الفصل (13) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,
## الفصل 13: تداعي الحصون وبأس الماركيز
أصبحت كلمات "أوسكار" فجأة مقتضبة وازدرائية، مما جعل الدوق يرتجف بعنف وكأنه يعاني من نوبة صرع مفاجئة.
"أيها الماركيز!"
وحتى مع اشتعال غضب الدوق وثورته، ظل أوسكار بارداً لا تزعزعه جلبته، واكتفى بنفض الرماد المتراكم من سيجارته على الأرض ببرود تام.
"إذن، أخبرني. هل يمكن القيام بالأمر أم لا؟"
أخذ فم الدوق يفتح ويغلق كسمكة أُخرجت لتوها من الماء، عاجزاً عن صياغة كلمات متماسكة أو جمل مفيدة. وأشعل أوسكار سيجارة أخرى، وتمتم بصوت منخفض:
"أجل، حسناً... لو كان الأمر بيدك وتملكه، لكان قد أُنجز بالفعل، أليس كذلك؟"
"..."
وقعت الكلمات التي بدت باردة كالصقيع كالصفعة على وجه الدوق، ليتجمد هو والمرأة المتشبثة به من شدة الصدمة والوجل. ولكن ما إن سحب أوسكار نفساً عميقاً آخر من سيجارته، حتى استعاد الدوق حواسه وانفجر غيضاً:
"الماركيز فون راينهارد! كيف تجرؤ، وأنت مجرد ماركيز في 'لوكسين'، على التحدث بهذا الأسلوب غير اللائق مع سليل العائلة المالكة؟ لو أنني رفعتُ شكوى رسمية إلى ملك لوكسين، هل تظن أنك ستنجو بفعلتك وتفلت من العقاب؟"
وفي تلك اللحظة بالذات، تبخرت أي معالم للتسلية أو الدفء من على وجه أوسكار، وكأنها لم تكن موجودة عليه قط.
أما المرأة، التي أُجبرت على مواجهة أوسكار لأن الدوق كان يمسك بها من الخلف ويتخذ منها درعاً يحتمي به، فقد أدركت فجأة أن الدوق قد اقترف خطأً فادحاً لا يمكن الرجوع عنه أو إصلاحه.
وبنظرات جردت من أي مشاعر، مسحت عينا أوسكار الدوق، ثم الأرض، والطاولة الفوضوية، قبل أن ينهض فجأة دون سابق إنذار. وامتدت يده ليمسك بزجاجة الويسكي نصف الفارغة.
بدأ جسد المرأة يرتعد كأوراق الشجر في مهب الريح، ولم تكن تدري إن كان هذا الارتجاف نابعاً من جوفها أم أنه ارتجاف الدوق الذي يسري إليها عبر قبضته المتشبثة بها. ومع استقرار الزجاجة في يده، حوّل أوسكار نظراته ببطء نحو الدوق مجدداً. وتملك اليأس لبّ الفتاة، فلوت جسدها بعنف لتنجح في الانفلات من قبضة الدوق والتخلص منه. وما كانت لتجرؤ على مثل هذا الفعل لو كانت في كامل قواها العقلية، لكن رغبتها الوحيدة الآن كانت الفرار والنجاة من أوسكار.
صرخ الدوق وهو يمد يده نحوها بينما كانت تزحف مذعورة نحو إحدى زوايا الغرفة: "أنتِ! أيتها الفاجرة! عودي إلى هنا!". لكنه لم يفلح في الإمساك بها قط؛ إذ خيّم ظلال داكن مفاجئ، ودُعست اليد الممتدة نحوها بقوة تحت نعل حذاء عسكري ثقيل مستقر على الأريكة.
"آرغ!"
لقد رفع أوسكار قدمه اليمنى وضغط بها على يد الدوق بكل ما أوتي من قوة، لدرجة جعلت اليد تغوص في وسائد الأريكة. ثم جلس بحرية وتأنٍ على حافة الطاولة، واضعاً قدمه اليسرى على الأريكة، ليحاصر الدوق تماماً ويحشره في تلك الزاوية الضيقة.
وانحنى أوسكار إلى الأمام، مسنداً مرفقيه على ركبتيه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وهو يسحب نفساً من سيجارته.
"يملؤني الفضول بصدق؛ ما الذي تنوي كتابته بالتحديد في تلك الشكوى الرسمية؟"
توهجت جمرة السيجار بلون أحمر قاني وهي تحترق.
"هل ستكتب أنك أنفقتَ المليارات في سبيل الترفيه عني؟"
"أ-أنت...!"
"لا تتلعثم كالأحمق. تابع، ما الذي تملكه أيضاً لتهددني به؟"
وعندما حوصر الدوق وضُيق عليه الخناق، تذكر فجأة نصيحة قدمها له شقيقه الأكبر ذات مرة:
"أوسكار... إياك وأن تبتلع الطعم مع ذلك الرجل؛ فإن ابتسامته، وأنفاسه، ونظراته... كلها مجرد طُعم شباك. ومن الأفضل لك ألا تلتقي به قط".
"أيها الماركيز! أنا... يمكنني أن أخبرك بشيء نافع وقيم!"
نظر أوسكار إلى الأسفل نحو الدوق، الذي بات يتوسل الآن بوجه يملؤه اليأس، وسحب نفساً عميقاً من سيجارته. ثم رفع حاجبه وكأنه يقول له "تحدث"، وأومأ برأسه خفيفاً، مما دفع الدوق للتحدث بتلعثم وعجلة:
"الشخص الذي يملك مفتاح الخزينة امرأة، وهي ليست صاحبة الخزينة الأصلية. لقد قدمت وثيقة هوية بالفعل، ولكن..."
قاطعه أوسكار: "ولكن لم يكن بالإمكان ترجمتها، أليس كذلك؟"
"...!"
"هل ظننت حقاً أنك رجلي الوحيد وعيني داخل المصرف؟"
واتسعت عينا الدوق وهو يرتجف كالغصن، مستجمعاً بقايا شجاعته في محاولة يائسة لإثبات أهميته:
"حتى وإن كان الأمر كذلك، فأنا لا أزال رئيس المصرف! ولا يمكنك معاملتي بهذه الطريقة المهينة إن كنت ترغب في فتح تلك الخزينة!"
"سنرى بشأن ذلك؛ لقد اعترف مصرف 'فيلفي' بالفعل بتلك المرأة كصاحبة حق شرعية في المفتاح، وقد رُفع التقرير بالفعل إلى الملك".
وأدرك الدوق والمرأة الوجلة القابعة في الزاوية، أن أوسكار قد حطم للتو السبب الوحيد الذي جعله يتسامح مع وجود الدوق ويتحمله طوال الفترة الماضية. وسرى قشعريرة الخوف في جسد الدوق العاري كالفطر النابت من جوف الأرض.
ولم يكن هناك أي حركة في أرجاء الغرفة سوى خيوط الدخان المتصاعدة التي تتلوى من السيجارة المستقرة بين أصابع أوسكار.
وفي الثواني التي تلت ذلك وبدت كأنها دهر لا ينتهي، حوّل أوسكار نظراته إلى زجاجة الويسكي في يده اليمنى. وهز السائل المتبقي داخلها ببطء، ثم سحب نفساً متأنياً من سيجارته، قبل أن يضع يده اليسرى برفق حول عنق الدوق وكأنه يطوقه في عناق زائف وساخر.



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا