الفصل (26) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,
كانت "سيو آه" تكافح لتلتقط أنفاسها، وهي تشهق بحثًا عن الهواء. تسللت كلمات الرجل الهامسة بغي بغيض إلى مسامعها، لكن الأكثر رعبًا من ذلك كان ذلك الإحساس الطاغي بأن وعيها بدأ يتلاشى وينفلت من بين يديها. بدا كل شيء من حولها وكأنه يتراجع إلى الخلف بينما كانت هي تسقط في هاوية سحيقة لا قاع لها. كانت على يقين تام بأنها إذا استسلمت لذلك الظلام، فستفقد كل شيء إلى الأبد.
*كان يجدر بي أن أتبع ذلك الرجل عندما سنحت لي الفرصة.*
رغم أنها كانت مرعوبة لدرجة تفوق الوصف، إلا أنه كان ينبغي لها أن تذهب معه وتغادر هذا المكان.
إذا كان هناك أي شخص —أو أي شيء— يمكنه إخراجها من هذا الجحيم، فحتى لو كان الشيطان نفسه، لم تكن لتهتم بهويته.
وفي اللحظة ذاتها التي كانت تفكر فيها بأنها تفضل عقد صفقة مع الشيطان على البقاء هنا، تناهى إلى سمعها ما يشبه تنهيدة طويلة وعميقة، واستنشقت رائحة دخان السجائر. وفجأة، توقف الرجل الذي كان يثبتها عن الحركة عندما انتشرت رائحة التبغ في أرجاء الغرفة.
وبكل ما أوتيت من تركيز متبقٍ، رأت سيو آه الرجل يلتفت برأسه بشكل حاد ومفاجئ.
ورغم حالة الذهول والضعف التي كانت تسيطر عليها، تتبعت نظراته، وتحركت عيناها في محجريهما وهي تكافح لتنظر في الاتجاه ذاته. تحول بصرها المشوش من السقف نحو الباب.
كان هناك رجل يقف في تلك الغرفة المظلمة؛ الغرفة التي كانت تأمل قبل قليل أن تكون ملاذًا آمنًا لكنها تحولت إلى كابوس مروع.
ورغم غياب وعيها وشعورها بالدوار، عرفته سيو آه على الفور.
إنه ذلك الرجل الذي بدا وكأنه نُحت من عتمة الليل نفسها.
كانت السيجارة المستقرة بين شفتيها تتوهج باللون الأحمر الفاقع، لتكون هي مصدر الضوء الوحيد في تلك الظلمة الخانقة والمقبضة.
*أرجوك، لا تجعل هذا وهماً أو سراباً.*
*أرجوك، اجعل ذلك التوهج الأحمر حقيقة ملموسة.*
ابتهلت في سرها بضراوة بينما كان هو يتحدث، مخترقًا بصوته جدار التوتر المشحون كأنه شفرة سكين حادة:
— "هل ترغب في الاستمرار؟"
كان صوته منخفضًا وعميقًا لدرجة جعلت سيو آه تشعر وكأن قلبها قد يتوقف عن النبض من فرط الهيبة.
بدا نبرته عادية وباردة للغاية، وكأن مشهد العنف والاعتداء الذي يتكشف في الظلام لا يشكل له أي أهمية أو اعتبار.
— "إذا كنت تريد الاستمرار، يمكنني الانتظار قليلاً."
تحدث وكأن ما يحدث أمامه ليس سوى مسألة تافهة أخرى لا تستحق الالتفات.
لم تجد سيو آه مفرًا من التشبث به باستماتة في عقلها، رغم أنها لم تكن قادرة على إخراج أي صوت من حنجرتها. لم تكن تدري حتى إن كانت أحبالها الصوتية تعمل أم أنها شُلت تمامًا.
كل ما استطاعت فعله هو التوسل والاستعطاف بكل جوارحها وكيانها.
*أرجوك، ساعدني.*
كانت تأمل فقط أن تصل إليه استغاثتها الصامتة واليائسة.
*أرجوك، لا تتركني هنا بمفردي.*
في بعض الأحيان، يمكن للأحداث غير المتوقعة أن تعمي بصيرة المرء وتمنعه من اتخاذ قرارات صائبة أو تقييم الأمور بعقلانية.
كان يجدر بالرجل، الذي كان يملأه الجشع والغطرسة وهو يحاول إخضاع سيو آه والاعتداء عليها، أن يتوقف لبرهة ويفكر في هوية هذا الدخيل الجديد وكيف تمكن من اقتحام الغرفة بهذه السهولة. كان ينبغي له أن يدرك أن القشعريرة التي سرت في عموده الفقري لم تكن سوى إنذار غريزي يحذره من خطر مميت.
كان يجب عليه أن يفهم الثقل الحقيقي والوعيد المبطن في كلمات هذا الرجل، وأن يدرك أنه لا يحمل له أي ذرة من الرحمة أو الاهتمام.
قال المعتدي أخيرًا، محاولاً الحفاظ على ثبات نبرته وصوته قدر الإمكان:
— "سيدي، يبدو أنك أخطأت الغرفة."
تحولت نظرات الرجل، التي كانت مثبتة على الفتاة حتى تلك اللحظة، لترتفع ببطء نحو المتحدث. توهج طرف سيجارته باللون الأحمر وهو يأخذ منها نفسًا عميقًا ثم أطلق الدخان، لتخرج كلماته مع زفيره قاطعة:
— "اخرج."
كان هناك شيء هادئ ومخيف بشكل يثير الأعصاب في سلوكه وطريقته، مما بث الرعب في نفس المعتدي. لم يملك إلا أن يلتفت بنظراته حول الغرفة، لكن لحس حظه، لم يكن هناك سوى هو وهذا الرجل الغريب. أما الحراس الذين كانوا يقفون بالخارج... فلا بد أنهم ابتعدوا لبضع لحظات، وسيعودون في أي ثانية الآن.
— "لقد أخطأت الغرفة يا سيدي."
— "..."
— "إذا كنت في الغرفة الخطأ، فالأجدر بك أن تكون أنت من يغادر، أليس كذلك؟"
رفع صوته في نهاية جملته، منادياً ومستنجداً، آملًا أن يسمعه الحراس في الممر.
وفي تلك اللحظة، اعتدل الرجل الذي كان يستند بلامبالاة وكالعادة على إطار الباب في وقفته فجأة. وقبل أن يتمكن المعتدي من إبداء أي ردة فعل، كان الغريب قد قطع الغرفة في لمح البصر، وقبض بيده على مؤخرة رأسه بعنف شديد. جُذبت رقبة المعتدي إلى الخلف بقوة، ليجد نفسه ينظر مباشرة في أعماق تلك العيون الزرقاء الجليدية القاسية.
— "أمثالكم لا يفهمون أبدًا لغة الحديث الواضحة والبسيطة."
أطلق أوسكار ضحكة ساخرة خافتة وهو يسحب الرجل بعنف بعيدًا عن الفراش، ثم ركله بقوة على مؤخرة ساقيه مجبرًا إياه على السقوط على ركبتيه ذليلاً. وقبل أن يتمكن الرجل من إطلاق صرخة استغاثة واحدة، دفع أوسكار بالطرف المشتعل لسيجارته داخل فمه لإسكاته.
حدث كل ذلك بسرعة فائقة وسلاسة متناهية، كأنها رقصة عنيفة جرى التدرب عليها مسبقًا بدقة شديدة.
— "ممف! مممف!"
تلوى الرجل من الألم الحارق والفظيع الذي نهش لسانه، وكان يود الصراخ والعويل بكل قوته، لكن الضغط الهائل والمحكم المفروض على فكيه منعه تمامًا من فتح فمه. كانت القوة الكامنة في جسد أوسكار، والقبضة الحديدية التي تطوق عنقه وفكه، تفوق قدرته على المقاومة بمراحل. أخذ يلوح بيده الحرة باستماتة ويضرب الهواء في محاولة يائسة للخلاص، لكن دون أي جدوى.
لقد شعر في تلك اللحظة وكأنه مجرد حشرة ضعيفة وقعت في شباك عنكبوت مفترس لا يرحم.
🥺 وقف قلبي مكانها 😮💨 منيح اجا وساعدها.



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا