الفصل (36) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,
"وبعد أن كنت تتبادل الرسائل بلهفة مع الماركيز راينهارد، تريدني الآن أن أرسل رسالة احتجاج إلى ملك لوكسين؟ أي إهانة ألحقها بك ذلك الرجل؟"
"لقد سكب الخمر في فمي!"
"همف."
كان الأمر سخيفاً، فهز الملك رأسه غير مصدق. لكن الدوق الأكبر فتح فمه مجدداً وقال:
"هذه ليست مجرد وقاحة، بل يجب اعتبارها محاولة اغتيال ضد العائلة المالكة في فيلبي! و'تبادل الرسائل بلهفة'، يا صاحب الجلالة؟"
أمام هذا السؤال الذي أُلقي عليه بأعين متسعة، زأر الملك أخيراً:
"هل يمكنك أن تنكر أن نفوذ راينهارد كان له الدور الأساسي في تعيينك حاكماً؟"
ولماذا عساه يضع ذلك المغفل في منصب حاكم بنك فيلبي الحساس لولا ذلك السبب؟ لم يكن الأمر ممكناً إلا لأن البرلمان وافق عليه، وأوسكار فون راينهارد هو من جعل ذلك يحدث. وكان الملك مستعداً للمراهنة بتاجه على هذا الأمر.
بمعنى آخر، قام أحد نبل لوكسين بتجاوز إرادة ملك فيلبي نفسه، وأجلس كارل فون بادن على كرسي حاكم بنك فيلبي.
هل راينهارد يزدري ملك فيلبي؟ هل أدرك ذلك الأحمق هذا الأمر الآن فقط؟
نقّر الملك بلسانه ساخراً من غباء الدوق الأكبر الذي لا حدود له.
"هل أخبرك لماذا انتهى بك المطاف في هذه الحالة؟"
انحنى الملك للأمام من فوق منصة العرش، وكان صوته منخفضاً وحاداً:
"لأنك تلاعبت بغباء مع كلا الطرفين. عندما لم أمنحك منصب الحاكم، تشبثت براينهارد. أخذت ما أُعطي لك ورفضت دفع الثمن. هل أنا مخطئ؟"
عند ذلك، تلون وجه الدوق الأكبر باللون الأحمر وبرزت العروق في رقبة، وتحولت عيناه إلى اللون الأحمر القاني تماماً كعيني والدته.
"أخبرني، ما هو الثمن الذي طلبه منك ذلك الرجل؟"
"يا صاحب الجلالة، ما الذي تلمح إليه؟ ثمن!"
مهما كان الموقف مجحفاً، لم يكن بوسعه التحدث عن الاتفاق الشفهي السري بينه وبين أوسكار. ففي اللحظة التي سيفعل فيها ذلك، سينتهز الملك الفرصة ويعلنه مجرماً.
"ألم يكن وصولي لمنصب الحاكم بجهدي الخالص؟"
"بادن!"
اتسعت الفجوة بين الأخوين غير الشقيقين كأنها صدع في جبل جليدي.
في تلك اللحظة، فُتحت الأبواب المغلقة بإحكام لقاعة الاستقبال. ودخل خادم بحذر وهو يلتفت حوله، وعندما التفت الملك ببصره نحوه، أعلن الخادم عن وصول زائر غير مرغوب فيه.
"يا صاحب الجلالة، لقد وصل الماركيز راينهارد من لوكسين."
قفز دوق بادن الأكبر والتفت نحو الباب. أعاد الملك النظارات التي خلعها سابقاً، ثم تفقد الساعة التي لا تزال في يده، وأشار بالإذن بالدخول.
انحنى الخادم ودفع الأبواب الضخمة مفتوحة.
طرقات خطوات متأنية دخلت أولاً. خطوات عريضة وغير مستعجلة عبرت القاعة، ثم ظهر هو.
لقد شد أعصاب الملك والدوق الأكبر إلى أقصى حدودها، ومع ذلك كان دخوله يشبه دخول بطل الرواية متأخراً إلى مأدبة.
راقب الملك مشيته المسترخية، ابتسامته، ونظرته—ثم فكر وهو ينظر إلى شعر الرجل الأسود المجعد:
ذلك الشعر نفسه بمثابة طعم. إنه يجعل رجلاً مكاراً في الثلاثين من عمره، ونواياه الحقيقية مجهولة، يبدو كشاب لعوب في العشرينيات. وبهذه الطريقة، يفكك الدفاعات ويحصل ببراعة على ما يريد.
وهكذا، فإن الرجل، الذي لم يكتفِ برفع شأن عائلته، قد قاد بيته إلى قوة وثروة جعلت حتى الملك لا يجرؤ على معارضته بخفة.
توقف أوسكار أسفل منصة العرش، وانحنى بأدب:
"أحيي جلالة ملك فيلبي."
تحرك دوق بادن الأكبر ببنيته الضخمة، وهو يرمقه بنظرات قاتلة:
"ماركيز راينهارد! أن تصل متأخراً—يا لها من وقاحة! هل تجد العائلة المالكة في فيلبي مثيرة للسخرية؟"
نظر أوسكار إلى الملك، ثم إلى الدوق الأكبر، ثم أعاد نظره إلى العرش. تلاشت الابتسامة التي كان يرتديها، ووضع يديه خلف ظهره كجندي منضبط وحنى رأسه.
"لقد كان استدعاءً غير متوقع. جئت بأسرع ما يمكن، ومع ذلك وصلت متأخراً. أطلب بتواضع تفهم جلالتكم الكريم."
الدوق الأكبر، الذي حاول ربط نفسه بأوسكار تحت راية العائلة المالكة لفيلبي، تلون وجهه باللون الأحمر القاني عندما وجه أوسكار اعتذاره للملك وحده. وبدا مستعداً للانفجار كالبركان، لكن الملك—الذي سئم بالفعل من أوسكار—أوقفه. ولعدم رغبته في تحمل وجود أوسكار لفترة أطول من اللازم، سأل الملك مباشرة:
"سمعت أن هناك حادثاً غير سار وقع بينك وبين دوق بادن الأكبر ليلة أمس. سأسألك بوضوح: هل سكبت الخمر في فم الدوق الأكبر؟"
بردت تعابير الملك.
وعلى الرغم من استجوابه بشأن سكب الخمر في فم أحد أفراد عائلة فيلبي المالكة، لم تتغير ملامح أوسكار. بل اكتفى بقطب حاجبيه قليلاً، ونظر إلى الدوق الأكبر وأجاب:
"حسناً. لقد شرب الدوق الأكبر الكثير ليلة أمس، ولكن..."
"لا تنكر ذلك! لقد أمسكت بفمي وسكبت الخمر في حلقي! هذه محاولة اغتيال!"
"……."
وحتى عند سماع كلمات "محاولة اغتيال"، لم يظهر أي شرخ في ملامحه الجذابة. نظر إلى الدوق الأكبر، ثم—دون سبب واضح—خفض نظره إلى الأرض. وبعد وقفة قصيرة، رفع رأسه مجدداً.
بتلك الحركة الصغيرة، بدا وكأن الوقت نفسه قد خضع لسيطرة أوسكار.
"صاحب السمو، الدوق الأكبر."
"……."
وعندما لم يأته رد، التفت أوسكار برأسه ببطء نحوه، ثم التقت عيناه مباشرة بالعينين الغائرتين، وناداه مجدداً:
"صاحب السمو، دوق بادن الأكبر."
هذا النداء غير المستعجل، وكأن شيئاً لم يكن، أعاد إلى الذاكرة ببطء مشهد يد تنغلق بهدوء حول رقبتة. تذكر الدوق الأكبر بوضوح تلك القبضة القاسية التي أمسكت بحياته.
كان هذا قصر فيلبي، قاعة استقبال الملك. ومع ذلك، شعر بأنه مجرد من كل شيء، مسحوق، وعاجز—تماماً كما كان في الليلة السابقة.
تحدث أوسكار بنبرة ناعمة:
"محاولة اغتيال."
رمش مرة، مرتين، ثم قطب حاجبيه:
"لماذا؟"
"……."
"حتى لو فعلت ذلك، فلا بد أن هناك سبباً."
تشكلت ابتسامة ساخرة—خالية من أي مرح. وأعاد صوته المنخفض إحياء السؤال المرعب:
"بنك فيلبي. هل هناك شيء هناك؟"
لم يستطع الدوق الأكبر الكلام.
الشاهد الوحيد كانت عاهرة من "أمانت روز"، وبالكاد كانت في وعيها. لم يرَ أحد آخر الحادثة.
"لا يوجد فعل بدون سبب."
"هـ-هذا... هذا..."
عادت مخاوف الليلة الماضية تتدفق كصدمة نفسية، وأصبح تنفس الدوق الأكبر مضطرباً.
"هووه... هاه، هاه..."
شعر بالدوار، فترنح خطوة إلى الوراء. راقبه أوسكار بأعين غير مبالية. وأخيراً، لم يعد الملك قادراً على الاحتمال.
"خذوا الدوق الأكبر بعيداً فوراً!"
وعند صدور الأمر، اندفع الخدم وأمسكوا به من كلا الجانبين. الرجل الذي كان يزأر قبل قليل متوعداً بالإبلاغ عن فظائع أوسكار، حُمل الآن بعيداً، منكمشاً ومثيراً للشفقة، وبدت غطرسته السابقة مثيرة للسخرية.
ومع تلاشي صوت تنفسه المضطرب، وكأنه على وشك الموت، وأصوات خطوات الخدم، ظل أوسكار واقفاً ويداه مشبوكتان خلف ظهره ونظراته منخفضة. وعندما أُغلقت أبواب قاعة الاستقبال أخيراً، رفع رأسه والتقت عيناه بعيني الملك.
في سلسلة حركاته تلك، من وقفته إلى نظراته، لم يكن هناك أي تردد، ولا خوف؛ بل فقط شيء يشبه الملل.
ولأسباب لم يستطع تفسيرها، شعر الملك أن أوسكار قد سكب الخمر بالفعل، وما أثار قلقه هو عدم اهتمام الرجل بإخفاء الأمر.
كان هذا هو السبب في أن الملك كان يفضل تجنب مواجهته كلما أمكن ذلك.
"……."
"……."
بعد لحظة، صرف الملك الجميع، حتى الحراس تم إرسالهم بعيداً. وعندما بقي بمفرده مع أوسكار، أطلق تنهيدة طويلة. وعندما لم يسفر التفكير عن أي حل، ظلت الصراحة هي المسار الوحيد المتبقي.
"أعلم أنك تسعى لفتح إحدى خزائن بنك فيلبي. وأعلم أنك وضعت الدوق الأكبر كحاكم لهذا الغرض."
"……."
"توقف عند هذا الحد."
"……."
"مهما فعلت، فإن بنك فيلبي سيعمل وفقاً لمبادئه."



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا