الفصل (31) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,

 


«سيدتي المعلمة...»

رمشت "سيو آه" بعينيها، لتجد نفسها فجأة تعيش مجدداً اللحظات الأخيرة لمعلمتها. جثت على ركبتيها أمام المرأة، ودموعها تبلل الأرض وهي تتشبث بالمفتاح الصغير الذي ظل مخفياً لوقت طويل.

«حتى لو لم تقوليها، يجب أن أذهب. لا خيار أمامي. أنتِ تفهمينني، أليس كذلك؟»

المرأة التي كانت مستلقية وعيناها مغلقتان وكأنها فارقت الحياة بالفعل، فتحتهما على الفور وقالت:

«لا، لا يمكنكِ الذهاب».

وحتى وهي في رمقها الأخير، تحدثت بوضوح مذهل وهي تشرح لـ "سيو آه" سبب استحالة ذهابها. كانت الدماء لا تزال تنزف بغزارة من موضع ذراعها المبتورة، واندفعت "سيو آه" بيأس مستخدمة قطعة كبيرة من القماش الأبيض لتضميد الجرح، على أمل أن يتوقف النزيف، متمنية ألا ترحل معلمتها وتتركها كما فعل جدها من قبل.

«توقفي عن هذا واستمعي إليّ».

تشرب القماش بالدماء سريعاُ، وهو مشهد سبب لـ "سيو آه" ألماً يفوق قدرتها على التحمل، لكن معلمتها بدت غير مبالية بجراحها.

«كيف لي أن أتوقف وأنتِ تنزفين على هذا النحو؟»

«توقفي. واستمعي إليّ جيداً».

وضعت المعلمة يدها على وجنة "سيو آه"، وكانت يدها باردة كالثلج. تلك اليد الوحيدة المتبقية لها شعرت "سيو آه" ببرودتها وكأنها برودة الموت. وعند ذلك، انهمرت دموع "سيو آه" بغزارة؛ تماماً مثل ذلك اليوم الذي مات فيه جدها، لم تكن الدموع لتتوقف.

«كيف يمكنني البقاء هنا؟»

*كيف يمكنني البقاء في هذا العالم بدونكِ أو بدون جدي؟*

ساد الصمت بعد أن كانت المعلمة تلح على "سيو آه" لِتتوقف وتستمع. كانت عيناها الخضراوان الداكنتان، بحدتهما وجمالهما الأخاذ، تشخصان في عيني "سيو آه" بلا نهاية. كانت تعابير وجهها غامضة كعادتها دائماً، لكن "سيو آه" شعرت باليأس العارم ينبعث منها.

طغى اليأس على عيني المرأة، ثم وللمرة الأولى، رأت "سيو آه" الدموع تنساب منهما وهي تتحدث:

«المفتاح... هناك شخصان يبحثان عن هذا المفتاح. أحدهما هو ذلك الرجل، والآخر... هو السيف الوحيد القادر على إيقافه والقضاء عليه».

«من هو؟ وإلى أين أذهب؟ سآخذ المفتاح إليهم بنفسي—»

«لا!»

وحتى وهي تواجه الموت، كان صوت المعلمة حاداً وقاطعاً، يأمر "سيو آه" بالإنصاط بعناية ويحذرها من قلب ترتيب الأمور. وعندها فقط، أوضحت لها السبيل الوحيد لاستعادة رفات جدها والطريقة الوحيدة للعثور على والدها:

«توجهي مباشرة إلى بنك فيلف الملكي. يجب أن تحصلي على شهادة المطالبة بالمفتاح مهما حدث».

«وبعد ذلك، سيأتي هو والسيف الذي يمكنه القضاء عليه للبحث عنكِ...»

كلماتها التي كانت واضحة ومقصودة، بدأت تتباطأ فجأة.

«سيدتي المعلمة!»

صرخت "سيو آه" هلعاً، فاستعادت عينا معلمتها تركيزهما بعد أن بدأتا تغيبان.

«تذكري جيداً. الشخص الذي يجب عليكِ اتباعه هو من عائلة راينهارت...»

لكن فجأة، انطفأ البريق في عينيها مجدداً وغابتا عن الوجود.

انهمرت دموع "سيو آه" دون سيطرة وهي تحتضن معلمتها. لم تكن تدرك كم أصبح جسد معلمتها القوي ذات يوم بارداً كأنه جماد.

*لا تموتي. لا تتركيني هنا بمفردي.*

راحت "سيو آه" تردد هذه الكلمات بيأس، لكن يد معلمتها سقطت بضعف عن ظهرها، وترددت كلماتها الأخيرة كصوت الصدى في مسامع "سيو آه":

«الذئب... الذئب سيأتي».

«الذي سيقضي عليه... وفي نهاية المطاف، سيقضي عليكِ أنتِ أيضاً...»

تلاشى صوتها المليء باليأس، والمصحوب بنحيب خنق أجواء تلك الليلة، ليتحول إلى عدم.

ربما لأنها رأت معلمتها بعد كل هذا الفراق الطويل؟ أم لأنها أُجبرت على مشاهدة لحظاتها الأخيرة المؤلمة بدلاً من استرجاع الذكريات الجميلة؟

شعرت وكأن نحيباً عميقاً، يماثل حجم حزنها، يأتي من مكان بعيد. كان أشبه بأنين واهن، صوت يعبر عن الخوف أو الألم.

«آه، شهيق... شهيق...»

وتلا ذلك النحيب المليء بالرعب والألم صوت بارد يخلو من أي ذرة رحمة:

«لقد استغرق الأمر أكثر من المتوقع، وهي لم تستيقظ بعد».

«دقيقة واحدة! لقد مرت دقيقة واحدة فقط! إذا انتظرت قزيلاً بعد—»

«اقطعوا أحد أصابعها».

«آه! انتظر، انتظر!»

كان الحوار مرعباً، وبدت الأحاسيس من حولها أقرب إلى الواقع منها إلى الحلم.

ومن خلف جفونها المغلقة، استطاعت استشعار الضوء الخافت، وسماع خطوات الحركة المتسارعة، والشعور بلفحات الهواء التي تلامس جلدها بين الحين والآخر.

«انتظر قليلاً فقط، أرجوك. إنها تستيقظ!»

«تستيقظ؟ هراء. لو كانت مستيقظة لنهضت بالفعل. من الذي أعطاها ذلك العقار في المقام الأول؟»

لم يبدُ الأمر كأنه حلم.

ومع هذا الإدراك، عاد الواقع ليرتطم بها بعنف وكأن العالم قد انقلب رأساً على عقب.

*أين أنا؟*

*من هؤلاء الناس؟ ولماذا أستلقي هنا؟ مهلاً، أنا...*

بدأ قلبها يخفق بحدة وعنف، وتصبب كفاها عرقاً بارداً.

لم تستطع استيعاب الموقف، وتسلل الخوف إلى قلبها. ظنت أن الأفضل لها هو التظاهر بأنها لا تزال غائبة عن الوعي، لتراقب الوضع لفترة أطول قليلاً قبل أن تقرر ما يجب فعله.


"ألا يوجد دواء لإيقاظها؟"


تلك الكلمات التي ألقاها أحدهم بلا مبالاة رمت بعقلها في حالة من الفوضى العارمة مع اندفاع الذكريات فجأة.


"تناولي الدواء. هذا هو الوقت المثالي."


الذكريات التي كانت غارقة تحت السطح فاضت وعادت بقوة لا يمكن السيطرة عليها. اجتاحتها تلك الذكريات مثل سيل جارف، ساحبةً وعيها إلى تلك اللحظة القاسية. لم تستطع المقاومة، ولم يكن بوسعها إيقاف الأمر.


تذكرت ذلك الشعور الغريب وكأن طبقة ما قد وُضِعت فوق جميع حواسها، ضحكة ذلك الرجل الشيطاني، والشعور بأنها مثبتة على السرير، بجسد ضعيف يشبه حشرة محاصرة، والسائل الفاتر الذي أُجبرت على ابتلاعه، وتلك الأيدي التي كانت تزحف نحو فخذيها.


عاد كل شيء إليها دفعة واحدة، مغرقاً إياها كطوفان. ضاق حلقها. وعلى عكس تلك اللحظة الماضية، كانت جميع حواسها الآن صافية تماماً، ومع ذلك لم تكن قادرة على الحراك.


"آه، أوه..."


"مهلاً، لقد استيقظت!"


