزينها. وكانت الحرفية الذهبية المعقدة دقيقة للغاية لدرجة يصعب معها تصديق أنها صُنعت بأيدي بشرية.
أوضح "لوشيوس" بصوت هادئ: "إنها هدية زفاف. لقد صممتها خصيصاً، لكنها استغرقت وقتاً أطول مما توقعت لصنعها".
لثوانٍ، شعرت بأنها مذهولة تماماً. هدية زفاف؟ وماذا عن كل تلك الفساتين والمجوهرات التي تلقتها حتى الآن؟
وقد صممها خصيصاً؟ هل فكر بنفسه في تصميم هذه الجوهرة؟ ولماذا؟ كانت لديها أسئلة لا حصر لها، لكن لم تكن هناك فرصة لتسألها؛ فقد كانت يداه تمتدان بالفعل خلف عنقها لتثبيت القلادة وإغلاقها.



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا