الفصل (4) أنت مجرد نزوة – You’re Just a Fling,
لم يكن هناك أي مجال للخطأ في هوية هذا الشاب؛ إنه الشخص الذي وصفه الدوق بـ "الابن حاد المِزاج". إنه الدوق الشاب نفسه.
✦ ❖ ✦
لم يجد دانيال والده في مكتبه، بل وجده عند الإسطبلات. كان الدوق يضحك بحرارة وهو يستمع إلى شيء يقوله مسؤول الإسطبل، "سام".
— "أبي!"
— "آه، دان. هل عدت؟"
انحنى سام مسرعاً ملقياً التحية. سار دانيال نحو والده وألقى نظرة على الحصان الذي كان والده يتأمله بإعجاب.
— "حسنًا؟ أليست هذه جميلة؟"
— "بلى، إنها كذلك."
— "اسمها بوريس ()."
إله ريح الشمال، هاه؟ اسم مناسب لحصان سباق. كان الحصان، وهو من سلالة أصيلة، يمتلك شعراً أسود ناعماً وبنية مهيبة.
*طقطق-طقطق.* ضربت حوافرها الأرض بحماس. وكعادة سلالتها المعروفة بصعوبة إرضائها، أظهرت الفرس مودة فورية تجاه هذا الشاب الوسيم الغريب.
راقب دانيال ذيل القطة—أقصد الحصان—وهو يهتز بحماس بنظرات باهتة، ثم التفت إلى والده.
— "ألم يحن الوقت بعد لتتخلى عن حلم 'الديربي' هذا؟"
— "يا بني، أنت لا تفهم الأمر فحسب."
— "دعك من هذا، لن يحدث."
— "حتى جلالة الملك نفسه لم يتمكن من تحقيق هذا الحلم! إنها الرغبة الوحيدة التي يتشاركها كل مالك خيل..."
— "نعم، نعم."
*(شيء بلا فائدة تماماً).* بالطبع، لم يقل دانيال ذلك بصوت عالٍ، فلو فعل، لربما ذرف والده الحساس دمعة حقاً.
— "أيها الشقي." تمتم الدوق بصوت منخفض.
— "نعم، أعلم." أجاب دانيال بتكاسل.
وقبل أن يلتفت الدوق إلى المسكين سام ليشتكي له من ابنه العاق، طرح دانيال الموضوع الذي جاء من أجله أصلاً.
— "بالمناسبة يا أبي."
رغم أن ذلك الحصان الأسود المذهل كان مثيراً للإعجاب، إلا أنه لم يكن كافياً لتشتيته عن السبب الحقيقي لقدومه.
— "لقد دعوت ضيفة، أليس كذلك؟"
— "آه، تقصد الآنسة كلير وايد؟"
اسم مكرر للغاية، لدرجة أنه بالكاد يترك انطباعاً. لكن ما جعل دانيال يتوقف هو شعور غريب بالمعرفة. "وايد... وايد..." هذا ليس اسماً لعائلة نبيلة. فتش في ذاكرته بعناية أكبر، ووجد الإجابة.
— "تقصد ابنة الزوجين الموسيقيين، صحيح؟"
— "هذا صحيح."
اللذان توفيا بشكل مأساوي في حادث عربة، تاركين عالم الموسيقى في حالة حداد.
— "إذن، أحضرت ابنتهما إلى هنا؟"
— "نعم، لأقوم برعايتها ودعمها فنياً."
— "فهمت."
في تلك اللحظة، أدرك دانيال شيئاً؛ والده يخفي أمراً ما. كان الارتباك في رد الدوق واضحاً جداً ولا يمكن تجاهله. هل كانت كلير وايد مجرد فنانة مدعومة حقاً؟ لماذا يحضر فتاة فقدت والديها طوال هذه المسافة إلى القصر؟
لم يستغرق الأمر طويلاً حتى بدأت الشكوك تساور دانيال، فقد رأى مثل هذه الأمور من قبل، وأكثر من مرة. فتاة عامية بلا خلفية عائلية، لكنها جميلة؛ والكل يعرف كيف تنتهي هذه القصص، خاصة إذا لفتت انتباه أحد النبلاء.
*(آه...)*
للمرة الأولى، لعن دانيال حدسه الحاد؛ وتمنى لو أنه لم يلاحظ شيئاً، ولو أنه لم يكن يعرف أي شيء على الإطلاق.
— "عاملها بلطف، كما تعلم، لقد فقدت عائلتها للتو."
— "نعم، إنها ضيفتك، وبالتأكيد تستحق معاملة تليق بها." أجاب دانيال ببرود.
✦ ❖ ✦
منذ ذلك الحين، لم ترَ كلير الدوق الشاب على الإطلاق. ونظراً لاتساع قصر "برتراند"، لم يكن ذلك أمراً مفاجئاً. وعادت حياتها اليومية إلى روتينها الهادئ والممل. قد يسميه البعض "وحدة"، لكن كلير كانت معتادة على العزلة دائماً؛ فوالداها كانا يغيبان عن المنزل لعشرة أشهر في السنة بسبب عملهما.
التقت كلير بوجه جديد أخيراً عندما استدعاها الدوق إلى غرفة الاستقبال.
— "الآنسة كلير."
بينما كانت تنحني لتقديم تحية محترمة، أدركت كلير أن هناك شخصاً آخر يجلس على الأريكة.
— "اسمحوا لي أن أقدم لكم هنري، المستشار القانوني لعائلة برتراند. هنري، هذه الآنسة الشابة هي الآنسة كلير، التي قررتُ رعايتها."
وأضاف الدوق مازحاً:
— "أعتقد أن هذا يجعلنا جميعاً شركاء في الجريمة الآن."
— "يسعدني لقاؤكِ، الآنسة كلير. أنا هنري روتنر."
— "كلير وايد."
تبادلا تعارفاً قصيراً وتصافحا. وبينما كان هنري يخرج بعض الوثائق من حقيبته، كان الدوق يدير القلم بين أصابعه.
— "حسنًا إذن، الآنسة كلير. إجازتكِ القصيرة أوشكت على الانتهاء، ما هو شعوركِ حيال ذلك؟"
— "أنا أتطلع لبدء العمل."
— "هذه إجابة مثالية تشبه ما يكتب في الكتب! هل كان قصر برتراند مملاً إلى هذا الحد؟ كما ترين يا آنسه كلير، أي شخص سيجده مملاً إذا بقي فقط في المكتب وغرفته!"
*(هذا سخيف! هناك الكثير للقيام به في المكتب أو غرفة النوم!)* كادت كلير أن تطلق احتجاجها دون تفكير. ومما أثار دهشتها، تمتم المحامي الجالس بجانبها بشيء:
— "الوجود في الخارج أكثر مللاً."
— "هل تقول إن هذا المكان ممل يا هنري؟"
— "ولكن يا صاحب السمو، لا يوجد هنا سوى الأشجار والعشب والزهور. كلها مساحات خضراء، ما الممتع في ذلك؟"
صُدمت كلير مرة أخرى وقالت:
— "السيد روتنر."
— "نعم، الآنسة وايد؟"
— "الغابات الصنوبرية هنا في شمال لينور هي كنز إقليمي. أنا متأكدة من أنك تعلم، لكنها ليست شيئاً تراه كل يوم."
— "......"
— "لا تستهن بالخضار والطبيعة."
بينما كان الدوق يضحك بصوت مرتفع، رفع هنري يديه مستسلماً:
— "يبدو أن القصر ينال إعجاب الآنسة كلير."
— "إنه جميل."
— "بالضبط! هل سمعت ذلك يا هنري؟"
— "ولكن يا صاحب السمو، أنا محاط بهذا المنظر منذ يوم ولادتي. من الصعب ألا يمل المرء منه."
أوه، هذا عذر منطقي. إذن هنري روتنر من سكان المنطقة المحليين.
أصدر الدوق صوتاً بلسانه وهو يأخذ العقد من هنري، وبعد تصفحه سريعاً، هز رأسه برضا.
— "إنه بارع جداً في عمله، لا يمكنني الاستغناء عنه."
— "أقسم أن هذا لم يكن توسلاً للإعفاء يا صاحب السمو، أنا حقاً لا أريد أن أُطرد."
— "ومع ذلك، بما أنني لن أدعه يرحل، فإن هنري المسكين عالق في التحديق بالنقوش والنباتات."
— "لا، أعني..."
بينما استمر الدوق في ممازحة هنري بمودة تشبه مودة الآباء، قرأت كلير العقد بعناية ووقّعت عليه. وعندما رفعت رأسها، كان هنري يتوسل إليها بصمت طالباً المساعدة. تظاهرت كلير بعفوية أنها لم تلاحظ شيئاً؛ فلم تكن قادرة على التدخل، فلو فعلت، ستكون هي الهدف التالي للمزاح.
ضحك الدوق خفية، يبدو أنه لاحظ هذا التبادل الصامت. وأخيراً، التقط القلم ووقع باسمه.
— "هذا عقد شخصي بيني وبينكِ يا آنسة كلير، ولهذا السبب هو بهذا الشكل."
— "أوه، فهمت."
— "لو كان بينكِ وبين عائلة نبيلة رسمياً، لكانت الوثيقة تبدو مختلفة تماماً."
— "شكرًا لك على التوضيح."
— "ربما يتعين عليكِ توقيع المزيد من العقود في المستقبل، لذا لا تترددي في سؤال هنري عن أي شيء. مفهوم يا هنري؟"
— "بالتأكيد."
— "إذن، لِمَ لا تتحدثان قليلاً؟ من الأفضل أن يتعرف كل منكما على الآخر."
ومع ضحكة مبهجة، غادر الدوق غرفة الاستقبال، وتُرك الاثنان في صمت غريب ومحرج بعض الشيء. لم يتحدث هنري على الفور؛ كانت نظراته مراقبة وفاحصة، حادة وواضحة من خلف نظارته.
وكانت كلير هي من بدأت بالحديث قائلة ببطء:
— "السيد روتنر، هل أنت أصلاً من هذه المنطقة؟"
— "نعم، ولدت ونشأت هنا. والدتي هي الطاهية في القصر."
— "أوه، أرى ذلك."
— "نعم، لقد تمكنت من أن أصبح محامياً بفضل دعم صاحب السمو."
هذا يفسر طبيعة علاقته بالدوق. وسواء كان هنري قد انتهى من تقييمها أم لا، بدأت المحادثة تتدفق بسهولة أكبر بعد ذلك. وكغيره ممن سبقوه، كان فضولياً لمعرفة لماذا يختار شخص ولد لعازفين مشهورين خصوصا أنها تبرع في مجال الفن التشكيلي بدلاً من الموسيقى.
— "الأمر ليس أنني اخترت الفن... بل ببساطة ليس لدي أي موهبة في الموسيقى."
— "آه، حقاً؟ إذا لم يكن في ذلك إزعاج... هل يمكنني أن أسمع بنفسي؟"
— "عفواً؟"
— "هناك بيانو هناك."
وهكذا انتهى الأمر بكلير بفتح غطاء البيانو، وإصدار نغمة (أو ضوضاء) حطمت روح المستمع!
اتسعت عينا هنري بشدة قبل أن يتراجع إلى الخلف، منفجراً بضحك هستيري. لقد كانت ردة فعل رأتها كلير مرات عديدة من قبل؛ فوالداها كانا يفعلان الشيء نفسه دائماً. وسواء لاحظ هنري تذمرها أم لا، فقد دفن وجهه في وسادة، يضحك كالمجنون.
نظرت إليه كلير بكل ما أوتيت من قوة بغضب، ثم خفضت رأسها ببطء وتأملت يديها المستقرتين على مفاتيح البيانو.



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا