الفصل (29) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,

 


لم يكن أحد يعرف العدد الدقيق لذئاب راينهارت، ولا أين يتواجدون، أو ماذا يفعلون؛ فقد كان كل ما يخصهم محاطاً بالسرية التامة. حتى ملك "لوكسن"، الذي خانهم ذات يوم، كان مغيباً تماماً عن أنشطتهم. بل إن معظم الناس لم يكونوا يعلمون بوجود هذه الذئاب من الأساس. ومع ذلك، برزت قلة منهم إلى العلن.

وكان من بين هؤلاء الشخصيات "سايمون فون بيرنهايم". تميز سايمون كواحد من الذئاب القلائل المنحدرين من أصول نبيلة، بشعره الأشقر الجذاب وعينيه الحمراوين. وكان مشهوراً على الصعيدين الداخلي والخارجي ببراعته وتفانيه المطلق في إنجاز المهام؛ فخارجياً، كان يعمل سكرتيراً لأوسكار ومديراً في شركة "راينهارت للصلب"، وداخلياً، كان يتولى إدارة وتنسيق شؤون العملاء السريين داخل قصر الماركيز.

«استدعوا طبيباً فوراً. إذا ظلت المرأة على هذه الحالة بحلول الساعة الخامسة من صباح الغد، فاحضروا مالكة الماخور إليّ»، هكذا أمر سايمون وهو يسير في ردهة الجناح الملكي بفندق "ريتز" في "فيلف".

دخل الجناح بهدوء، وكان صوت المياه المتدفقة يشير إلى أن أوسكار يستحم. وفي تلك الأثناء، اقترب منه رجال الذئاب الذين كانوا يتحركون في المكان بصمت مطبق.

أفاد أحدهم قائلاً: «تم تأمين المفتاح».

أخذ سايمون المفتاح وتفحصه عن قرب.

وتابع التابع حديثه: «النسخة المطابقة جاهزة، ولم يتبق سوى نقشها. وهنا شهادة التحقق الخاصة بحامل المفتاح ووثيقة هويتها».

بينما كان سايمون يراجع الوثائق، ضاقت عيناه وقال: «الكتابة بالفعل غير قابلة للقراءة أو التفسير».

فأجابه التابع: «نعم، ولهذا السبب تم تعليق الأمر في بنك فيلف أيضاً».

أعاد سايمون المفتاح والوثائق إلى العميل وأمره: «اصنعوا نسخاً مطابقة تماماً واحضروا لي الترجمات. وضعوا المفتاح الأصلي بجانب سرير سموه».

«أمرك سيدي».

«اصنعوا نسخة من شهادة التحقق أيضاً. وبمجرد وصول المفتاح المقلد، تأكدوا من إعادته إلى مكانه الأصلي دون أن يلاحظ أحد».

«مفهوم، سيدي».

أشار سايمون بيده إلى تابعيه مغادراً، علامةً على إمكانية انصرافهم. ثم سار نحو باب الغرفة المفتوح، حيث كان بحاجة إلى التحقق من حالة المرأة.

كانت هذه المرأة، التي باتت الآن بمثابة "مفتاح حي"، تمثل تحدياً فريداً من نوعه؛ فوفقاً لقوانين المصارف في "فيلف"، ستحدث مشكلة كبرى إذا ماتت أو فقدت عقلها.

دفع سايمون كتف المرأة برفق. كانت منكمشة على جانبها، وتبدو خفيفة الوزن لدرجة أنها تكاد تتحرك مع أقل لمسة. وتحت ضوء القمر الشاحب، كان أنفاسها مرئية كأنه سراب. حدق سايمون في عينيها الغائبتين عن الوعي ونقر بلسانه بأسف، ثم أمر الحراس الواقفين خارج غرفتها بالمغادرة؛ فلم يبدُ من الحكمة ترك امرأة في مثل هذه الحالة الضعيفة والمكشوفة بمفردها مع رجال قضوا حياتهم في ساحات المعارك والمهام الخشنة.

بعد أن تأكد من أنها على قيد الحياة، غادر سايمون الغرفة في نفس اللحظة التي خرج فيها أوسكار من الحمام، ولم يكن يرتدي سوى بنطال بيجامته، كعادته دائماً.

أفاد سايمون: «لقد تم تأمين المفتاح، والهوية، وشهادة التحقق».

وعلى الفور، قام أحد الذئاب—الذي كان قد وضع المفتاح بجانب سرير أوسكار—بتسليمه إليه. أخذ أوسكار المفتاح وتفحصه بيد مسترخية قبل أن يسأل: «ما اسمها؟»

«...»

«المرأة، أقصد. ما اسمها؟»

تحولت نظرات أوسكار، التي كانت مثبتة على الغرفة التي ترقد فيها المرأة، نحو سايمون.

أجاب سايمون: «وثيقة الهوية غير قابلة للقراءة. ولهذا السبب أوقف بنك فيلف الإجراءات في الوقت الحالي».

أردف أوسكار: «تقصّ تحركات بنك فيلف وملك فيلف، واحضر لي ترجمة الهوية في غضون أسبوع».

«مفهوم».

بدأ أوسكار في السير وهو لا يزال يمسك بالمفتاح. وكان صوت خطوات سايمون المبتعد وهو يغادر الجناح مسموعاً، لكن انتباه أوسكار كان منصباً بالكامل على الشيء الذي بين يديه.

المفتاح.

كان هذا المعدن البارد والصلب أصغر وأبسط مما تخيله. في مضى، كان مستعداً لقلب قاع المحيط رأساً على عقب للعثور على هذا المفتاح؛ فقد كان هوسه الأكبر الذي استعصى عليه تماماً، حتى ظهر فجأة من تلقاء نفسه ومن حيث لا يحتسب.

تمتم أوسكار وهو يتوقف عند الباب: «حسنًا... إن كان هذا هو الثمن لتعرضي للغدر من قِبل أحمق، فهي ليست صفقة سيئة».

انتقلت عيناه الزرقاوان الباردتان، اللتان كانتا مثبتتين على المفتاح، نحو الغرفة القابعة خلف الباب المفتوح، حيث كانت المرأة مستلقية دون أن تدري بما يدور حولها أو كيف انتهى بها المطاف في هذا المكان. كان ضوء القمر ينسكب بغزارة فوق السرير، ولم يكن يفصل بينهما سوى ظلام عاجز.

تردد أوسكار للحظة، ثم استأنف خطواته. سار داخل الغرفة المضاءة بنور القمر حتى وقف بجانب السرير، حيث كان الضوء يتباين بحدة مع الظلال، ليلقي بنصف جسده في عتمة الغرفة.

هذه المرأة، التي باتت الآن المفتاح الحي، تملك وجهاً لم يتخيله قط.

ففي مخيلته، كان الشخص الذي يحمل المفتاح دائماً شخصاً يقف في هرم السلطة—ملك قراصنة يحكم البحار من "نورفولك" إلى الشرق الأقصى، أو بارون مخدرات يتحكم في تدفق السموم، أو زعيم عصابة عنيفة، أو ربما ملكاً.

لكن هذه المرأة لم تكن أيّاً من هؤلاء.

أفلتت منه ضحكة خافتة، لكن هذه الضحكة الساخرة من الذات سرعان ما تلاشت، ليحل محلها نظرة باردة وحاسبة.


راحت عيناه تتلمسان ملامح وجه المرأة ببطء.


كانت ملامحها أجنبية ودقيقة. انساب شعرها البني متناثراً فوق السرير، مما جعل وجهها الشاحب يبدو أكثر بياضاً. كل خط يحدد ملامحها بدا هشاً للغاية، وكأنه قابل للانكسار في أي لحظة.


كانت تملك خط فكٍ نحيلاً، وعنقاً ضامراً، وكتفين يبدو عرضهما بالكاد يتسع لراحتَي يد، وأصابع تستمر في التشبث بالملحفة ودفعها، ومعصمين، وقدمين صغيرتين، وكاحلين رقيقين يبرزان من تحت تنورتها المجعدة.


بدت هذه المرأة وكأنها...


رسم تخطيطي (اسكتش) رُسم بقلم رصاص؛ باهتة وشبحية تقريباً، دون أن يضغط القلم بقوة على أي جزء من خطوطها.


تتبع بنظراته تلك الخطوط الباهتة صعوداً حتى وصل إلى عينيها.


الرجل الذي أباد أرواحاً كثيرة الليلة، انحنى فوق المرأة وكأنه يقدم نفسه قرباناً لها.


كانت عيناها تومضان وتغيبان عن الوعي، وبدا أنها تفقد وضوحها تماماً. ومع ذلك، لم تكن كأعين الموتى التي طالما أزعجته نظراتها الهامدة؛ بل كانت عيناها صافيتين، شفافتين تقريباً، وكأنه يستطيع الرؤية من خلالهما مباشرة إلى الأعماق.


وعلى عكس محاولاتها السابقة لإخفاء وجهها، كانت الآن تنظر إليه مباشرة—أو بالأحرى، سمحت له نظرتها الغائبة والمشتتة أن ينفذ من خلالها.


وعندما انتقل ضوء القمر، الذي كان يلقي بظلاله على وجه أوسكار، ليتسلط عليها، تحول المشهد إلى لوحة من التباين الصارخ، وكأن الرسم التخطيطي الباهت قد لُوّن فجأة.


كانت تفاصيل حدقتيها البنيتين تبدو كضربات فرشاة دقيقة وناعمة، رُسمت بطبقات متأنية، وكانت الخطوط الرقيقة لرموشها مرسومة بذات الدقة المتناهية.


