الفصل (8) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,

 


بعد أن اطمأن الموظف إلى عدم وجود أي أخطاء، وضع الوثيقة جانبًا والتقط الصندوق. كانت يداه ترتجفان قليلاً وهو يتعامل معه، حيث أثقلت كاهله الأهمية الكبيرة لهذا الشيء. كان الصندوق الأسود الصغير، الذي يبدو عاديًا للوهلة الأولى، محفورًا عليه الرقم "5555"؛ وهي علامة دقيقة يمكن للعين غير المدربة أن تخطئها بسهولة. كما كان بالصندوق ثقب صغير للغاية، فتحة دقيقة لدرجة الكمال، كأنها تفصيل متقن في تحفة فنية. لقد كان ثقب مفتاح صُمم لغرض واحد: التحقق من أصالة شيء يفوق الذهب قيمة.

هذا الصندوق، بما يحمله من هالة ثقيلة من السرية والأهمية، صُمم خصيصًا لعملية التحقق من المفاتيح. كان الأمان فنًا مقدسًا في "بنك فيلف"، حيث ترقد الثروات خلف خزائن منيعة—فالمفتاح يعني الوصول، والسيطرة، والقوة الهائلة. ورغم أن تزوير هذه المفاتيح كان أمرًا نادر الحدوث، إلا أن التاريخ لم يكن رحيمًا بما يكفي لاستبعاد هذا الاحتمال تمامًا؛ فقد شهدت السنوات الماضية حوادث معزولة نُسخت فيها مفاتيح خزائن "بنك فيلف" ببراعة. لم تكن تلك محاولات هواة، بل كانت من صنع مزورين محترفين. ومع ذلك، فإن معظم النسخ المزيفة كانت تُكشف أثناء عملية التحقق، خاصة عندما يفشل النقش الموجود على المفتاح في مطابقة الأصل. لكن، كانت هناك حالات قليلة ذهب فيها الخداع إلى أبعد من ذلك—مفاتيح اجتازت فحص النقش، لكنها فشلت لعدم قدرتها على فتح الخزنة نفسها.

لطالما كان اسم "بنك فيلف" مرادفًا للأمان، واشتهرت خزائنه بدفاعاتها المادية الحصينة والتعقيدات الغامضة لأقفالها. كانت هذه الخزائن فخرًا لأجيال من صانعي الأقفال المهرة الذين كرسوا حياتهم لإتقان فن صناعة الأقفال غير القابلة للكسر. وحتى اليوم، يحظى هؤلاء الحرفيون بالتبجيل، وتتوارث أجيالهم مهاراتهم كأسرار يخفونها بعناية فائقة.

والأشياء الوحيدة القادرة على استقبال هذه المفاتيح الفريدة من نوعها هي الخزائن الموجودة في قبو "بنك فيلف"، وصندوق التحقق من المفاتيح الذي بات الآن بين يدي الموظف المرتجفتين. إذا فُتح هذا الصندوق، فإن الخزنة المطابقة له ستفتح أيضًا، مما يؤكد أصالة المفتاح. لم تغب أهمية هذه اللحظة عن باله، فقد شعر بعبء التاريخ، والتقاليد، والمسؤولية الجسيمة لمنصبه وهو يستعد لإجراء عملية التحقق.

أخذ نفسًا عميقًا، ثم أدخل المفتاح في الثقب. انزلق المفتاح بسلاسة في مكانه، ومر المعدن عبر القفل محدثًا صوت تكة خافتًا ومريحًا تقريبًا. استشعر الحركة المألوفة لنتوءات المفتاح وهي تتشابك مع دبابيس القفل، حيث وجدت كل حز مكانها بسهولة تنم عن دقة الحِرفة. لم تكن هذه مهمة يمكن الاستعجال فيها، ولا أمرًا يستهان به. كان التوتر في الغرفة ملموسًا وهو يحبس أنفاسه، ويثبت يديه وعزيمته. تمطت اللحظة كخيط مشدود على وشك الانقطاع.

وأخيرًا، وبحركة هادئة ومدروسة، أدار المفتاح.

*تكة.*

كان الصوت خافتًا، ويكاد يكون غير مسموع، لكنه بالنسبة له دوّى كقصف الرعد في سكون الغرفة.

اتسعت عيناه بغير تصديق. لم يكن من المفترض أن يحدث هذا—ليس الليلة، بعد خمسة وعشرين عامًا من الصمت. إن معظم الحوادث تقع دون سابق إنذار، وبالتأكيد لم يتوقع هذا. فالصندوق الذي ظل مغلقًا بإحكام لربع قرن، بدأ يفتح ببطء. وانبعثت رائحة خافتة وعتيقة من الفجوة الضيقة، تذكر بالخشب القديم والذكريات المنسية؛ رائحة من النوع الذي قد يثير مشاعر مدفونة منذ زمن طويل، أو ربما يدفع للعطس.

في تلك اللحظة بالذات، اقترب مشرف غرفة التحقق الذي كان يقوم بجولته المعتادة. كانت خطواته سريعة وحاسمة، وكأنما تدفعه حاسة سادسة.

سأل المشرف: "أي مفتاح هذا؟"

ولم يكد الموظف، الذي كان لا يزال مذهولاً مما حدث للتو، يجد صوته ليجيب. ودون انتظار رد، انحنى المشرف فوق كتفه، فلمحت عيناه الرقم المحفور على الصندوق. ومضت علامات المعرفة في عينيه، فأومأ برأسه بشكل عابر وبدأ في الابتعاد، لكنه توقف فجأة بعد بضع خطوات.

وسأل بنبرة أصبحت حادة فجأة: "من أحضر هذا؟"

أجاب الموظف وصوته يستعيد ثباته أخيرًا: "لست متأكدًا بعد. لم نتحقق من هويتها."

ألح المشرف في السؤال: "هل كان رجلاً؟"

فأجابه الموظف وعيناه تضيقان وهو يحاول تذكر المزيد من التفاصيل: "لا، بل كانت امرأة."

"امرأة؟" ارتفع حاجبا المشرف دهشة. "وكيف كان تبدو؟"

تردد الموظف، ورفع عينيه إلى الأعلى كأنه يبحث في ذاكرته، وتمتم بصوت خافت كأنه يتحدث إلى نفسه: "معطف..."

كرر المشرف خلفه: "معطف؟"

"نعم. كانت ترتدي معطفًا."

ضيق المشرف عينيه، واكتست نظرته بالشك: "معطف؟ في هذا الطقس؟"

أكد الموظف بإيماءة من رأسه: "نعم."

"..." لم يقل المشرف شيئًا، بينما كانت أفكاره تتسابق.

"..." وغرق الموظف هو الآخر في أفكاره، وهو يعيد شريط التفاصيل الغريبة لهذا اللقاء في ذهنه.

التقت نظراتهما للحظة، في تبادل صامت للقلق والحيرة. وكسر هذا التوتر صوت خافت وبعيد، لكنه مشؤوم، يشبه دوي عاصفة تتجمع غيومها في الأفق. التفت كلا الرجلين نحو النافذة، وشعرا بدنو شيء حتمي يلوح في الأفق خارج حدود الرؤية.

♔♔♔

بمجرد أن غادر الموظف وأُغلق الباب خلفه بصوت تكة خافتة، وجدت "سيو آه" نفسها وحيدة تمامًا. وتلاشت أخيرًا تلك النظرات القلقة التي لاحقتها منذ وصولها، النظرات الفاحصة والمستمرة، لتتركها في سكون كان وقعه ثقيلاً ومزعجًا أكثر مما هو مريح. غاصت في الأريكة الفاخرة، ولم تمنحها وسائدها الناعمة سوى القليل من الراحة من التوتر الشديد الذي يسري في جسدها. كان وجهها لا يزال يشعر بوخز التدقيق الذي تعرضت له، وهو إحساس ظل عالقًا كأنه حكة وهمية لا تستطيع الوصول إليها.

*(هل رأيتم الآنسة الصغرى؟ إنها غريبة الأطوار حقًا).*

حتى في صمتهم، كانت لنظراتهم ثقل، فكل لمحة كانت محملة بالأحكام والكلمات غير المنطوقة. بالنسبة لـ"سيو آه"، لم تكن تلك النظرات مجرد التفاتات، بل كانت همسات وغمزات تملأ الغرفة وتردد صداها في عقلها. لقد اعتادت عليها، ومع ذلك لم تفشل تلك النظرات أبدًا في إثارة قلقها. كان الأمر في هذا المكان الغريب تمامًا كما كان دائمًا أينما ذهبت؛ فبالنسبة لهم، كانت غريبة، ومختلفة، ولا تنتمي إلى عالمهم تمامًا.

*لو كان هناك شيء آخر يبرز فيها، شيء أقل إثارة للقلق...*

*ربما عندها لن يكون هذا الضيق الذي تشعر به منتشرًا ومخنقًا إلى هذا الحد.*

فركت "سيو آه" وجهها بكلتا يديها، فاحمرت بشرتها من أثر الاحتكاك. وازداد عبوسها عمقًا مع تصاعد الحرارة من تحت ياقة ثوبها، وهو ضيق لم تعد قادرة على تجاهله.

*هل يجب أن تخلعه، ولو للحظة واحدة؟*

تنقلت عيناها نحو الباب الذي اختفى خلفه الموظف. وأرهفت سمعها، تترقب أي صوت لخطوات تقترب، لكن لم يكن هناك شيء. أطبق عليها صمت ثقيل وكثيف كأن الجدران تضيق حولها. وإذ قررت أن الوضع آمن، فكت أزرار معطفها بأصابع سريعة ومجربة، وسلت ذراعيها من الأكمام في حركة واحدة انسيابية. لكن الراحة التي كانت تنشدها لم تأتِ؛ فالقماش الذي ترتديه تحته كان سميكًا بالقدر نفسه، ويلتصق بجلدها، لزجًا بالعرق. كانت الحرارة لا تطاق، لكنها لم تكن المشكلة الوحيدة التي تؤرق بالها.

تمتمت والندم يغلف كلماتها: "كان ينبغي لي أن أذهب إلى النزل أولاً."

ففي مكان تكون فيه بمفردها، كان بإمكانها تفريغ أمتعتها، وغسل غبار السفر عن جسدها، وإراحة بدنها المنهك. وكان بإمكانها الحضور إلى هنا في الصباح الباكر، بنشاط واستعداد لمواجهة كل ما ينتظرها. لكن تلك الخطة البسيطة تبددت بمجرد نزولها من القطار؛ فالناس الذين راقبوها باهتمام شديد طوال الرحلة استمروا في ملاحقتها بعد نزولها. كانت عيونهم لا ترحم، تتبع كل حركة تقوم بها، وكان وجودهم بمثابة تهديد صامت لا يمكنها تجاهله. وللإفلات منهم، اندفعت نحو الشوارع المزدحمة، وتوارت بين حشود المارة حتى وجدت نفسها، بالصدفة تقريبًا، تستقل عربة.

وقد سألها السائق حينها، قاطعًا بصوته ضباب قلقها: "إلى أين ترغبين في الذهاب؟"

لم يخطر ببالها سوى مكان واحد في "فيلف"، بل ربما في قارة "نورفوك" بأكملها. وجهة تعرفها عز المعرفة على الرغم من أنها لم تطأها قدمها من قبل. ودون تردد، نطقت "سيو آه" باسم المكان الوحيد الذي تعرفه.

تعليقات

المشاركات الشائعة