الفصل (120) (119) Garden of may_حديقة مايو,

 


### **الفصل 66**

لم تستسلم "فانيسا" فوراً للإغراء كعادتها. كان خداها متوهجين باللون الأحمر بسبب أنفاسها المتلاحقة، وعضت شفتها الوردية برفق، لكن نظرة عينيها اللتين كانتا تحدقان مباشرة في الرجل بدت أوضح من أي وقت مضى.

"ريفر روس."

رفع الرجل زاوية شفتيه بابتسامة جانبية. كان يعلم أن "فانيسا" ترغب في مناداته، حتى وإن لم يكن عليها فعل ذلك باسمه بتلك الرسمية.

"أنت غاضب، أليس كذلك؟"

جعلت هذه الكلمات غير المتوقعة "ثيودور" (ريفر روس) يصمت للحظة، قبل أن يطلق ضحكة خافتة. هذه المرأة تظهر دائماً جوانب غير متوقعة وبصيرة حادة في كل لحظة. والآن، بدأ هذا الأمر يثير إعجابه.

ومع ذلك، لا يعلم. هل هو غاضب؟ لم يكن متأكداً تماماً، بل شعر فقط أن الموقف خانق قليلاً. فوفقاً لخطته الأصلية، لم يكن ينوي الظهور أمام "فانيسا" اليوم.

ألم يجهز كل أنواع الحماية لها منذ البداية؟ القلادة، البحارة الذين يتبعونها من مسافة محددة، أفراد الطاقم الذين وُضعوا في كل مكان تقع عليه عينها، وحتى محاولته الصغيرة لنقلها إلى غرفة واسعة ومريحة. كان ذلك كافياً، أكثر من كافٍ لامرأة واحدة، بينما حضوره هو لم يكن سوى كبحار عادي.

رسمياً، كانت الدعوة الموجهة لدوق "باتنبيرغ" قد رُفضت بلباقة. بالطبع، اسمه غير مدرج في قائمة الركاب، وبفضل ذلك لم يضطر الملك حتى للقدوم لمراسم الوداع. كانت شكليات غريبة أن الملك لا يستطيع التدخل في مكان يرفض الدوق حضوره.

بالنظر إلى مدى حماس الملك ليوم صعود سفينة "بيلوس"، التي قيل إنها الأكبر في القارة، كان إصراره مذهلاً. ولكن بالنسبة لـ "ثيودور"، كان غياب الملك أفضل لتجنب الإزعاج. لم يكن سبب صعوده للسفينة متخفياً هو "فانيسا" أو التباهي بنفوذه، بل لأغراض سياسية واقتصادية بحتة.

هذا المكان هو ملتقى العائلات المؤثرة من كل "إنجرام". وفرصة إنهاء الأعمال المعلقة بسبب وجوده في "غلوستر" لا تأتي كل يوم. كان عليه استغلال كل ثانية وكأنها ساعة، وإذا سارت الأمور وفق الخطة، كان يجب أن يكون الآن في غرفة مغلقة يجتمع فيها مع رئيس الوزراء.

لكنه، وكأنه فقد السيطرة على يديه، لم يستطع تجاهل وجهها الشاحب.

*أمر مضحك.*

أحياناً، ودون أن يدرك، كانت نظراته تنجذب دائماً إليها. عندما كانت تتجول في سطح الدرجة الثالثة دون أن تدري أنه يراقبها من السطح العلوي، أو حين ترفض الأطباق الفاخرة لتكتفي بمقبلات بسيطة، أو حين تجلس القرفصاء على الأرض المتسخة لتساعد خادمتها.

في كل مرة كان يطمئن عليها بين اجتماعاته مع الوزراء، كانت تبدو مشغولة دائماً. ورغم أنها لم تكن تعلم أنها مراقبة، فإن حقيقة ذكرها لـ "لوغان داوسون" أظهرت مدى حساسية انتباهها.

"ربما."

بعد تفكير طويل وصمت، جعل هذا الاعتراف خداي المرأة تحمران أكثر. في الغرفة المظلمة التي لم تضاء فيها مصابيح الغاز، كان الشيء الوحيد الذي يضيء المكان هو ضوء القمر المتسلل عبر النافذة المفتوحة، ساقطاً بظلاله على كتفيهما.

"هل فعلت ذلك لأنك قلق عليّ؟"

"قلق؟"

انحنى ببطء ليجمع الأوراق التي تبعثرت على الأرض. بعد أن نظر إلى الوصية للحظة، طواها بدقة وفقاً لخطوطها الأصلية. كانت حركاته في وضعها على الطاولة فعالة للغاية، بلا أي حركة زائدة. المرأة التي كانت تراقب حركاته وكأنها تريد نقشها في ذاكرتها احمرّت خجلاً.

"إذا لم تكن كذلك، فلا بأس. فقط، تصرفت بغرابة مؤخراً، فأسأت الفهم."

"غريب؟"

"لأنك... استمررت في النظر إلي بتلك النظرة..."

"أي نظرة؟"

لم تجب "فانيسا" فوراً. استخدم الرجل يده الكبيرة ليمسك ذقنها ويرفعه. حدقت فيه عيناها الرماديتان الباهتتان اللتان كانتا ترتجفان كفراشة محنطة.

"بناءً على إحساسي."

كان صوتها خافتاً كالهامس. وحين انحنى "ثيودور" ليسمع بوضوح، اقتربت أنفاسهما من بعضها. كلما فتحت شفتيها، كان الهواء يرتجف بلطف. كانت كل أعصابه متمركزة حول هذه المرأة الصغيرة.

التفتت يده اليمنى، التي كانت تداعب خدها ، حول عنقها وكأنه يضغط عليه. نبض ضعيف تسارع تحت كفه، متسارعاً كعادته. وكما يحدث دائماً كلما لمسها، لم تستطع إخفاء شيء. كانت امرأة لا تقوى حتى على المقاومة لو ضُغط على عنقها هكذا. وبسبب هذه الهشاشة، تجرأت على الثقة بالناس، دون أن تضع ثمناً للأشياء التي تؤمن بها.

إذا كان غاضب. فهذا هو سبب غضبه .ليس بسبب "لوغان داوسون"، بل بسبب تهورها في المخاطرة بحياتها لأشياء تافهة، وسذاجتها في مراسلة شركات مرتبطة بعصابات إجرامية دون معرفة الخطر، وضعفها في أنها لا تعرف كيف تستخدم أظافرها كحيوان صغير وُلد رقيقاً أكثر من اللازم.

"آه..."

أصبحت أنفاس "فانيسا" قصيرة.  احمرّت أذناها البارزتان من خلف شعرها. حتى صوت أنفاسها المرتجفة بدا جميلاً. في عيني "ثيودور" الذي رأى كل شيء ثمين، بدت هذه المرأة ثمينة للغاية. *هل ستبدو مختلفة في عيون الآخرين؟*

"الزواج أمر صعب."

الكلمات التي قالها أمام ابن عمه لم تكن غروراً، بل واقعاً لا يمكن المساومة عليه، حتى في اللحظة التي شعر فيها أن "فانيسا" هي الشخص الأنسب. إن لحظة اعتراف دوق "باتنبيرغ" بوجود عشيقة لا يمكن أن تحدث إلا إذا كان اسم الشريكة لا يشكل ضعفاً فادحاً، لأنه لا يستطيع وضع شخص ما مساوياً لكرامة عائلته.

ولأن المعرفة بهذا الأمر أصبحت غير ضرورية، ولأنها ستمر بعمليات معقدة وسخرية العالم الحتمية، أراد "ثيودور" لـ "فانيسا" أن تظل نقية بلا دنس. أرادها أن تبقى بريئة بوجه صافٍ كما هي الآن، تشع بعينين مليئتين بالفضول تجاه كل شيء في العالم. وأرادها دائماً في نفس المكان، في كل مرة يحتاجها فيها. دائماً، في حديقة مايو تلك.

"أخبريني يا فانيسا."

"لأنك الآن، يبدو أنك تأخذ علاقتنا... على محمل الجد..."

ضحك بمرارة. هذه المرأة لا تزال رومانسية شجاعة بلا خطة. انحنى "ثيودور" ببطء وأسند جبهته على عنق "فانيسا" .

*هل هذا حب؟* لا يزال لا يعرف. ربما لا. الحب الذي يعرفه، والزواج الذي يولد منه، كان كابتلاع شظايا زجاج بعناد. إنه ليس سوى جنون. تلك اللحظات المدمرة، الكراهية واللعنات التي تُقذف في وجه بعضهما كالسم، الأثاث المحطم، الضحك والبكاء الهستيري، والشهوة التي تشتعل كالحيوانات بعد تلاشي كل توسلات الحب. الحب شيء مهووس بتلك الطريقة المرعبة. ورغم أنه يبدأ بأناقة، إلا أن نهايته دائماً متشابهة: الكراهية، أو الشعور بالاشمئزاز من بعضهما.

لا يمكنه تخيل "فانيسا" تفعل ذلك به. إذاً، فهذا ليس شعوراً عظيماً لكلا الطرفين، أليس كذلك؟

"أعتذر إذا شعرتِ بذلك."

كان عالمه دائماً مقسماً إلى منطق بسيط وسهل: أشياء تستحق الانتباه، وأشياء لا تستحق. "فانيسا" كانت كليهما معاً. كانت فريدة فجذبت انتباهه، لكنها مطيعة بما يكفي بحيث لا تتطلب اهتماماً زائداً. كانت مستقيمة وودودة بعدالة، كشجرة لا تنكسر بسهولة. ولهذا، كان يحتاج أحياناً لليقين. حتى وهي أمام عينيه، في مكان يمكن ليده أن تلمسه.

اعترف بذلك بصدق. أراد امتلاك هذه المرأة بأكملها، لدرجة يصعب معها تغليفها بكلمات أخرى. الآن، وفي هذه اللحظة.

"أريدها، اريدها،  فانيسا .. اريد هذه المرأه."

قبّل عنقها الأبيض، وكأنه يتأكد من القلادة التي ألبسها إياها. في الواقع، لم تكن هناك حاجة لذلك التفكير منذ البداية. لأن الصيف لم ينتهِ بعد، والمرأة التي أمامه جذابة للغاية. كانت المرأة التي تنظر إليه بعينين ضبابيتين جميلة جداً.

Sweetnoveltime 

الفصل (120)

تعليقات

المشاركات الشائعة