«...»


وجد الرجل الذي حصد أرواحاً لا تُحصى تلك الليلة نفسه شاخصاً في المرأة، غافلاً تماماً عن المدة التي قضاها وهو يتأملها.


وعيناها البنيتان، اللتان كانت تفاصيلهما دقيقة وكأنها رُسمت بعشرات الخطوط، بدأتا تترقرقان بالدموع. كانت المشاعر المتضاربة من الحرارة الشديدة الناجمة عن العقار والعجز التام واضحة في تلك العينين الدامعتين، وفجأة، صدر عنها صوت أنين ناعم وموجع.


«آه، نغـ...»


ضاقت عيناها اللتان كانتا متسعتين قبل قليل، وانحدرت الدموع التي تجمعت فيهما على وجنتيها. مالت برأسها إلى الجانب، لتكشف عن مساحة مستضعفة من عنقها الشاحب. بدا عنقها رقيقاً لدرجة أن يداً واحدة يمكنها كسرها بسهولة، وتحت الجلد الرقيق، كان نبضها يخفق بضعف.


أما عينا أوسكار، اللتان لانتا للحظة، فقد استعادتا حدتهما فجأة.


«ها»، تنفس ضحكة حادة، وهو يمرر يده عبر شعره.


إن العقاقير لشيء غريب؛ فقطرة أو قطرتان منها كفيلتان بتغيير حالة الإنسان تماماً.


استقام في وقفته، نافضاً عنه أفكاره السابقة وهو يستدير للمغادرة؛ فلا طائل من البقاء بجانب امرأة غائبة عن الوعي. وبينما كانت الأفكار الباردة تملأ عقله، خطا مبتعداً، لكن صوتاً لم يتوقعه جعله يتوقف مكانها.


كان هناك صوت قضم خفيف، صوت انغراس الأسنان في اللحم.


وبدافع الغريزة، التفت أوسكار بسرعة واقترب من المرأة. جثا على ركبتيه فوق السرير، وسند رأسها بيده الواحدة عندما رأى تعبير الألم يرتسم على وجهها، وقد أطبقت فمها بقوة على لسانها.


امتلأ الهواء برائحة الدم.


بدا أنها، حتى في حالة غياب وعيها، كانت تحاول عض لسانها لمقاومة تأثير العقار اللعين.


باليد الأخرى، أمسك أوسكار بفكها، وضغط بإبهامه وإصبعه الوسطى على مفصل فكها لإجبارها على فتحه، لكنها رفضت بعناد شديد أن ترخي أسنانها المطبقة.


عقد أوسكار حاجبيه.


هذا المفتاح، الذي كان يستميت يوماً للعثور عليه، والذي بحث عنه بجنون لدرجة أنه كان مستعداً لفعل أي شيء في سبيل الحصول عليه، كان شيئاً قد استسلم في وقت ما لفكرة أنه لن يملكه أبداً. لقد تاق إليه بشدة ذات يوم حتى أصابه اليأس عندما عجز عن إيجاده، ليصبح بعد ذلك لامبالياً به ويكاد ينساه. لقد تغير الوضع الآن، ولكن ربما يكون قد أجبر نفسه على النسيان حتى يتمكن من المضي قدماً في حياته.


لكن يبدو أنه لم ينسَ حقاً. إما هذا، أو أن المشاعر التي اختلجت في صدره آنذاك قد نُقشت في أعماق كيانه. يقولون إن ما تتعلمه بقلبك قد يتلاشى، لكن ما يُحفر في جسدك يظل معك حتى الموت.


وبينما كانت المرأة تعض على لسانها متسببة في تدفق الدماء، انقبض صدره بحدة، وتحرك شيء ما في أعماقه.


«لا يمكنكِ فعل ذلك».


كان صوت أوسكار خشناً وهو يزمجر، مدخلاً أصابعه في فمها ليفصل بين أسنانها المطبقة بالقوة. تعرضه لعضه قويه.


«إرخِ عضلاتكِ».


«نغـ...»


كان صوته حاداً بما يكفي لجعل الذئاب أنفسهم يرتعدون، لكن المرأة الواقعة تحت تأثير العقار لم تستجب.


بل زادت من مقاومتها، محاولةً العض على لسانها مجدداً وكأن ذلك كان أملها الأخير لاستعادة السيطرة على جسدها، مستخدمةً كل ما تبجى لها من قوة لدَفعه عنها.


دفع كفاها الصغيران معصمه الغليظ بينما كانت الدموع تتدفق على وجنتيها. استجمعت كل قوتها لتدفع أصابعه الدخيلة خارج فمها وتَعض على لسانها مرة أخرى.


لكنه لم يكن ليسمح لحدوث ذلك أبداً

تعليقات

المشاركات الشائعة