الفصل (12) دون علمي أنا أواعد الامبراطور سرا,
## الفصل 12: تحت ضوء القمر وأسرار البلاط
تساءلت في رأسها إن كانت أهوال المعارك المتلاحقة قد تركت في نفسه ندوباً غائرة، تماماً كعلة مزمنة لا تبرأ.
في تلك الأثناء، عضّ إيفريت على شفته السفلية نادماً، وشعر بأنه أخطأ في اختيار كلماته.
حاولت أن تلطف الأجواء، فقالت بنبرة حملت مزاحاً مقصوداً:
— **"هل تؤرقك الليالي المستبدة كثيراً؟"**
كانت تعلم أن تغيير موضوع الحديث فجأة سيزيد التوتر بينهما؛ فالعيون التي تحمل مثل ذلك الثقل نادراً ما تنتمي إلى أشرار حقيقيين. وكم شعرت بالارتياح عندما بدأت ملامح إيفريت تسترخي، وتبدد ذلك الهواء الخانق الذي كان يضغط على أنفاسهما.
أرادت أن تكسر كآبة الموقف تماماً، فتابعت قائلة بأسلوب درامي ساخر:
— **"إذن، أنت تدّعي أنك حطمت قيودك كخارج عن القانون عركته التجارب، ثم لفتّ انتباه الملك بمواهبك لتنال مكاناً في خدمته؟"**
ولم تتوقف عند هذا الحد، بل زادت من شطحاتها لتصبح أكثر غرابة مع كل نفس تخرجه:
— **"أم أن هوايتك السرية هي سرقة الحلوى من أيدي الأطفال وإلقاؤها في التراب؟"**
علق إيفريت وعلامات التعجب ترتسم عليه:
— **"إنك تملكين مخيلة خصبة للغاية."**
ولم يمضِ وقت طويل حتى وجد نفسه مأخوذاً بفيض قصصها الطريفة، غارقاً في تفاصيلها كملك سحرته حبكة راوٍ بارع. واعترف لها أخيراً:
— **"على الأقل، يواسيني أنني لست بهذا السوء الذي تصورتِه."**
وصل الاثنان إلى الممر الضيق المؤدي إلى عتبة بيتها. كان وجه إيفريت يحمل الآن ابتسامة حقيقية خالية من الهموم. وشعرت هي بزهو داخلي لأنها نجحت في تخفيف عبئه، فلوحت له مودعة.
أشار إيفريت إلى المكان وقال وهو يتفحص المحيط الخالي بحيرة طفيفة، وكأنه يتوقع أن تظهر البيوت فجأة من العدم:
— **"لقد وصلنا إذن."**
ردت عليه وهي تكتم سراً باحت به ذات مرة وتندم عليه:
— **"ليس هذا المكان بالضبط بالطبع. ألا تتفق معي أن على المرأة أن تحمي خصوصية مقر سكنها من الغرباء؟"**
بدت نبرته قلقة ومقتضبة وهو يقول:
— **"لا يوجد أحد في الأنحاء هنا. أثق أن منزلك يقع على مقربة من هذا المكان."**
استدارت وبدأت في المغادرة بابتسامة هادئة. لحقت بها نظراته للحظات قبل أن تختفي، وسرعان ما ملأ صمت المكان صدى خطواته المتراجعة.
لكن رغبة ملحة تملكتها، فالتفتت تنظر خلفها لتجد أن إيفريت قد تجمد في منتصف خطواته. التفت بكامل جسده ليلتقي بالعيون، وكانت تفصل بينهما عشر خطوات، وجسداهما في مواجهة متناظرة.
سألته بنبرة حاولت أن تخفي وراءها يقينها التام:
— **"مؤكد أنك تدربت كفارس؟"**
كانت تؤمن في داخلها أن ترك جسد بنيته قوية كهذه خلف مكتب إداري يعد هدراً لـقوة الإمبراطورية. وتابعت تسأله:
— **"وقد وقفت بجانب جلالة الملك في المعارك، أليس كذلك؟"**
ألقى ضوء القمر بظلاله على جسد إيفريت المتصلب، ووشت به رشفة خفيفة سرت في بدنه. سارعت إلى توضيح منطقها حتى لا تترك مجالاً لمزيد من اللبس:
— **"لا يوجد موظف مكتب يجيد الإمساك بالمعصم بتلك الدقة."**
تحركت في داخلها مشاعر استياء طفيفة وهي تتذكر تلك اللحظة، ثم أردفت كمن يتذكر شيئاً عابراً:
— **"كدت أنسى... أنا لم أذهب إلى المعبد على الإطلاق."**
لم يعد هذا التفصيل مهماً الآن، فتجاوزته ببساطة، وأخذت نفساً عميقاً لتستجمع شجاعتها قائلة:
— **"وعلى أي حال... تلك الساعات التي جفاك فيها النوم بسبب ضراوة الحرب..."**
انحنت له انحناءة عميقة، صبت فيها كل ما تملكه من احترام، وتابعت:
— **"... هي التي منحتني أنا هذا النوم الهادئ المستقر. لك مني كل الامتنان."**
كان الإمبراطور الحالي قد أطاح بكل منافسيه فور اعتلائه العرش، ومع ذلك، ظل يحظى بحب جارف من عامة الشعب. كانت ذكريات طفولتها تشوش التفاصيل؛ فقد كانت مجرد طفلة آنذاك، لا تلتفت لصراعات الكبار ومكائدهم.
لكن المؤكد أن حكم سلفه كان قد هبط بالمملكة إلى قاع البؤس. فقد ارتقى الملك الراحل إلى العرش بعد أن أصيب شقيقه الأكبر —ولي العهد الشرعي— بمرض مفاجئ وتنازل عن حقه. وكان ذلك الأمير السابق، المليء بالقدرات الواعدة، قد اختار حياة اللهو والملذات بعيداً عن ظل التاج.
حتى بعد تنصيبه، ترفع الملك الراحل عن إدارة الحكم الفعلي، وصورته الحكايات كحاكم يفتقر تماماً للأهلية. ورغم أن الإمبراطورية كانت تملك ثقلاً وقوة قارية، إلا أن وجود قائد ضعيف واحد كفيل بنخر قيمتها بسرعة؛ فضعفت القوة الوطنية، وراحت الحدود الجائعة تختبر قوتها عبر غارات لا تتوقف.
ووسط هذا الخطر المحدق، كان الملك القديم أعمى لا يرى سوى تملق المنافقين، تاركاً واجباته وراء ظهره. فتقلصت الأراضي، وحفرت المعاناة عميقاً في تفاصيل الحياة اليومية، ليتذوق مرارة هذا الوضع حتى النبلاء المقربون من العاصمة المحمية —عائلة نفسها—.
ولم يحمِ الدولة المتداعية من الانهيار سوى أمجادها الغابرة. وعندما شكلت الممالك المجاورة تحالفاً وشنّت هجوماً شاملاً، ظل الإمبراطور السابق غارقاً في ثقته العمياء بـبذخه وتطرفه وسط العاصفة.
لهذا السبب، نفذ السيّد الحالي حركة التطهير، وأطاح بالمستشارين الفاسدين، وخاض معارك طاحنة ومريرة فور تتويجه. لو تردد لحظة واحدة، لتمزقت الإمبراطورية إلى أشلاء منذ زمن بعيد.
وإن كان إيفريت روخاس ينتمي حقاً إلى الدائرة المقربة والموثوقة للإمبراطور، فهذا يعني أن جبهات القتال قد سرقت سنوات من عمره. وتلك الساعات التي يسهرها في وجل، هي التي أمنت بلا شك أياماً أكثر سكينة لرعايا الإمبراطورية.
قطع تفكيرها صوت إيفريت وهو يتمتم بنبرة جمعت بين الاحتجاج الساخر والرضا المكتوم:
— **"إن هذا المديح المسرف منكِ يفاجئني تماماً."**
وقد صبغت الحمرة وجنتيه، وامتزجت في عينيه شرارة الشرف والخجل. همست نحو طيفه الذي بدأ يختفي في الظلام:
— **"ليست مجاملات فارغة."**
ثم هزت كتفيها بخفة، وتوجهت إلى داخل منزلها.
جاء الصباح، وحمل معه استدعاءً عاجلاً لها إلى المكتب بواسطة أحد الفرسان.
قال الفارس بمجرد اقترابه منها:
— **"الآنسة كارولينا دياز، تفضلي باللحاق بي."**
وعندما اقتربت منه، انحنى نحوها وهمس بصوت خفيض لا يسمعه غيرها:
— **"هناك توجيهات تقضي بالتحقق السري من سلامة كونستانس في زنازين الاحتجاز بالقصر."**
أشرق وجهها بالفرحة، لكنه أشار إليها بيده كي تضبط مشاعرها وتابع:
— **"تطلب القيادة فرض أقصى درجات السرية على هذا الأمر. وقد أشاروا إلى أن معرفتك المسبقة بالقضية تعفينا من تقديم أي شرح إضافي لكِ."**
تفحصت عيناه عينيها ليتأكد من استيعابها، فأجابته بهدوء:
— **"الأمر واضح تماماً."**
كانت السلطات قد حجزت حرية كونستانس بانتظار نتائج التحقيق في قصر دوق كاميلو —وهي صفقة غير عادلة بالمرة، لكنها تعتبر تقدماً على أي حال—.
