الفصل (1) نعي: سوناتا لعاشقين,

 


جاء خبر الجنازة مغلفاً بسخرية القدر.

أمسك "راي كروفورد" بالورقة الفاخرة ذات الإطار الأسود بين أصابعه، وأطلق ضحكة مريرة من أعماقه. وفجأة، بدت موسيقى الفالس الهادئة المنبعثة من الحاكي (الجراموفون) وكأنها صوت أظافر تخربش على الزجاج.

قبل وصول هذا الخبر المزعج، كان صباحه يسير بشكل مثالي. حتى عناوين الصحف التي قرأها على الإفطار كانت تتغنى بإنجازاته:

*«المحافظون يفوزون بثلاث من أصل خمس دوائر في الانتخابات التكميلية، بفضل النجم الصاعد لوزير الخارجية كروفورد».*

كل الصحف أكدت ما كان يعرفه بالفعل: أنه، كالعادة، على حق تماماً. كان ينبغي أن يكون يوماً آخر خالياً من العيوب، إلى أن جاء هذا الإعلان عن الوفاة ليعكر صفو مزاجه.

رغم أن كلمة "مثالي" لم تعد دقيقة تماماً مؤخراً؛ فقد أصبحت أيامه تحمل ثقلاً مزعجاً، كغيوم العاصفة التي تتجمع في سماء صافية.

أغلق "راي" عينيه لبرهة، ليعود بأفكاره إلى أصل هذا الإزعاج.

«تلك المرأة».

منذ أن بدأ الحديث عن زواجه المدبر من امرأة غريبة تماماً، وهذه المضايقات المستفزة تظهر في أكثر الأوقات غير المناسبة. ولم يكن خبر الوفاة المفاجئ هذا سوى قطعة أخرى من تلك الأحجية السخيفة.

سألته "أجاثا كروفورد" قاطعة حبل أفكاره: «ماذا ستفعل؟»

كانت تجلس أمامه، وعيناها الزرقاوان الحادتان وشفتان المضمومتان بشدة تعبران عن شخصيتها الصارمة أكثر مما تفعل الكلمات.

أجابها بنبرة حاسمة وواضحة، وهو بالضبط ما تتوقعه من ابنها: «سأحضر الجنازة. غير رسمي بالطبع».

قالت: «فهمت».

وكان وجهه قد عاد بالفعل إلى قناعه المعتاد من الهدوء والرزانة، وكأن تلك الضحكة الساخرة لم تكن. وضع ورقة الوفاة جانباً بنفس البرود الذي قد يتعامل به مع رسالة عمل عادية.

رغم أن "أجاثا" كانت ترى طبعها وملامحها ينعكسان في مظهر ابنها وتصرفاته، إلا أنها كانت تتعجب أحياناً من قدرته الهائلة على التحكم في مشاعره.

طوال الشهر الماضي، كانت تكافح لتقبل فكرة دخول امرأة أجنبية فجأة إلى قصر "كروفورد" ككنة لها، ولم يكن هذا التقبل سهلاً أبداً.

أضافت معبرة عن إحباطها الشديد: «نعم، أعتقد أن الحضور أمر لائق. الظروف ليست مثالية، لكنه التصرف الصحيح».

حتى هي، التي ضغطت لإتمام هذا الزواج، كانت تجد نفسها تتنهد بانتظام. ومع ذلك، فإن ابنها، الذي قاوم هذه الزيجة في البداية، ظل هادئاً بشكل مثير للدهشة منذ تسوية الأمر.

تابعت: «كنت أخشى ألا يسمحوا لك برؤية وجهها إلا يوم الزفاف، لكن هذا قد يكون أسوأ. لن نتعامل مع الموت قبل الزفاف فحسب، بل ستلتقي بعروستك الآن في جنازة والدتها!»

علق "راي" بجفاف: «أشك أن الأمور يمكن أن تصبح أسوأ مما هي عليه الآن».

أومأت "أجاثا" بصمت توافقه الرأي. بالفعل، لا يمكن لأي عدد من الجنازات أن يجعل هذا الزواج أسوأ؛ فالزواج نفسه كان أسوأ نتيجة ممكنة بالنسبة لهما.

نقل "راي" انتباهه من تعابير وجه والدته المعقدة وعاد ليتأمل وثيقة الوفاة. المتوفاة هي والدة خطيبته؛ اسم غريب تماماً لا يعني له شيئاً.

بدأت مفاوضات زواجهما قبل شهرين فقط، دون حتى حفل خطوبة رسمي. ومع ذلك، تم قبول المهر، وكانوا في طور اختيار تاريخ الزفاف. لذا، فإن عدم الحضور سيكون قلة ذوق لا تغتفر. ورغم أنه لم يلتقِ بقط بعروسته المستقبلية أو والدتها، إلا أن الأخيرة كانت ستصبح حماته في غضون شهر أو شهرين.

قال "راي": «على الأقل يمكنني التأكد مما إذا كان "إليوت ديفيز" يقول الحقيقة».

ردت والدته بسخرية: «وهل قال ذلك الأحمق يوماً شيئاً يستحق التأكيد؟ كل ما يفعله هو تكرار كلمتي "صالحة" و"جميلة". ما الذي قدمه غير ذلك؟»

كان والد العروس المستقبلي يردد كالببغاء أن ابنته "ذات جمال باهر وأخلاق فاضلة" دون أن يكلف نفسه عناء تقديمها رسمياً. أسلوبه المبالغ فيه وغير الصادق يجعلك تتساءل إن كان يعرف ابنته حقاً؛ فربما كان سيظهر حماساً أكبر لو كان يصف امرأة غريبة.

تابعت "أجاثا": «حتى لو كانت ادعاءاته صحيحة، فما الفارق؟ إنها لا تزال من بلدة "بولتون"، وخلفية والدها لن تتغير. لو كانت محترمة حقاً، لتزوجها "أرشيبالد أفيري" بنفسه بدلاً من فرضها عليك بالتهديدات».

لم يكلف "راي" نفسه عناء تذكيرها بأن تلك التهديدات لم تكن لتدفع به لولا موافقة والدته وتعاونها؛ فقد استهلكا طاقتهما بالفعل في الجدال حول هذه النقطة بالتحديد.

فقال مغيراً مسار الحديث: «حسناً، الشرط الثاني يهم كثيراً. الجمال سيكون عزاءً جيداً».

بدلاً من لوم والدته على الاستسلام لابتزاز رخيص، فضل تلطيف الأجواء.

عاتبته قائلة: «أنت تطلق النكات في وقت كهذا؟»

اكتفى "راي" بابتسامة مجاملة. في الحقيقة، كان يتوق لرؤية أي نوع من النساء تكون؛ فلا بد أن هناك سبباً وراء كل هذه السرية المبالغ فيها بشأن مظهرها. أكدت التقارير أنه لا يوجد بها أي عيب جسدي، ولكن عندما تظل امرأة غير متزوجة حتى سن السادسة والعشرين، فهناك خطب ما بالتأكيد.

قال: «يجب أن أستعد للسفر إلى بولتون».

كان يهيئ نفسه نفسياً منذ أن ناقشوا مواعيد الزفاف لأول مرة. كان مستعداً لتقبل حتى أكثر النساء رعباً.

قالت والدته: «نعم، لا فائدة من تأجيل ما تقرر بالفعل. تومي، أرجوك أطفئ ذلك الحاكي، لقد أصابني بصداع».

وما إن استجاب الخادم لأمر الدوقة، حتى انقطعت الموسيقى العاطفية المبالغ فيها فجأة.

رشف "راي" من شايِه، وشعر بصفاء ذهنه. لم يكن الاستعداد النفسي يعني الاستسلام أو الهزيمة بالنسبة له؛ فـ "راي" يدرك سريعاً الأمور التي يمكنه السيطرة عليها وتلك التي لا يستطيع.

لقد كسب الحرب السياسية، فما عساها أن تفعل امرأة واحدة مزعجة؟

لم يخسر "راي كروفورد" معركة واحدة طوال حياته. وحتى لو سارت الأمور بشكل مختلف عن المتوقع، فإن النتيجة ستظل كما هي... كالعادة.

كانت "بولتون" جمهورية. بلد بلا ملك.

مؤخراً، تحولت عدة دول مجاورة لـ "أورثولان" إلى جمهوريات، لكن "بولتون" كانت تعيش بلا ملك لفترة أطول بكثير من معظم الدول. وكانت هذه المرة الأولى في حياته التي يطأ فيها "راي كروفورد" أرض بلد لا يحكمه ملك.

سأل "راي" مساعده وهو يتفحص المعزين المتجمعين في كنيسة ريفية في بولتون: «الوضع لا يبدو مختلفاً هنا. سبنسر، هل تعتقد حقاً أن سكان بولتون لديهم ذيول؟»

أجابه المساعد "بول سبنسر" بوفاء متحدثاً عن الخرافات الساخرة التي كان كبار السن يتداولونها قديماً: «لا أعلم يا سيدي، لكن كبار السن كانوا يؤمنون بأشياء غريبة».

وكما توحي تلك الحكايات القديمة، لم يكن كره "أورثولان" لـ "بولتون" مجرد خوف من كلمات مثل "جمهورية" أو "ديمقراطية"؛ بل كان نابعاً من تاريخ معقد من الصراعات، واختلافات جذرية في الطباع تشبه الفجوة بين السماء والأرض.

كان أهل "أورثولان" يكرهون أسلوب أهل "بولتون" الفج في الكلام، وطباعهم النارية المليئة بالمشاعر الفياضة، وميلهم لتحويل أي شيء يؤكل إلى وجبة طعام.

ضحك رئيسه من نكتة خاصة لم يفهمها المساعد.

وفي تلك اللحظة، اقترب منهما "إليوت ديفيز" بعد أن أطال الحديث مع الأسقف. فمسح "راي" الابتسامة عن وجهه فوراً.

قال إليوت: «آه، معالي الوزير! صاحب السمو!»

رد "راي" وهو يهز رأسه معترضاً على التبجيل المبالغ فيه من رجل يكبره بعشرين عاماً: «أنا لست هنا بصفة رسمية، لذا يبدو هذا اللقب ثقيلاً. نادني فقط بالدوق كروفورد. أرجو أن تقبل تعازيَّ، وعسى أن تجد زوجتك السلام الأبدي».

«شكراً لك يا صاحب السمو، شكراً لك».

«أود أيضاً أن أقدم تعازيَّ لابنتك شخصياً... إن كانت هي بالفعل عروستي المستقبلية».

رغم تعابير "راي" المهذبة ونبرته الهادئة، شعر "إليوت" بشيء يبعث على القلق في الأجواء، وتلفتت عيناه بتوتر في أرجاء الكنيسة.

كان "راي" يعلم جيداً أن خطيبته المفترضة ليست داخل الكنيسة؛ فقد كان يراقب من مكانه في الخلف تلك المرأة التي تقف بجانب "إليوت" طوال المراسم. المرأة التي كانت ترتدي قبعة بشريط ساتان أسود، والتي اختفت بين الحشود بمجرد انتهاء الخدمة الجنائزية.

قال إليوت: «لقد كانت شديدة التعلق بوالدتها، لذا فإنها تمر بوقت عصيب جداً وليست في طبيعتها اليوم. لقد أرسلت خبر الوفاة من باب اللياقة، لكني لا أظن أن اليوم مناسب للقاء».

قاطعه "راي" بسلاسة: «سأنتظر. لقد عبرت الحدود بالفعل، فما الذي يضير في القليل من الانتظار؟»

«إذن أمهلني لحظة، سأبحث عنها فوراً».

حافظ "راي" على ابتسامته الرسمية حتى انحنى الرجل وأسرع مبتعداً.

نظر إليه السكرتير "سبنسر" لبرهة. كانت شفتي "راي" تحافظان على نفس الارتفاع بدقة، وكأنها مرسومة بمسطرة؛ ابتسامة مرتفعة بما يكفي لكي لا تبدو خطاً مستقيماً. لم يكن يبخل بالابتسام، لكنها نادراً ما كانت حقيقية.

قال راي: «يبدو أن الأمر سيستغرق بعض الوقت. سأخرج لبرهة».

كان الخروج يعني الذهاب لتدخين سيجارة. وخمن "راي" أن "سبنسر" سيرافقه كالعادة، فاستوقفه قائلاً: «لا، سأذهب بمفردي. لا داعي لأن نفترق».

خلف الكنيسة امتدت مقبرة واسعة. خففت الأشجار الكثيفة المنتشرة في المكان من الأجواء الموحشة لشواهد القبور الرمادية اللامتناهية.

بينما كان "راي" يبحث عن بقعة منعزلة، اقترب من شجرة ضخمة بجوار المقبرة، وفجأة ضربت أنفه رائحة حلوة وقوية... رائحة غريبة لم يألفها من قبل.

وجد "راي" نفسه يتأمل ثمار توت أرجوانية تفوح منها تلك الحلاوة الأخاذة، لكن انتباهه سرعان ما سُرق برؤية حافة تنورة سوداء تطير مع النسمات حول عمود حجري.

تحرك غريزياً نحو خلف الشجرة، ل يكتشف امرأة بفستان أسود تجلس القرفصاء مسندة ظهرها إلى الجذع.

كانت القبعة التي ترتديها تحمل ذلك الشريط الساتان الأسود الذي كان يراقبه طوال الجنازة. في اللحظة التي تراقص فيها ذلك الشريط مع الريح، عرف "راي" أنها خطيبته، المرأة التي ستصبح زوجته.

تساءل في نفسه: *هل تختبئ هنا لتبكي؟*

وقبل أن يقرر ما إذا كان ينبغي عليه مواساتها—وهو أمر لم يكن يبرع فيه يوماً—تحركت المرأة.

رفعت عينيها الخضراوين الفاتحتين لترى من يقتحم خلوتها، فالتقت نظرتهما مباشرة. وتصاعد دخان أبيض من بين شفتيها الشاحبتين مع زفيرها.

امتزجت رائحة التوت الحلو الغامض بطريقة فوضوية مع دخان السجائر.

ولم يملك "راي" سوى أن يضحك وهو ينظر إلى السيجارة المشتعلة المستقرة بين أصابع المرأة.

لقد كانت خطيبته "صالحة وأخلاقها فاضلة" حقاً!

فقد بدا له أنه كان سيكون أسهل عليه بكثير تحمل هذه الجنازة لو استطاع هو الآخر الاستمتاع بسيجارة. خاصة وأنه يحاول الإقلاع عن التدخين منذ شهر، بالتزامن مع محاولته تقبل هذا الزواج غير المرغوب فيه.

تعليقات

المشاركات الشائعة