الفصل (3) نعي: سوناتا لعاشقين

 


"لا عجب أنكِ تحدثتِ بكل هذه البراعة مع سفير (أنتاكا) منذ قليل.. أنا نفسي لدي معارف هناك، ما هو اسم عائلة والدتكِ؟" سألها أحدهم، ويبدو عليه بوضوح السعادة بهذا الاكتشاف.

أجابت روز بنبرة حماسية تجاري حماس الرجل، لكن بابتسامة مدروسة ولباقة تقليدية: "دي توا".

في الواقع، كانت والدتها من (أنتاكا) بالفعل، وإن كان وصفها بالنبيلة فيه مبالغة كبيرة تبتعد عن الحقيقة. فجدها لأمها كان الابن الثالث لعائلة نبيلة صغيرة هناك، لم يرث لقباً ولا أرضاً، ولم يورث لعائلته سوى كبرياء زائف يفوق مكانته الحقيقية بكثير. ووالدتها ورثت هذا الغرور عن أبيها..

*لا.. ليس هذا وقت التفكير.*

قطعت روز حبل أفكارها بوقاحة وحسم؛ فقد رفضت تماماً أن تفكر في والدتها، خاصة في هذا المكان، وهي محاطة بأشخاص يتصيدون لها أي زلة أو مظهر ضعف.

"وكيف انتهى المطاف بوالدتكِ في مكان مثل (بولتون)؟"

حتى هذه الأسئلة التي تبدو بريئة في ظاهرها كانت تحمل سماً؛ فقد كانوا يتعاملون مع العيش في (بولتون) وكأنه اختيار للعيش في المجاري. لم تعد هذه التعليقات تفاجئ روز؛ فعندما وصلت إلى (أورثولا) لأول مرة، صدمها الاحتقار الشديد الذي يضمرونه لـ(بولتون)، أما الآن، وبعد سماع هذه الإهانات يومياً، فقد اعتادت على هذه القسوة العابرة.

"لقد سمعتُ أن هناك إضراباً ضخماً حدث في (بولتون) مؤخراً. تخيلي أن النساء شاركن في مثل هذا السلوك المعادي للمجتمع! سمعتُ أن نساء (بولتون) يمارسن كل أنواع الأنشطة.. أشياء لا يمكن تخيلها في (أورثولا)، حقاً لا أستطيع حتى تصور ذلك".

ردت روز وهي ترسم ابتسامة هادئة أخرى: "أوه، لا تقلقي.. فأهل (أورثولا) يملكون بالفعل الكثير مما يفخرون به، لدرجة أنهم لا يحتاجون إلى إجهاد خيالهم مثل أهل (بولتون)".

إن اضطرارها لصياغة ردود دبلوماسية طويلة كهذه، بدلاً من أن تقول ببساطة: *'هذا لأن خيالكِ محدود ومثير للشفقة'*، كان يصيبها بالجنون! فبالنسبة لبلد يمتلك آلات متطورة كهذا البلد، كان أسلوب تواصلهم بدائياً وغير فعال بالمرة.

في تلك اللحظة، شعرت بنظرات (راي كروفورد) الحادة تخترقها؛ كانت نظرته تعني بوضوح: "أغلقي فمكِ".

ابتسمت روز لزوجها وتابعت حديثها وكأن شيئاً لم يكن: "خاصة فيما يتعلق بالملكة (كاثرين).. سمعتُ أنكِ حظيتِ بمقابلتها مؤخراً؟ أخبريني عنها أرجوكِ، بما أنني نادراً ما أراها، فأنا فضولية دائماً لمعرفة أخبارها".

كلما احتاجت روز إلى تغيير مجرى الحديث، كان ذكر ملكة (أورثولا) مفعول السحر؛ فالأورثوليون كانوا مأخوذين تماماً بنظرتها الخارجية—نظرة شخص قادم من بلد بلا ملوك. كانوا يشفقون عليها وفي نفس الوقت يبدأون في إلقاء محاضرات حماسية عن حاكمتهم المحبوبة. وكان غرورهم في تفسير فضولها البسيط على أنه إعجاب ممزوج بالحسد أمراً يدعو للسخرية حقاً.

"لا تزال جلالتها تتمتع بنشاط ملحوظ رغم سنها.. لقد كان ملوك هذا البلد دائماً أقوياء، لكنها حقاً حالة استثنائية.."

تركت روز الرجل يسترسل في مديحه الممل، بينما تشتت انتباهها نحو عازف البيانو في زاوية القاعة. بدأت يدا العازف تبطئان مع اقتراب معزوفة "النوتورن" من نهايتها. كانت المعزوفة مشهورة، بارعة، وعُزفت بلا أخطاء. أما النبيذ الذي تجرعته بإهمال قبل قليل، فقد ترك مذاقاً مراً في فمها.

*'لم نجد سبباً يدعونا لنشر موسيقى الآنسة ديفيس'.*

طفت هذه الذكرى لرسالة مقتضبة ومحطمة تلقتها قبل زواجها دون إنذار. شددت روز قبضتيها ثم أرختهما، وهي تشعر بنبض غريب في معصمها. فجأة، بدا كل هذا بلا أي معنى.. في حياة بلا هدف واضح، هل كان لهذا الزواج المزيف وهؤلاء الأشخاص المتعجرفين أي أهمية حقاً؟

كما قال الناشرون، هي لا تملك أي شيء مميز. وإذا كان هذا صحيحاً، فليس هناك أي داعٍ لتتمسك بكبريائها أو تقدر نفسها. إنها لا شيء.. نكرة.. مجرد شخص تافه آخر في هذا العالم الشاسع.

وفي اللحظة التي تقبلت فيها هذه الحقيقة—وهي نفس الحقيقة التي حاولت والدتها يائسة تعليمها إياها قبل وفاتها—اتسعت ابتسامة روز.

❈────────•✦•────────❈

كانت (أورثولا) بلداً يتأخر فيه الفجر.

نزل (راي كروفورد) إلى الردهة الرئيسية للقصر بعد أن أنهى استعداداته الصباحية، ونظر إلى السماء التي ما زالت زرقاء داكنة وراء النوافذ وهو يرد على تحية رئيس الخدم.

أراد أن يقنع نفسه بأن هذا مجرد صباح عادي آخر—نفس المنظر الذي يراه يومياً، ونفس الموظفين الذين يقابلهم كل يوم. لكن شيئاً ما كان يبدو مختلفاً.

سأل، مجبراً الكلمات على الخروج رغم شعوره بضيق يشبه بلع الرمال: "أين السيدة كروفورد؟"

بدا رئيس الخدم متفاجئاً للغاية لأن (راي) يسأل عن زوجته في هذا الوقت المبكر من الصباح. وكان له الحق في ذلك؛ فـ (راي) لم يكن يذكرها أو يبحث عنها إلا عند الضرورة القصوى، وكان التواصل بين الزوجين شبه منعدم.

"إنها تسير في الحديقة".

"في هذه الساعة؟" كرر راي الكلمات بهدوء.

كانت الساعة السابعة صباحاً.

"إنها في الخارج منذ فترة طويلة".

*'تلك المرأة المعتوهة'.*

لم يكن (راي) متهوراً لدرجة أن ينتقد زوجته أمام الخدم، لكنه لم يستطع منع مشاعر الاستياء التلقائية من التدفق في عقله.

"يبدو أن هناك ما يشغل بالها"، قال رئيس الخدم بحذر.

لم يتفق راي تماماً مع هذه الملاحظة، لكنه اكتفى بالإيماء برأسه.

لقد نشرت صحيفة الأمس مقالاً عن اجتماع والد هذه المرأة مع مسؤولين في البلدية تحت غطاء العمل. ورئيس الخدم، الذي قرأ الصحيفة بالتأكيد، افترض أن هذا هو سبب نزهتها الصباحية المبكرة.

*'إنها مستاءة من ذلك إذن؟ تلك المرأة.. مستبعد جداً'.*

لم يكن هذا افتراضاً دقيقاً؛ ففي تقدير (راي)، كانت (روز ديفيس) امرأة وقحة للغاية، تماماً مثل والدها.

لا يزال يتذكر بوضوح تعبيرات وجهها في قاعة المعرض بالسفارة قبل بضعة أيام؛ فبسبب زواجه من طبقة دنيئة، أصبح كل من هب ودب يثرثر ويتطاول. ورغم أنه كان يتجاهل الأمر لأن الرد على هؤلاء التافهين مضيعة للوقت، ألم يكن من المفترض أن تظهر تلك المرأة أي رد فعل؟ حتى بعد رؤيتها للموقف المقرب الذي حدث بسبب وجودها، اكتفت بالنظر إليه دون أن تنبس ببنت شفة.

تلك المرأة كانت.. ما هي الكلمة المناسبة؟.. واثقة بنفسها بشكل مفرط. لم تظهر أي شعور بالذنب، ولا حتى الخجل. دائماً بذاك الوجه الجامد كدمية، الخالي من أي مشاعر.

"سأذهب لرؤيتها".

لم يكن يرغب في ذلك، لكنه اليوم بحاجة لمناقشة أمر ما معها. حاول (راي كروفورد) طرد هذا الشعور المهين الذي يختبره لأول مرة في حياته—هذا الإحساس المزعج الذي تذكره به زوجته كلما أوشك على نسيانه—وتوجه إلى الحديقة.

"أهل (أورثولا) يملكون بالفعل الكثير مما يفخرون به، لدرجة أنهم لا يحتاجون إلى إجهاد خيالهم مثل أهل (بولتون)".

ومع ذلك، عندما تذكر المرأة التي ألقت تلك الكلمات بنبرة عذبة وناعمة كالحرير رغم ما تحمله من سخرية مبطنة، شعر بالحيرة فوراً رغم محاولاته للتجاهل. لقد ظن أنها قد تلزم الصمت على الأقل لليلة واحدة بعد رؤية ما يسمعه زوجها بسبب وجودها، لكن يبدو أن هذا كان توقعاً يفوق قدراتها. كانت المرأة عاقلة وهادئة في معظم الأوقات، لكنها كانت تتفوه أحياناً بأشياء غير لائقة تماماً.

*هل كانت قواها العقلية سليمة؟*

إن نقل موضوع الحديث من إضراب (بولتون) إلى ملكة هذا البلد لم يكن وقاحة فحسب، بل كان أمراً خطيراً. ففي تلك المحادثة القصيرة، وضعت ملكة (أورثولا) في نفس كفة إضراب (بولتون). كانت تلك المرأة تأتي على ذكر ملكة البلاد كلما شعرت بالملل، وكأن الملكة وسيلة تسلية عابرة.

لحسن الحظ، بدا الأورثوليون غافلين عن ذلك لأنهم افترضوا أن المرأة مأخوذة ومعجبة بوجود الملكة، كما ينبغي لها أن تكون. ولكن مع ذلك.. امرأة ولدت في بلد بلا ملك، وعاشت حياتها كلها هناك..

"هل تعتقد أننا سنكون أفضل حالاً إذا انتصرنا في الحرب؟ هل تعتقد أننا سنصمد لفترة أطول؟"

تذكر كلمات والده التي تمتم بها من فراش مرضه ذات يوم. لم يكن يفهم قلق والده وخوفه من احتمال انهيار الملكية في أي لحظة، أما الآن، فلم تعد تلك المخاوف تبدو مبالغاً فيها؛ فملك (بلانتو) سِيق إلى المشنقة حتى بعد أن كسب حربه.

تلك المرأة تستمر في تذكيره بأشياء يفضل نسيانها.. *بشكل مستفز.*

ومع تصاعد الغضب في حلقه، توقف راي عن المشي.

كانت المرأة تجلس على مقعد ورأسها منحني. لم يكن هناك شيء مثير للاهتمام على الأرض بالتأكيد، لكن وجهها ونظراتها كانت موجهة بالكامل نحو الأسفل. بدا جسدها الضئيل وكأنه على وشك الانهيار تماماً.

*هل كانت تبكي؟*

أخرج راي سيجارة من جيبه ووضعها بين شفتيه، وهو يتأمل (روز) ببرود.

حسناً، حتى لو كانت امرأة لا تهتم بما يسمعه زوجها بسببها، فقد تكون مستاءة بشأن والدها أو سمعتها الخاصة. في الواقع، بالنظر إلى مظهرها، لن يكون غريباً إن كانت تبكي طوال الوقت، فهي تبدو من النوع الذي يبكي بسهولة.

وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فقد ظن أن الوقت قد حان لتنهار؛ فـ(راي) يعلم أن الأورثوليين يعاملونها كحيوان في قفص أو كلاعب سيرك. وحتى في وجوده أو وجود والدته، كان الناس يوجهون لها كلمات جارحة بين الحين والآخر، لذا لا بد أن الأمر كان أسوأ بكثير في غيابهم.

ولكن.. رغم أن وجهها الخالي من التعبير والمشاعر كان مستفزاً، فإن بكاءها سيكون أكثر إثارة للاشمئزاز، ولم يكن يرغب في تكبد عناء مواساتها.

وعندما همّ بالالتفات والمغادرة، رفعت روز رأسها.. ثم تثاءبت—تثاؤباً طويلاً وعميقاً.

تعليقات

المشاركات الشائعة