الفصل (1) أنت مجرد نزوة – You’re Just a Fling,

 


كانت هناك سيارة تقف أمام المنزل.

ليست عربة خيول، بل سيارة حقيقية.

هيكل معدني أسود وأنيق يقف وحيداً تحت رذاذ المطر، يفرض هيبته على المكان. لكن "كلير" كانت أضعف من أن تلاحظ غرابة الأمر؛ فقد نال منها التعب مأخذه.

"سأتزوجكِ."

كلمات سمعتها قبل بالكاد عشر دقائق. عرض زواج صريح وعلني.

"لم يتبقَّ لكِ شيء الآن، صحيح؟ سأسدي إليكِ معروفاً وآويكِ عندي. فقط أحضري نفسكِ."

من قال إن عروض الزواج تبدو أحياناً كأعمال خيرية؟

نظرت "كلير" إلى "توبي" —الشاب الذي كانت تعتبره يوماً صديقاً— وابتلعت الكلمات الساخرة التي كادت تفر من لسانها، ثم أجابته ببساطة:

"لا."

والغريب في الأمر أنه لم يتوقع الرفض أبداً. احمرّ وجهه غضباً، وبدأ على الفور في كيل الإهانات لها:

"هل تظنين نفسكِ شيئاً مهماً؟ والداكِ هما من كانا مذهلين، لستِ أنتِ!"

"توبي."

"لنكن صريحين، ليس لديكِ شيء! والداكِ العظيمان ماتا، والإرث الذي تركاه لكِ مثير للشفقة، ولم يتبقَّ لكِ سوى وجه مقبول وعمر صغير!"

أخذت "كلير" تراقب بهدوء الشاب الذي يصرخ بيأس وحقد.

"توقفي عن المماطله وتزوجيني فحسب. لا تتصرفي كالحمقاء."

"في الحقيقة؟ الزواج منك يبدو أكثر حماقة."

"ماذا؟"

"فكر فيما قلته للتو. هل تقبل بالزواج من شخص يصفك هكذا؟"

هل ومضت لمحة من الخجل في عيني "توبي" تلك اللحظة؟ ربما، وربما لا. لم يكن الأمر يهمها.

تنهدت "كلير" وهي تنهي هذا الحوار:

"لذا، إجابتي هي الرفض."

"كلير—"

"دعنا لا نلتقي مجدداً."

بالطبع لن يلبي "توبي" رغبتها بهذه السهولة، ولكن... حسناً، فقد كانت تخطط للرحيل من هذا المنزل قريباً على أي حال.

بينما كانت تراجع خطوات خطتها واحدة تلو الأخرى في مخيلتها...

"الآنسة وايد."

توقفت "كلير" وأمالت مظلتها إلى الخلف قليلاً. حينها فقط انتبهت للسيارة، وللأشخاص الواقفين بالقرب منها.

تحدث الشخص الذي ناداها مجدداً:

"هل أنتِ كلير وايد؟"

"نعم."

"... هل أنتِ هي حقاً؟"

"بالتأكيد، اسما 'كلير' و'وايد' شائعان جداً، لكن إن كنت تبحث عن ابنة 'جوناثان' و'إيرين وايد'، فنعم، هذه أنا."

لم يأتها رد فوري.

قام أحد الواقفين بفتح مظلة ببطء، بينما طرق آخر مرتين على الباب الخلفي للسيارة قبل أن يُفتح بصرير خفيف.

وأخيراً، ترجل صاحب السيارة بنفسه.

بدا في أواخر الأربعينيات أو أوائل الخمسينيات من عمره. ورغم أن الوقت والتقدم في السن قد أضفيا ثقلاً ووقاراً على هيئته، إلا أنه كان من الواضح أنه كان رجلاً وسيماً في شبابه.

من بين كل الرجال في منتصف العمر الذين التقت بهم "كلير"، كان هذا الرجل يملك الحضور الأكثر هيبة. وكانت عيناه الرماديتان العميقتان تخترقان الأجواء بحدة.

"صاحب السمو، دوق برتراند."

عرّف به أحد المرافقين.

"ألكسندر سايبيرس."

رنّ صوته العميق والوقور في المكان.

رفعت "كلير" عينيها بهدوء لتستقبل يد الدوق الممدودة.

"كلير وايد."

صافحها الدوق بلمسة خاطفة، وهزّ يدها برفق.

"قد أكون متأخراً في مجيئي، لكني أتيت فور سماعي بالأنباء عن عائلة وايد. إنها مأساة حقيقية، وأي شخص يملك قلباً سيحزن لفراقهم."

"شكراً لك. لو سمع والداي كلماتك هذه، لأحسا بالشرف بالتأكيد."

"لم تكن هذه مجاملة. بالنظر إلى الإرث الذي تركاه خلفهما، فهذا أقل ما يقال."

"مع ذلك، أشكرك مجدداً على كرم كلماتك."

"لا داعي للشكر."

"جوناثان وايد"، الموسيقار الشهير، و"إيرين وايد"، مغنية السوبرانو الأسطورية.

لقد لقيا حتفهما في حادث عربة خيول قبل شهر واحد فقط. لكن قبل أن يكونا والديّ "كلير"، كانا شخصيتين لا ينسيان، تركا بصمة لا تُمحى في تاريخ الموسيقى.

لذا، كان من الطبيعي أن يتدفق الحزن والمواساة من عالم الموسيقى والطبقة المخملية على حد سواء.

الدوق "تيرين"، الكونت "شيفيلد"، الفيكونت "بينينج"، الشاعر المعروف "روري دايز"...

عربات فاخرة كانت تتوقف باستمرار أمام المنزل، وحراس ملكيون بزيّهم الرسمي طرقوا بابها أكثر من مرة.

لذا، حتى زيارة الدوق لم تكن مفاجئة لها في هذه المرحلة.

أخرجت "كلير" المفتاح من جيبها ووجهت له دعوة مهذبة:

"منزلي متواضع وأشعر بالخجل من استقبال ضيف نبيل بمقامه هنا، ولكن هل تتفضل بالدخول للحظة؟"

"يسعدني ذلك."

حتى الآن، كان كل النبلاء الذين يأتون يرتدون ملامح التعالي، ويلقون تعازيهم وكأنهم يتباهون بحزنهم، ثم يرحلون.

بالتأكيد، لن يختلف هذا الرجل عنهم.

لكن بينما كان الدوق جالساً في الداخل، وقد ارتشف نصف كوب الشاي، فتح موضوعاً لم تتوقعه إطلاقاً:

"تلك اللوحة هناك... هل تقبلين ببيعها لي بضعف سعرها؟"

تتبعت "كلير" نظراته، ثم سألت بتردد:

"تقصد... لوحة المناظر الطبيعية؟"

"نعم. لقد أعجبتني أيضاً الصورة الشخصية لعائلة وايد المجاورة لها، لكني لا أستطيع بالطبع سلب لوحة عائلية من ابنتهم الوحيدة، أليس كذلك؟"

"……"

"اللوحتان رُسمتا بوضوح بيد الفنان نفسه. لكنه أسلوب لا أعرفه."

نهض الدوق هذه المرة من مقعده واقترب من اللوحة. ووضع يديه خلف ظهره متأملاً إياها عن قرب.

بينما كانت "كلير" تراقبه بقامته المهيبة، وجدت نفسها تقبض على تنورتها دون وعي.

"هناك موهبة حقيقية هنا. ضربات فرشاة جريئة وتكوين ممتاز."

"……"

"الآنسة وايد، هل تعرفين من أين شُريت هذه اللوحة؟"

"لم تُشترَ."

"إذاً هي هدية؟ آه، فهمت."

يبدو أن عيني الدوق قد وصلتا للتو إلى الزاوية اليمنى السفلية من اللوحة، حيث يقع التوقيع.

بعد تأكده من الاسم، التفت نحوها ببطء.

أجابت "كلير" بصوت خافت:

"أنا من رسمتها."

"يا للهول!"

انفجر الدوق ضاحكاً.

رمشت "كلير" بعينيها، ولم تدرِ كيف تتفاعل مع ردة فعله.

بعد ضحكة نابعة من القلب، تمالك الدوق نفسه أخيراً:

"أعتذر منكِ على الضحك. الموقف لا يحتمل الضحك حقاً."

وفرك مؤخرة عنقه بشيء من الحرج، ثم تابع:

"ولكن من كان يتخيل؟ أن تُرزق ابنة وُلدت لأبوين يُعتبران تجسيداً للموسيقى، بموهبة الرسم!"

"شكراً لك."

"همم."

غرق الدوق في التفكير للحظة، ثم فرقع أصابعه فجأة:

"حسناً، يا آنسة وايد. سأدخل في الموضوع مباشرة. هل تقبلين برعايتي؟ وأقصد هنا رعاية فنية حقيقية."

"... هل تقصد أنك تود تكليفي برسم لوحة؟"

"بالظبط."

عاد الدوق إلى الأريكة وجلس مسترخياً في عمقها.

وظهرت لمحة من المداعبة في عينيه الرماديتين الآن:

"أي نوع من اللوحات تود؟"

"لوحة شخصية (بورتريه). لي أنا."

"أفهم ذلك."

"ما زلتِ مبتدئة في هذا المجال، لذا لا يمكنني تقديم سعر خيالي يذهل العقول. لكني أعدكِ بأنه سيكون أكثر من كافٍ لتبدأي مسيرتكِ كرسامة محترفة."

رسم لوحة شخصية لدوق برتراند... هكذا إذاً.

"أنا موافقة."

هل كان ردها سريعاً أكثر من اللازم؟

رفع الدوق حاجبه بدهشة خفيفة:

"هل أنتِ متأكدة يا آنسة وايد؟"

"وما المشكلة في ذلك؟"

"إنها لوحة شخصية. سيتعين عليكِ المجيء معي."

لرسم بورتريه لشخص ما، يجب على الرسام أن يفهم طباعه وتفاصيله. وكان هذا يعني أن على "كلير" البقاء بالقرب من الدوق ومراقبته لبعض الوقت.

ولكنها كانت تخطط بالفعل لمغادرة هذا المنزل لأسباب عدة، لذا، بطريقة ما، كان هذا العرض هبة جاءت في وقتها.

رمشت "كلير" ببطء.

وشعرت بإحساس غريب يتدفق بداخلها، جعل تنفسها يصبح أكثر سهولة...

وكأن الغيوم قد انقشعت لتسمح للنور بالتدفق إلى العالم مجدداً.

استمتعت "كلير" بهدوء بهذا الشعور الذي يغمرها.

آه، هكذا الأمر إذاً.

هذا الشعور الذي يحتضنها الآن كان علامة واضحة على نقطة تحول كبرى في حياتها.

"هذا يناسبني تماماً."

"ممتاز. إجابة حاسمة."

ما الذي كان مضحكاً في ردها الجاف؟ تذوق الدوق الكلمات وضحك باستمتاع.

وهكذا، بعد مرور أسبوع...

صعدت "كلير" إلى القطار برفقة الدوق.

وكان القطار متجهاً نحو الشمال، صوب مقاطعة برتراند التابعة لمملكة لينور.

✦ ❖ ✦

تحت السماء الصافية، شقت كرة التنس الهواء بسرعة.

هبطت الكرة بدقة في مساحة فارغة من ملعب الخصم.

ضربة ساحقة وقاضية.

انفجرت التصفيقات إعجاباً بالهجوم الحاد والنظيف.

أطلق الحكم صفارة قصيرة معلناً نهاية المباراة، وتبادل اللاعبان مصافحة خفيفة.

"شكراً لك على هذه المباراة الرائعة يا سيد."

"على الرحب والسعة."

ربت "دانيال" بمرح على كتف اللاعب المبتدئ، ثم أومأ برأسه لزميله الذي أدار المباراة كحكم.

"لقد كنت مذهلاً يا دانيال. لم أرَ ضربة لولبية بتلك النظافة من قبل."

التفت "دانيال" برأسه قليلاً، ليرى صديق عمره "تشارلز" يغمز له بمرح.

تعليقات

المشاركات الشائعة