الفصل (41) كفاره عن تلك القسوه

 


## الفصل 27

❈──────•◈◈◈•──────❈

اقترب رجل من "أوسكار" من الخلف. وعلى عكس الرجال الذين يرتدون الحُلل الرسمية، كانت ملابسه رثة ومبعثرة، كما لو كان قد خرج لتوه من أرض المعركة. كان هو نفسه الرجل الذي ظل مختبئاً بين الشجيرات في انتظار "أوسكار". جاء تقريره سريعاً، ونبرة صوته مشدودة:

«لقد انتشلت فرق البحث جثث ثلاثة من أعضاء فريق القتلى. ومع ذلك، لم نتمكن من تحديد مكان قائد الفريق ونائبه، واللذين يبدو أنهما قد أُسرا حيين».

«احتمالية نجاتهما؟»

سأل "أوسكار" السؤال رغم أنه كان يعرف الإجابة مسبقاً.

«... إننا نبحث بنية استعادة الجثث».

أخذ "أوسكار" نفساً عميقاً من سيجارته وأطلق ضحكة خافتة.

إذن، لُقّن فريق تجسس كامل—مزروع داخل "فيلق بيتا المرتزق"، ذراع الدعم السري لملك "لوكسن"—أُبيد عن بكرة أبيه.

جعلت ضحكة "أوسكار" الرجلَ المُبلّغ، "سايمون"، والذئاب المحيطة به يحبسون أنفاسهم. كان صوت الضحكة جافاً، مثل جمر لم يبرد بعد. رمى بنصف السيجارة المشتعلة على حصى خط السكة الحديدية وسحقها ببطء تحت حذائه.

«ليس واحداً أو اثنين. الفريق بأكمله، الذي نُشر بالتتابع، كُشف أفراده جميعاً...»

ولم يكن ذلك حتى داخل القصر الملكي لـ "لوكسن". فالعملاء الذين زُرعوا داخل منظمة دعم المرتزقة قد كُشفوا بنفس الطريقة تماماً.

ومن خلال الدخان الذي زفره، لمعت عيناه الياقوتيتان بقسوة.

«هذا يعني أن هناك وغداً يتلاعب بي».

وأضاف بصوت خافت شبه هامس، أن الذئب قد مُزق وأُطعم للكلاب—ولا فرق بين ذلك وبين قتله وعرض جثته.

«ماذا سنفعل يا سيدي؟»

حدق "أوسكار" في خطوط السكك الحديدية التي لا تنتهي.

«تخلصوا من جميع المعلومات الاستخباراتية الواردة من الفريق 3-2».

كان قراراً طبيعياً؛ فلم يعد بالإمكان الوثوق بمعلومات قادمة من وحدة مخترقة.

«أوقفوا البحث عن الأسيرين الحيين».

وعند هذا الأمر البارد، رفع الذئب الجريح رأسه. كان على وشك التوسل للحصول على إذن بمواصلة البحث—ولو لمرة واحدة أخيرة—لكنه خفض نظره مجدداً عندما رأى سيده يرتدي قفازات سوداء ملساء في يديه.

كان قطار آخر يقترب من بعيد.

تراجع "أوسكار" عدة خطوات إلى الوراء وفك بضعة أزرار من قميصه الذي شعر بأنه يخنقه. وضع يده التي يكسوها القفاز في جيبه. ثم، مع هبوب عاصفة هائلة من الرياح، مرت مقدمة القطار من أمامه. وتبع ذلك صرير معدني عنيف جراء كبح السرعة بحدة.

وعندما توقف القطار تماماً، بعد أن تباطأ كما لو كان في حالة توقف اضطراري، صعد "أوسكار" الدرجات.

وعلى عكس القطار الذي كان يقل "سيو-آه"—والذي كان مؤثثاً بفخامة—بدا هذا القطار مثل عوارض فولاذية مكشوفة تركتها النيران وراءها بعد أن عجزت عن التهامها. معدن فضي خام. ورجال أشداء.

انحنت فرق البحث والقتال النخبوية التابعة لـ "راينهارد" بإجلال عميق نحو السيد الذي استدعاهم. سار "أوسكار" بخطى واسعة في الممر الضيق بين الذئاب المشحوذة كالشفرات.

ومع صرير معدني آخر، تحرك القطار.

وصل "أوسكار" إلى نقطة المراقبة التي تمكنه من رؤيتهم جميعاً. أجرى مراجعته الأخيرة، متفحصاً بأعينه الجنود المنحنين.

كانت جماعة المرتقزة التي نُشر فيها العملاء المخترقون قوة مسلحة يستخدمها ملك "لوكسن" لعمليات التطهير السرية. والقتلة الذين تتبعوا "فيلبي" تم استئجارهم من خلالهم. لقد كانوا الأيدي التي تنفذ أقذر أعمال الملك. وكانت الخطة تقتضي التسلل والمراقبة والفضح.

لكن الجواسيس قد كُشفوا.

«لقد مزقوا الذئب وأطعموه للكلاب».

وعند الكلمات التي نُطقت بنبرة خافتة، بدأ المنحنون في رفع رؤوسهم.

التقت نظرات "أوسكار" العميقة بأعين العملاء التي تشتعل برغبة الانتقام. ومع اعتدالهم في وقفتهم تماماً، أصدر أمره:

إذا لم يتمكنوا من معرفة ما يخطط له الملك، فسيقطعون ببساطة الأيدي التي تخطط. وبما أن تلك الأيدي قد غُمست في القذارة، فلن تتمكن من التقاط الأجزاء المبتورة.

«خمسة أيام».

لم يرتفع صوره.

«أحضروا لي رأس قائد فيلق بيتا للمرتزقة في غضون خمسة أيام».

أجاب العملاء—الذين لا تزال جثث رفاقهم المشوهة ماثلة في أذهانهم—بصوت واحد هادر زلزل المكان. كما لو أنهم كانوا ينتظرون هذا الأمر بفارغ الصبر.

«عُلِم، يا سيدي».

لوكسن.

أرض ذات مناخ معتدل على مدار العام، منعمّة بأراضٍ شاسعة وبكر. وبفضل موقعها الجغرافي في قلب قارة "نورفولك"، كانت بمثابة مركز للتجارة لأجيال متعاقبة. تدفقت الأموال بطبيعة الحال، وحيثما تجمع المال، ازدهر الفن والثقافة.

كانت "فويس"، عاصمة لوكسن، تُلقب بـ "لؤلؤة نورفولك"—فقد بلغت من التقدم في الفن والثقافة حداً جعل أي متحف يقع في شارع عادي يفوق في فخامته القصور الملكية الأجنبية. ومع ذلك، فإن الجوهر الحقيقي لفن "فويس" كان يكمن، بلا أدنى شك، في القصر الملكي.

وعند البوابة الرئيسية للقصر، انتصب عمودان هائلان، يبلغ ارتفاع كل منهما عشرة أمتار، في تناظر تام. وفوق كل منهما، فرد عقاب ذو رأسين—شعار العائلة المالكة—جناحيه الواسعين، يحدق في كل الاتجاهات. ومثلما كان العمودان مرآة لبعضهما البعض، كان القصر نفسه كذلك؛ تناظر مثالي.

لكن جمال التناظر لم يكن مقصوداً للعين الخارجية، بل صُمم ليرى من الداخل نحو الخارج. لقد صمم مهندس القصر كل شيء من وجهة نظر الملك.

وكانت شرفة الملك تقع في مركز ذلك التناظر، أي في قلب القصر تماماً.

كانت الشرفة الأجمل في القصر—ويقول البعض في العالم بأسره. درابزين من الرخام، وأرضيات من الرخام، وكل تفصيل فيها كان عملاً فنياً قائماً بذاته. ومع ذلك، فإن ما كان يسلب الأنفاس حقاً هو المشهد الممتد وراءها.

أفق صافٍ تحت سماء تظل زرقاء طوال العام. عقاب ذهبي يلمع بحدة في مواجهة تلك الزرقة. وفي الأسفل، حديقة ذات مسطحات خضراء منسقة كلوحة نسيجية، تتراصف على طول تصميمها نوافير متناظرة. وتمتد أروقة من الأقواس المتكررة نحو الخارج، لتؤطر الحديقة كلوحة حية صُنعت خصيصاً للملك وحده.

الكل امتدح هذه الشرفة.

الكل باستثناء صاحبها، لدرجة أنه كان يمقتها.

والمشكلة هي أن هذا الشخص كان صاحب القصر الملكي وصاحب الشرفة: الملك نفسه.

وقف الملك "ليوبولد"، ملك لوكسن، وحيداً في منتصفها، شاخصاً ببصره إلى الأمام مباشرة.

لم يكن يكره هذا المكان دائماً. ذات مرة، كان يحبه لدرجة أنه رسم هذا المشهد للاحتفاظ به كذكرى. تذكار.

إلى أن أصبح ذلك الوغد قذىً في عينه.

فما وراء البوابة الرئيسية، وعلى خط مستقيم من الشرفة، كان يقع تقاطع دائري واسع. وفي وسطه، يرتفع تمثال شامخ.

وحيث كان ينبغي أن يكون تمثال ملك لوكسن الأول، كان يقف تمثال الماركيز الراحل "راينهارد".

البطل الذي أنقذ الأمة.

وحتى الآن، كان العوام المارون من هناك يتوقفون ليشرحوا لأطفالهم أمجاد "راينهارد".

هذا التمثال الملعون، المرئي كل يوم، كان يذكر "ليوبولد" بتلك السلالة المتعجرفة.

ولم يكن التمثال وحده هو السبب.

حدق "ليوبولد" في وجه "أوسكار" المطبوع على الصفحة الأولى من الصحيفة الصباحية، ثم ألقى بالصحيفة أرضاً.

فالصحف اليومية الكبرى في لوكسن كانت تنشر بلا كلل إما عن تدهور العائلات المالكة الأجنبية أو عن نمو شركة "راينهارد للصلب". وبما أن الملوك الأجانب المخلوعين لم يعودوا مادة جاذبة للعناوين الرئيسية، فقد كانت صورة "أوسكار" تحتل الصفحة الأولى بشكل متكرر.

«عماد لوكسن — شركة راينهارد للصلب».

لقب ملعون.

انحنت وصيفة البلاط، الواقفة كظلها، لالتقاط الصحيفة الملقاة. وفي تلك اللحظة، دخل رجل في منتصف العمر إلى الشرفة عبر الأبواب المفتوحة.

«جلالتك».

كان الكونت "جيروم"، المعروف بأنه الذراع اليمنى لـ "ليوبولد". وفي أواخر العام الماضي، نجح في تقديم ابنته الوحيدة خطيبةً للملك.

انحنى الكونت بعمق، لكن "ليوبولد" بالكاد التفت إليه، واضعاً سيجارة بين شفتيه. عندها، اقتربت الوصيفة، التي كانت قد طوت الصحيفة ووضعتها على الأريكة، وأشعلت سيجارة الملك، ثم أغلقت أبواب الشرفة بهدوء. عندها فقط تحدث "ليوبولد"، والضيق يكسو كل مقطع من كلماته:

«هل رأيت صحيفة اليوم؟»

«......»

«الخبر الذي أردته لم يُنشر. وبدلاً من ذلك، كُتب: "عماد لوكسن، شركة راينهارد للصلب". بهذا المعدل، سيغيرون اسم البلاد إلى راينهارد قريباً».

«جلالتك...»

«ماذا علي أن أفعل؟ هل أفتح بنكاً مثل ملك فيلبي وأبيع حسابات الخزائن؟»

قالها "ليوبولد" بحدة، وهو ينفض الرماد من سيجارته.

«لقد تفاخرت بأنك تستطيع قتله هذه المرة. ولكن بدلاً من قتله، لم يَعُد رجل واحد من رجالك حياً. كيف حدث هذا؟»

«أعتذر منك يا سيدي. إنني أشعر بالخزي».

«أو ربما...» ضاقت عينا "ليوبولد" بحدة. «... هل أنت خائف من زوجة الماركيز وعاجز عن قتله؟»

وعند هذا السؤال المبطن بالاتهام، تصلبت ملامح الكونت "جيروم"—تصلباً طفيفاً.

تعليقات

المشاركات الشائعة