الفصل (4) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,

 


"نعم يا صاحب السمو، هذا يبدو رائعاً حقاً!"

في تلك الأثناء، نهضت امرأة أخرى كانت تجلس بجانب الرجل —الدوق بادن— من مكانها. ثم قامت بسكب بعض الحليب المكثف لتغميس حبات الفراولة وتقديمها له في كأسه. كان السائل الأبيض اللزج يتدفق ببطء فوق الطاولة المسكوب عليها الشراب، متجمعاً في قطرات متتالية عند حافة الكوب.

بينما كانت عينا الدوق بادن، المثقلتان بأثر الشراب والترف، تركزان على ذلك المشهد، قربت المرأة الكأس المليء بالحليب إلى فمه وهمست له بنعومة:

"يا صاحب السمو، أنا آرمان روز."

كانت حبات الفراولة الحمراء المغطاة بالسوائل البيضاء تبرز بشكل صارخ وسط الأطباق الفاخرة، مما جعلها تبدو كبتلات الورد المتناثرة وسط قاعة الاحتفال الصاخبة.

الدوق، الذي بدا وكأنه قد نسي تماماً أنه ليس مجرد رجل عادي بل هو الشقيق الأصغر لملك فيلف ورئيس بنك فيلف الشهير، انحنى بشغف وبدأ يتناول الشراب والحلوى بتهور. لم يكن يكترث على الإطلاق بأن وجهه قد تلطخ بالحليب الحلو من شدة النهم. وبينما كان يستمر في تناول طعامه وشرابه وسطه هذا الدلال، استجابت المرأة بضحكة خافتة وناعمة، رتبتها بدقة لتكون ممتعة ومغرية للمستمع.

تجرأت على التربيت على رأس الدوق وهي تتحدث بدلال:

"تابع... تناول المزيد."

وبدا الدوق متلهفاً للاستجابة، فبدأ يتناول طعامه بجهد أكبر، حتى غارت وجنتاه من شدة المحاولة. وبينما انتقل لتناول طبق آخر من الفواكه، كانت المرأة التي تجلس بجانبه عن قرب تبادله الحديث وتتحرك بانسجام غريب يتماشى مع أجوائه الصاخبة.

بينما كان الدوق يتنفس بصعوبة من شدة الانغماس في الشراب، كانت هناك أجواء صاخبة وفوضوية أخرى تتكشف بجانبه في نفس الغرفة.

كانت الأصوات المزعجة الناتجة عن حركة الحشود المتمايلة، مصحوبة بضحكات مبالغ فيها ومصممة خصيصاً لجذب انتباه الحاضرين، تزيد من حرارة الأجواء داخل الغرفة. أريكة المخمل الفاخرة، والتي كانت تعتبر قطعة فنية فريدة في حد ذاتها، قد اتسخت منذ فترة طويلة بالسوائل المنسكبة والمشروبات الفاخرة من مصادر مجهولة. أما معاطف وسترات الضيوف المتميزين، الذين حاولوا ذات يوم الحفاظ على مظهر من التحضر والوقار، فقد ألقيت على الأرض بإهمال كأنها خرق بالية، وكان الشراب الثمين الذي تكلف القطرة منه مئات الكيرتات ينتقل من يد إلى يد ويُسكب باستهتار شديد على السجاد.

في هذه اللحظة، وفي هذه الغرفة تحديداً حيث كانت تُهدر مبالغ مالية فلكية في لحظات طيش، لم يكن هناك شخص واحد باقٍ في كامل وعيه وعقله. لذلك، حتى عندما فُتح الباب فجأة وبقوة محدثاً تحطماً مدوياً وصوتاً عالياً للغاية، لم يتمكن أي شخص داخل الغرفة من استيعاب أو فهم ما كان يحدث حوله.

بابتسامة ساخرة وباردة، راقب أوسكار هؤلاء الضيوف الذين تخلوا ليس فقط عن مظهرهم الرسمي بل وعن كرامتهم وعقولهم أيضاً، وهم يتصرفون بفوضوية مفرطة تماثل تصرفات الكائنات البدائية. أشار بيده إلى الرجال الذين تبعوه للبقاء في الخلف وعدم التدخل، ثم دخل ببطء وهدوء إلى ذلك الوكر المليء بالفوضى، بينما سارع سكرتير الدوق الأكبر لإغلاق الباب خلفه على عجل لئلا يرى أحد بالخارج ما يحدث.

استقر أوسكار وجلس بارتياح على الأريكة المقابلة للدوق، الذي كان يتنفس ببطء وثقل، غارقاً تماماً في استرخائه ومحاطاً بالمرأتين اللتين تخدمانه وتلبيان طلباته. أشعل أوسكار سيجارته، واستنشق الدخان بهدوء شديد، بينما كان سكرتير الدوق يحاول بيأس وذعر إيقاظ سيده وتنبيهه من حالة السكر والذهول التي يمر بها.

"يا صاحب السمو، يا صاحب السمو!"

الدوق، الذي كان لا يزال مستغرقاً في غيبوبته الفوضوية ويقترب من قمة استرخائه، تذمر بضيق وانزعاج شديد من اليد التي كانت تضغط على ظهره لإيقاظه.

"ماذا هناك الآن؟"

"يا صاحب السمو، أرجوك..."

"من هذا الأحمق الذي سمح لك بالدخول إلى هنا الكبرى؟!"

أشار السكرتير، الذي كان على وشك البكاء من شدة الخوف، بيد ترتجف نحو الأمام، وحينها التفتت عيون الدوق وبقية الضيوف ببطء وتابعوا إصبعه المشير.

"..."

"..."

"..."

كان هناك رجل يجلس براحة تامة، يضع رجلاً فوق الأخرى، ويدخن سيجارته بهدوء قاتل.

وسط ذلك الصمت المفاجئ والصادم الذي حل بالقاعة، أطلق أوسكار ضحكة خافتة وساخرة قبل أن يوجه كلامه مباشرة إلى الدوق.

"أرجوك، تابع ما كنت تفعله. يمكنني الانتظار لفترة أطول قليلاً."

كان صوته منخفضاً ويقطر تهكماً وسخرية لاذعة، وفي اللحظة التي أنهى فيها كلامه، انتفض الدوق على عجل وابتعد عن رفيقاته محاولاً استعادة توازنه. وفي الوقت نفسه، انسكبت بقايا المشروبات البيضاء الفاخرة وتناثرت بقوة من الكؤوس المقلوبة على الطاولة. سارعت النساء اللواتي كن يتصرفن باستهتار ويدعمن تلك الأجواء الفوضوية إلى الاعتدال في جلستهن فوراً، بينما تدافع بقية الضيوف الذين شاركوا في تلك السهرة الصاخبة لجمع ستراتهم وملابسهم الرسمية الملقاة أرضاً وتغطية أنفسهم بحرج.

انسكبت المشروبات بغزارة وتناثرت على الطاولات وسط تلك الفوضى العارمة، وتحطمت الكؤوس الزجاجية وتناثرت أشلاؤها على الأرضية.

"لقد أخبرتك أن تأخذ وقتك ولا تتسرع."

ألقيت هذه الملاحظة بنبرة عادية وبسيطة للغاية صاحبتها نفخة خفيفة من دخان السيجارة، ورغم أن أوسكار كان يبتسم هادئاً، إلا أن تعابير وجهه كانت تحمل شيئاً من البرود الشديد والتعالي اللامتناهي.

توقفت فجأة حركات دوق بادن، الذي كان يحاول بارتباك شديد ارتداء سترته الرسمية التي ناولها له سكرتيره المذعور. ومهما كانت الفكرة الصادمة التي خطرت بباله في تلك اللحظة، فقد ألقى بالسترة بغضب على الأرض واعتدل في وقفته تماماً. ثم ثبت نظراته الحادة على الدوق الشاب، الذي كان لا يزال مستلقياً بإهمال ويدخن سيجارته بدم بارد، وبصق كلماته المليئة بالاحتقار والغضب قائلاً:

"اخرجوا جميعاً، اخلوا المكان فوراً."

تحرك الضيوف والرفاق الذين أحضرهم معه بسرعة فائقة وكأنهم كانوا ينتظرون هذا الأمر بفارغ الصبر للهروب من نظرات أوسكار. وبينما هم غادروا مسرعين يحاولون بالكاد ستر أجسادهم بالمعاطف، أمسك الدوق بذراع المرأة التي كانت تجلس قربه وتخدمه قبل قليل.

"صـ صاحب السمو؟"

"أنتِ، اجلسي هناك واستمري في سكب الشراب."

ومع تلك الكلمات، جلس مرة أخرى بثقل وعنف على الأريكة، دون أن يرتدي سوى ردائه الخفيف المفتوح، مستمراً في محاولة إظهار عدم الاكتراث بما يحدث. تراجع إلى الخلف تماماً مستنداً بظهره على حافة الأريكة، وبإشارة سريعة وكاجوال من إصبعه نحو سكرتيره، ناوله الأخير سيجارة على الفور. وعندما أخذ نفساً عميقاً وطويلاً منها، مقلداً الجلسة الباردة والمستهترة لأوسكار الذي كان يجلس أمامه مباشرة، انحنى السكرتير واقترب كثيراً من أذنه وهمس له بسرعة بالأنباء العاجلة والمهمة التي لم تكن لديه الفرصة لإيصالها إليه حتى الآن.

تعليقات

المشاركات الشائعة