شعر الفارس بالارتياح لأجابتها فاستطرد قائلاً:
— **"مشاركتكِ كمراقبة ستجعل الروايات متطابقة. تصرفي كما هو متوقع منكِ."**
أبدت لمحة من القلق المصطنع ووافقت:
— **"بكل تأكيد."**
ثم رفع الفارس صوته متعمداً الرسمية بمجرد أن أومأت برأسها:
— **"هل أنتِ مستعدة للذهاب، الآنسة كارولينا دياز؟"**
سارت خلفه وهي تطأطئ رأسها باصطناع للجدية والوقار، بينما بدأت الهمسات تتعالى من خلفها.
كانت تلك الجماعة الثرثارة التي تدور في فلك أندرو (Andrew) —سعياً وراء النفوذ— قد بدأت تتحرك مجدداً. فحين اعتقل أندرو، أقاموا المناحة وكأن قريباً لهم قد حُكم عليه بالإعدام، والآن بعد أن سرت إشاعات عن قرب نيله الحرية، عاد صخبهم من جديد.
— "هل جاء الدور على كارولينا دياز؟"
— "هذا منطقي. دونوفان وأندرو طلقاء الآن، لكن كونستانس لا تزال محتجزة. لِمَ قد يستدعونها لولا ذلك؟"
— "إذن، لا بد أن كونستانس قد وجهت أصابع الاتهام إلى شريكة لها."
— "قضية ضخمة كهذه؟ من المستحيل أن تكون عملاً فردياً."
تعمدوا رفع أصواتهم ليتأكدوا من أن كل طعنة تصل إلى مسامعها، ظانين أن صمتها نابع من الخزي والعار، وربما كانوا يستمتعون بمأزقها لدرجة تمنعهم من خفض أصواتهم.
كان هؤلاء يكبرونها بخمس سنوات في الأكاديمية، وتعثروا طويلاً في سنوات الإعادة، وبالكاد نالوا شهاداتهم، وفشلوا في اختبارات التوظيف بالقصر —لينتهي بهم المطاف في وظائف تتساوى مع وظيفتها رغم تفوقها وسبقها—. لذا، كان من الطبيعي أن يغلي الاستياء والغل في صدورهم تجاهها، رغم أنها لا تنبض بأي ذنب في قصر نظرهم وفشلهم.
كان التحقيق المحيط بعائلة كاميلوت يلجم لسانها، وإلا لكانت الردود اللاذعة قد تطايرت من فمها. لكن الصبر مع كايل روس (Kyle Russ) وإيفريت سيأتي بثماره حتماً.
تظاهرت بالصمم وأسرعت في خطوتها؛ فاستعادة سمعتها وسمعة "كوني" الملوثة أمر مصيري. إن شباك النميمة تغزل خيوطاً برية، والأكاذيب هي أكثر ما يعلق بالأبرياء المظلومين. وإذا تجاهلت الأمر، ستترسخ القناعة بأنها وكوني هما العقل المدبر لـمؤامرة الغرب، وأنهما تفلتا من العقاب عبر صفقات الغرف المغلقة.
كانت ترتب أولوياتها في رأسها: تأمين إطلاق سراح كوني أولاً وقبل كل شيء. وفي مخيلتها، كانت هناك علامات حمراء تسجل تلك الافتراءات المزدوجة والانتقام المؤجل.
ولأن هؤلاء الثلاثة لم تردعهم اللياقة، فقد صعدوا من هجومهم:
— "تخيلوا لو كانت هناك خيوط متشابكة تربط شخصيات أرفع من كارولينا دياز في هذه القضية."
— "يقال إن نسب كونت رينكل (Renkel Count) يتصادم مع دوق كاميلوت، أو هذا ما يزعمونه."
وصلت طعناتهم الخبيثة الآن لتطال عائلة والدتها. وبمجرد ذكر اسم عائلة "رينكل" العريقة ذات الثقل، تفرق الحاضرون —الذين كانوا يراقبون بحذر— واختفوا سريعاً في الظلال خوفاً من العواقب.



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا