الفصل (24) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,

 


"فيلف".

تلك المدينة الدويلة التي حافظت على وضعها كمملكة بالرغم من صغر مساحتها وتعداد سكانها الضئيل. وقد تمكنت "فيلف" من الصمود والاحتفاظ بمكانتها السيادية وسط التاريخ المضطرب لقارة "نورفولك" بفضل شيء واحد أساسي—البنك.

بنك فيلف الملكي.

تأسس هذا البنك منذ ما يقرب من أربعة قرون كأول بنك في قارة نورفولك، واكتسب شهرة واسعة بسبب صرامته الشديدة في الحفاظ على السرية؛ إذ لم يكشف البنك قط عن هوية عملائه مهما كانت صفتهم. وحتى عندما كانت الملوك الأجانب تطالب بمعلومات، كان البنك يلوذ بالصمت التام.

كان البنك يقبل الأموال دون السؤال عن مصدرها، وتظل هويات المودعين طي الكتمان.

وبطبيعة الحال، تدفقت كل الأموال المشبوهة والسوداء من شتى أنحاء القارة إلى بنك فيلف. بل وسرت شائعات بأن الثروات المخفية لعائلة "بوليا" الملكية الساقطة قد وجدت طريقها إلى خزائن هذا البنك.

لقد غدت "فيلف" بمثابة الخزنة العملاقة لصفوة ونخبة نورفولك. وكان هؤلاء المتنفذون يتعاملون مع قوانين فيلف المصرفية بقدسية بالغة لحماية أموالهم السرية.

وكانت المجموعة الأبرز من بينهم هي "التحالف الملكي لنورفولك".

قبل قرن من الزمان، كانت العائلات الملكية في مختلف الدول تتقاتل كالكلاب على النزاعات الحدودية، أما الآن، فقد تكتلت بأسلوب يثير السخرية تحت راية "تحالف" لتعزيز أواصر الصداقة. وكان ذلك دليلاً جليًا على أن الحقبة التي كانت فيها المكانة والأرض تضمن القوة قد ولت إلى غير رجعة.

لكن الأموال السوداء كانت دائمًا دافعًا رئيسيًا للاغتيالات؛ فقبل تأسيس القوانين المصرفية، لم يكن من الغريب أن يقتل الأبناء آباءهم للاستحواذ على محتويات خزائنهم.

وفي نهاية المطاف، ضغطت الشخصيات النافذة في القارة لضمان أن تكون قوانين فيلف المصرفية مصونة ولا يمكن انتهاكها.

كانت قوانين بنك فيلف بسيطة: قيود قليلة على إيداع الأموال، لكنها قيود صارمة ومعقدة عند سحبها.

لا يمكن فتح الخزائن إلا من قِبل الشخص الذي فتحها بنفسه أو ورثته الشرعيين. وحتى لو كان هناك شخص يحمل المفتاح، فلن يتمكن من فتح الخزنة ما لم يكن هو المالك الشرعي المعترف به.

ومع ذلك، وتحسبًا لاحتمال وفاة صاحب الخزنة دون ترك تعليمات واضحة، سمح القانون لمن وضع يده على المفتاح أن يفتح الخزنة بعد مرور عشرين عامًا.

وكانت الخزنة رقم (5555) تقع ضمن هذه الفئة.

ولحماية حاملي المفاتيح، كان البنك يصدر "شهادة" تؤكد وضعهم كمالكين جُدد محتملين للخزنة. وكانت هذه الشهادة وثيقة قانونية تشير إلى أن حامل المفتاح سيصبح المالك الشرعي إذا لم يظهر المالك الأصلي، إلا أن هذه الشهادة لا تصدر إلا مرة واحدة خلال فترة زمنية محددة.

بعد ذلك، يخضع حامل المفتاح لعملية تحقق صارمة، وخلال هذه الفترة، يُعترف به كمالك مؤقت للخزنة. ورغم أنه لا يستطيع الوصول إلى محتويات الخزنة على الفور، إلا أنه يحظى بالحماية الكاملة بموجب قوانين فيلف المصرفية. وإذا أصاب حامل المفتاح مكروه خلال هذه الفترة، تُغلق الخزنة وتُشمع لعشرين عامًا أخرى، بغض النظر عمن يملك المفتاح بعده.

ولأن الفتاة قد حصلت بالفعل على شهادة حامل المفتاح، فقد رُفع تقرير بهذه المعلومات إلى الملك، الذي كان يرى قوانين فيلف المصرفية أمرًا مقدسًا لا يُمَس.

وبعبارة أخرى، تحولت الفتاة إلى "مفتاح حي".

كتم سايمون أنفاسه وهو يقف بجانب أوسكار.

ظل أوسكار صامتًا، وعيناه مثبتتان بتركيز شديد على بقعة واحدة.

لقد كانت الفتاة سيئة الحظ.

كان حظها عاثرًا بأن تصبح هدفًا لأوسكار. ربما كانت محظوظة بحصولها على شهادة حامل المفتاح قبل أن يتمكن أوسكار من التحرك، لكن كان الأجدر بها لو أنها باعت المفتاح بمبلغ طائل بدلاً من أن تصبح غريمته ومحط أنظاره.

ثم، وكأن مفتاحًا قد أُدير في عقله، ابتعد أوسكار عن الجذع الذي كان يستند إليه. تطلع سايمون غريزيًا نحو القصر؛ حيث أشار أحد الوكلاء المتشبثين بالنافذة الواقعة فوق غرفة الفتاة مباشرة إلى أوسكار بإصبعه نحو الأسفل.

تسلل أوسكار إلى الظلام كخيال يمر تحت ضوء القمر، متحركًا صوب القصر. وكانت "الذئاب" التي تغلغلت في المكان بصمت ترقبه عن كثب، متأكدة من خلو طريقه من أي عقبات.

صعد أوسكار السلالم بخطوات هادئة تكاد تكون كسولة، ودار حول البسطة ثم سار في الممر. ومع اقترابه من غرفة الفتاة، كانت الذئاب قد تخلصت بصمت من الرجال الذين كانوا يحرسون الباب؛ حيث جُرّ رجلان ضخما البنية بعيدًا دون إحداث أي صوت يذكر.

تجاوز أوسكار الحارسين اللذين سُحبا، وتوقف أمام الباب مباشرة.

نظر لبرهة إلى مقبض الباب قبل أن يرفع عينيه نحو الباب نفسه.

ومن وراء هذا الباب الخشبي الرقيق، كان بإمكانه سماع تأوهات خافتة، ورائحة مميزة لشيء غير مألوف، وضحكات فاحشة تخرج من فم شخص غارق في الإثارة.

تعليقات

المشاركات الشائعة