الفصل (30) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,

 


«من الذي سمح لكِ بفعل هذا؟»

أحكم أوسكار قبضته على المرأة التي كانت تحاول يائسة الالتواء والإفلات منه. كان من السهل عليه كبح عنقها الضعيف بيده، مما أجبرها على مواجهته. ترقرقت الدموع في عينيها مجدداً، ممتزجة بحرارة الحمى المستعرة في جسدها واليأس المطلق.

«هنننغ...»

بدا وجهها، الذي يحمل تعبير التوسل، وكأنها ترجوه أن يتركها وشأنها فحسب. ارتمسمت ابتسامة مريرة على شفتي أوسكار.

*استسلمي.*

ضغط بأصابعه داخل فمها ليفصل بين فكيها، ومضى يراقبها وهي تقاومه وتضغط بأكلال أسنانها البيضاء على أصابعه. تدفقت أنفاسها اللاهثة والساخنة فوق الأوردة البارزة على ظهر يده، متصاعدة من أعماق حلقها الضيق، لِتلامس جلده كأنها لفحة هواء عابرة وخاطفة.

«...»

ضاقت عينا أوسكار. ظن أنه التقط رائحة غريبة وخافتة منبعثة منها، لكن أفكاره انقطعت فجأة عندما خف ضغط مقاومتها وعضتها على أصابعه. وفي الوقت نفسه، تراخت يداها اللتان كانتا تتشبثان بمعصمه وسقطتا ببطء، وأُغلقت عيناها البنيتان المتوسلتان تدريجياً بعد أن نال منها الإعياء.

«...»

ومع توقف حركتها تماماً، خيّم على الغرفة صمت عميق، لم يقطعه سوى صوت أنفاسهما الخافتة. بدا وكأن الزمن قد توقف، ولف الهدوء الأرجاء المضاءة بنور القمر.

انتقلت عينا أوسكار الزرقاوان الباردتان من وجه المرأة إلى موضع أصابعه التي كانت محتجزة بين أسنانها. كان الإحساس الدافئ بفمها لا يزال عالقاً على جلده نتيجة صراعها المستميت. كان هناك صوت خافت للغاية لا تلتقطه سوى حواسه الحادة—أثر أنفاسها الرطبة التي مرت فوق أصابعه أثناء محاولتها التخلص من قبضته.

وعندما سحب يده أخيراً، انزلقت أصابعه من بين شفتيها الصغيرتين اللتين انغلقتا بتعب. التقط سَمعه المرهف صوت زفيرها الهادئ والمجهد وهو يمر فوق جلده. لم يكن هناك أي أثر لجروح عميقة أو علامة إصابة بالغة على أصابعه.

أفلتت منه ضحكة خفيفة ومستخفة وهو ينهض، لكن تعابير وجهه سرعان ما أظلمت.

تحولت عينا أوسكار، اللتان كانتا هادئتين، إلى برود جليدي وهو ينظر إلى جسده. وارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه وهو يهز رأسه غير مصدق من ردة فعله. مد يده ليلتقط منشفة من على الطاولة الجانبية للسرير، ومسح أثر كفها وأنفاسها عن يده، مطلقاً ضحكة جافة مكتومة.

*حسنًا، يبدو أنها تستحق فعلاً كل تلك المحاولات المستميتة من المرأة التي كانت تحتجزها للاحتفاظ بها وعدم التفريط فيها.*

تلاشت ضحكته بالسرعة التي جاءت بها، مخلفة وراءها حدة موحشة ومتقدة. ألقى أوسكار المنشفة جانباً ووقف بلا حراك للحظة، شاخصاً في المرأة الغائبة عن الوعي. ثم استدار واستدعى سايمون.

«هل طلبتني يا صاحب السعادة؟»

كان أوسكار قد غسل يديه وجلس الآن مستنداً إلى الأريكة، ملقياً برأسه إلى الخلف وهو يتأمل المفتاح اللامع.