اخترق صوت متفاجئ طبلة أذنها، لكن هذا كان كل شيء. ارتجفت **"سيو آه"** وكأن العالم قد تقلص حولها ليصبح تابوتاً ضيقاً. لم تستطع الحصول على ما يكفي من الهواء؛ وحتى في ذلك الضوء الخافت، لم يكن بإمكانها رؤية شيء سوى الظلام.


ظلام دامس يلف وعيها بالكامل.


"ما الخطب؟ هل استيقظت حقاً؟"


هُزَّ جسدها بقوة. وحتى بينما كان العالم يتلاشى ويرتجف أمام عينيها، ظل عقلها محاصراً في ذلك الظلام.


تلك الرائحة التي تلسع أنفها، والضوء الأحمر الحاد، وذلك الرجل الذي كان يقف بلا مبالاة عند الباب...


"هل تريد المزيد؟"


الآن بعد أن فكرت في الأمر، كانت السيجارة قد جعلت شفتيه تنحنيان في ابتسامة ناعمة. لقد كان يضحك وهو يدخن.


"إذا كنت تريد المزيد، فعليك الانتظار."


لقد كان عادياً جداً وكأن العنف الذي يتكشف في الظلام لا يستدعي القلق، وهذا تحديداً ما أرعبها.


عادت خيوط اليأس والخوف من تلك اللحظة تتسلل من جديد، باردة وحادة، تلتهم قلبها. توسلت في داخلها بيأس: *أرجوك، لا تتركني في هذا الظلام. أرجوك، ساعدني.*


"ساعدني، ساعدني..."


**"سايمون"**، الذي كان يظن أن بإمكانهم الاسترخاء أخيراً بعد أن استيقظت المرأة، شعر بنفاد صبره في اللحظة التي بدت فيها وكأنها تفقد وعيها مرة أخرى.


أما صاحبة الماخور، التي ظنت أنها محظوظة لنجاتها تلك الليلة، فقد تمنت لو تموت عندما استقرت نظرة سايمون الباردة عليها.


تقدم سايمون نحوها بخطوات واسعة، وأمسك بها بقوة ثم دفعها نحو السرير.


"تحملي المسؤولية. لن يكفي قطع إصبع واحد إذا كانت قد فقدت عقلها."


انفجرت صاحبة الماخور بالبكاء وهي تنظر إلى المرأة التي بدت محطمة تماماً.


*ساعدني، لا تتركني، أرجوك ساعدني.*


كانت المرأة تهمس بالعبارات نفسها مراراً وتكراراً. كانت عيناها فارغتين، والدموع تنهمر على وجهها، وقبضتاها مشدودتين بقوة حتى تحول لونهما إلى الأبيض.


بدا المشهد مألوفاً وسريالياً، وكأنها رأته أو عاشته من قبل.


صعدت صاحبة الماخور إلى السرير وهي تختنق بنشيجها. أمسكت بيد المرأة المرتجفة وانحنت برأسها.


"أنا آسفة."


"...."


"أنا آسفة. لقد كنت مخطئة."


"ساعدني، لا تتركني، أنا..."


كان صوت المرأة مليئاً باليأس، يتردد فيه صدى رعب الليلة الماضية.


جذبت صاحبة الماخور جسد المرأة الهش بين ذراعيها، واحتضنتها بقوة. راحت تمسح على ذلك الظهر الرقيق الذي ضحكت عليه يوماً وهي تدفعه نحو الهاوية، وهي الآن تتوسل بيأس طلباً للمغفرة.


"أنا آسفة يا آنستي. أنا آسفة حقاً."


سواء كانت محاولة يائسة لإنقاذ نفسها أو ومضة ضمير دُفنت في أعماقها، لم تستطع صاحبة الماخور ترك المرأة الهشة.


تمسكت بها، وهي تطلب منها العودة، وتخبرها أن كل شيء قد انتهى. وحتى وهي تختلق الأعذار، زاعمة أنها لم تفعل ذلك بدافع الخبث، كانت تشاركها دفئها.


"أنا آسفة يا آنستي. لقد أخطأت. أنا آسفة."


ومع ذلك، بالنسبة لـ **"سايمون"**، كان المشهد أمامه يثير الاشمئزاز أكثر مما يثير الشفقة.


##

تعليقات

المشاركات الشائعة