«ما رأيك؟ كيف تظن أن هذا المفتاح انتهى به المطاف في حوزة هذه المرأة؟»

«... تبدو المرأة في العشرين من عمرها تقريباً. لقد تلقيت رسالة من بنك فيلف، وقد أكدوا أنها تنتمي إلى "دانكوك"».

«دانكوك؟»

«نعم، ملكية في القارة الشرقية تقع على الحدود مع إمبراطورية ريوها».

صمت أوسكار، وغرق في أفكاره لبرهة قبل أن يتحدث مجدداً:

«تبدو ملامحها وكأنها من عرق مختلط».

«أوافقك الرأي، ولكن... معذرة، ليس لدي أي إجابات ملموسة بعد، مجرد تكهنات».

«وماذا عن بيتر؟»

«...»

«هل لا يزال ذلك الوغد قابعاً في قاع البحر؟ أم أن هذا المفتاح وحده هو من طفا على السطح بطريقة ما؟»

أرجع أوسكار ظهره إلى الأريكة وهو يفكر ملياً.

«التقرير 2021».

*التقرير 2021.*

منذ نحو ثلاث سنوات، قُدّم تقرير يشير إلى أن بيتر قد دُفن على الأرجح مع المفتاح في عرض البحر. وكان هذا التقرير قد كُتب بواسطة أحد كبار عملاء الاستخبارات للماركيز الراحل، وهو رجل مشهود له بكفاءته الفائقة التي لا تُضاهى في مجال التجسس والمراقبة.

«ألم ترد أي كلمة بعد من تيريزيا ويتغنشتاين؟»

«لا، لقد ذكرت فقط أنها بحاجة إلى مزيد من الوقت لإجراء التحقيقات اللازمة».

«استدعِها».

المفتاح الذي كان يُعتقد أنه ضاع إلى الأبد، قد عاد. ولم يكن هذا الأمر بالذي يُحل بمجرد توبيخ بسيط؛ فإذا كان المفتاح قد عاد، فقد حان الوقت أيضاً لاستدعاء المسؤولين المقصرين.

ارتسمت على وجه أوسكار ابتسامة قاسية جعلت قشعريرة تسري في جسد سايمون لوهلة قبل أن تختفي. ضغينة قديمة، كان يُعتقد ذات يوم أنها دُفنت تحت الأمواج، قد طفت على السطح الليلة... وكانت ترتدي وجهاً جميلاً للغاية.

♔♔♔

كانت "يونغتشيون" أكبر مدينة ساحلية في دانكوك.

وفي كل يوم، كانت السفن التجارية تبحر دخولاً وخروجاً من المياه الزرقاء الصافية ليونغتشيون. وكانت معظم السفن تنتمي إلى الدول المجاورة التي تربطها اتفاقيات تجارية مع دانكوك، ولكن بين الحين والآخر، كانت تصل سفن ضخمة قطعت البحار العظيمة. وكان هؤلاء التجار الأجانب فارعي الطول، ذوي أنوف مرتفعة وبشرة شاحبة. وعلى الرغم من أنهم جاءوا من دول شتى، إلا أن أهالي يونغتشيون كانوا يطلقون عليهم ببطة اسم "يانغين" (الأجانب).

كانت يونغتشيون، المدينة التي ازدهرت بفضل تجارتها الصاخبة، موطناً لعائلة من كبار الملاك نالت احترام وثقة الناس لأجيال متعاقبة. فتحت هذه العائلة مخازن غلالها لمساعدة الناس في أوقات القحط والمجاعة، وأرسلت سفنها لانتشال جثامين الصيادين الذين فُقدوا في عرض البحر. لم يكن هناك شخص واحد في يونغتشيون لم تقدم له عائلة "هان" يد العون، ونتيجة لذلك، أحبهم الجميع بلا استثناء.

وكانت أعين أهل يونغتشيون متجهة دائماً صوب "هو يونجاي"، البيت العريق والمقر الرئيسي لعائلة هان.

«سيو آه».


نادى عليها صوت عميق وطيب، دافئ كشمس الصيف وخالٍ من أي برود.


التفتت "سيو آه" بغريزتها لِتنظر إلى الظل الممتد على الأرض؛ حيث انحنى ظل قامة فارعة نحو ظلها الصغير، وداعب ذلك الصوت الدافئ رأسها برقة:


«يا صغيرتي، ارفعي رأسكِ. لِمَ تنظرين دائماً إلى الأسفل؟»


ترددت لِوقت طويل قبل أن ترفع رأسها ببطء لِتلتقي بنظرات والدها—لا، بل جدها. كانت عيناه الداكنتان، اللتان عركتهما عواصف السنين، تنظران إليها ببريق حانٍ.


«هكذا إذن. ارفعي رأسكِ».


تحرك طرف ردائه مع النسمات، ليلامس يدها الصغيرة.


وفي مكان قريب، كانت تتردد همسات الخدم الخافتة:


«ألم تلاحظ؟ الآنسة الصغيرة تبدو مختلفة أكثر فأكثر كلما كبرت».


«اشش!»


«إنها تشبه الأجانب يوماً بعد يوم—بشرة شاحبة، وشعر بني، وعينان بنيتان».


«اخرس».


«على رسلك! لستُ الوحيد الذي يفكر في هذا، أليس كذلك؟ أي شخص يرى الآنسة الصغيرة سيهمس بالشيء ذاته. أليس هذا هو السبب وراء منعها من مغادرة الأجنحة الداخلية رغم وجود معلم أجنبي لها؟»


وحتى عندما كانت طفلة، فهمت "سيو آه" مغزى تلك الكلمات، لكنها لم تجرؤ يوماً على النطق بها.


وعندما تلاشت معالم العالم من حولها وبدأت دموعها تنهمر، كان جدها يمسحها برفق. ومسح دموعها مراراً وتكراراً في صمت قبل أن يتحدث إليها كعادته دائماً، بفيض من المودة الحانية:


«يا صغيرتي».


«... نعم».


وكانت كلماته التالية، وكأنه يقرأ أعماق قلبها، هي الكلمات التي لم تكن تكتفي من سماعها أبداً:


«أنتِ ابنتي».


*(إن الابنة التي أحبها أكثر من أي شيء في هذا العالم هي ابنتي الصغرى).*


«... نعم».


عاشت مستندة على تلك الكلمات، رغم علمها في أعماقها بأنها ليست الحقيقة كاملة. وكان يمكنها أن تستمر في العيش على هذا النحو، لولا ذلك الحدث العصيب الذي غيّر كل شيء.


كانت الأجنحة الداخلية لبيت "هو يونجاي"—بقاعته الكبيرة وغرفتيه الصغيرتين—هي عالمها بأسره. ولأن جدها كان يشفق عليها، فقد أحضر لها معلماً ليؤنس وحدتها، حيث كانت تقضي أيامها في زيارة السوق الليلي برفقة معلمها، واجدةً السعادة في تلك التفاصيل الصغيرة.


كان يمكنها أن تعيش كابنة صغرى لـ "هان هونغهيون"، أحد كبار وجهاء "يونغتشيون".


لكن تلك الحياة الهادئة تحطمت دون سابق إنذار.


*سيو آه.*


*سيو آه، استيقظي.*


تسارعت دقات قلبها وكأنه على وشك السقوط عند سماع ذلك الصوت المنخفض والطيب. وأدركت "سيو آه" أن هذا مجرد حلم لأسباب لم تفهمها تماماً، وعلمت أيضاً أن هذا المشهد يعود لتلك الليلة المشؤومة.


تناهى إليها صوت بكاء ونحيب من بعيد، وعلقت في الأجواء رائحة رماد خانقة، بينما ارتفعت ألسنة اللهب عالياً لتصبغ الشاشات الورقية باللون الأحمر القاني.


اقتربت خطوات من بعيد، وبدأت تدنو شيئاً فشيئاً. تملكها الرعب وحاولت التراجع، لكن الباب انفتح بقوة.


ووقفت هناك سيدة البيت العريقة لـ "هو يونجاي"، وقد انسدل شعرها الأبيض وتناثر بغير انتظام.


تلك المرأة التي فقدت ابنتها الحبيبة في مأساة غابرة، تحولت الآن إلى كتلة من الغضب العارم. وخلفها، كانت النيران تلتهم أسقف القصر بشراسة. وبوقوفها هناك، متوشحة بظلال النيران، بدت وكأنها تجسيد للمطالبة بالعدالة والقصاص من المذنبين.


«انهضي».


«...»


«انهضي وانظري ماذا فعل من تسمينه والداً».


كان صوتها هادئاً، لكنه دوّى في مسامع "سيو آه" كالعاصفة:


«الرجل الذي ترك ابنتي تواجه مصيرها بعد أن أوصلها إلى تلك الحالة المزرية، قد دنس الآن مرقد الرجل الذي آواكِ عندما تخلى عنكِ والدكِ الحقيقي... لقد نبش رفات جدكِ العظيم. هذا ما اقترفته يدا والدكِ».


شعرت وكأن ألسنة اللهب التي تلتهم السقف قد اشتعلت في صدرها؛ فالحرارة الشديدة المنبعثة من قلبها المنفطر أطلقت سحاباً من الأسى والوجوم خنق أنفاسها.


*مرقد جدها، ورفاته...*


ارتجفت "سيو آه" بعنف وهي تقف على قدميها. ورغم إدراكها أن هذا مجرد كابوس، إلا أن عقلها شُل تماماً، ولم تحتمل رفع رأسها وهي تخطو خارج العتبة مُنكمشة على نفسها.


اخترق صوت السيدة البارد السكون المحيط:


«أنتِ لستِ متفاجئة حتى، أليس كذلك؟ كنتِ تعلمين طوال الوقت».


«...»


«كنتِ تعلمين أنني لستُ والدتكِ، وأن الرجل الذي تدعينه أباً هو في الحقيقة جدكِ. وإذا كنتِ تعلمين كل ذلك، فهل كنتِ تعلمين أيضاً بما اقترفه ذلك الرجل بحق ابنتي؟»


وعلى الرغم من أن الوقت كان في بداية الصيف، إلا أن الرياح التي هبت على جلدها كانت قارسة كأنها تقتلع الروح.


*أنا آسفة... أنا...*


لم تكن تدري ماذا تقول؛ ففرت هرباً من المنزل حافية القدمين وفي حالة من الذعر والاضطراب. ومن خلفها، تناهى إليها صوت السيدة وهو يصرخ بحرقة تكاد تمزق الصدر:


«اذهبي إلى والدكِ وأعيدي رفات جدكِ الحبيب!»


ركضت وسط النيران والدخان والرماد الذي خيّم على سماء الليلة كالكفن. وكانت الصرخات والنحيب تشد كاحليها كالمستنقع، بينما اخترقت النظرات الحادة ظهرها كالنصال. لم تترك النيران خلفها سوى النحيب العالي والغضب المستعر.


تحطم عالمها الهش الذي صنعته قطعة قطعة كمنحوتة سكرية دقيقة. ومع انهيار السماء وتصدع الأرض تحت قدميها، لم يتبقَّ أمامها سوى شخص واحد لتلجأ إليه.


«سيدي المعلم!»


لكن الرجل الذي كانت تدعوه أباً لم يكتفِ بسلبها جدها...


لقد كان معلمها هو الوحيد القادر على التصدي بفعالية لذلك الهجوم الصامت والمباغت. ورغم أنها لم تتمكن من حماية المرقد، إلا أنه بفضل شجاعتها لم تكن الأضرار أسوأ؛ فقد خاطرت بحياتها وسط ألسنة اللهب لِتصد المهاجمين.


ثم بدأت ملامح الكابوس تتغير، وتتحول الأحداث إلى مشهد آخر...

تعليقات

المشاركات الشائعة