الفصل (35) كفاره على تلك القسوه _ Atonement..for your cruelty,
تمتمت بشيء ما بصوت خافت، وعضت "سيو آه" على شفتها قبل أن تتحدث مجدداً.
"امم..."
تشرخ صوتها وهي تحاول الكلام، فنحنحت برفق لتصفية حلقها. وبعد أن أخذت نفساً عميقاً، خفضت رأسها قليلاً ثم رفعته مجدداً، وقد كست وجهها حمرة الخجل والارتباك.
"لقد رأيت من قبل أقلاماً تُغمس في الحبر".
علق أوسكار بنبرة جافة وخالية من التعبير: "تلك أصبحت من الأنتيكات والقطع الأثرية".
"..."
"فقط اسحبي الغطاء لفتحها".
بدا أن هذه المهمة البسيطة تشكل تحدياً بالنسبة لها؛ إذ رمشت عيناها بسرعة قبل أن تقوم بتدوير الغطاء بحذر عند المفصل، لكنه لم يتزحزح.
"عليكِ سحبه، لا تدويره".
اتبعت تعليماته على الفور، فأمسكت بالقلم بكلتا يديها وسحبت الغطاء بجهد واضح. برزت عظام يديها النحيفتين وهي تبذل طاقتها، لكن القلم ظل مغلقاً بعناد.
سألها بنبرة تحمل قليلًا من التسلية: "... ألا ينفتح؟"
ازداد وجهها حمرة وهي تجيب: "ليس الأمر كذلك... كنت قلقة فقط من أن أكسره..."
لم يستطع أوسكار كبح ضحكته عند فكرة أنها ربما لا تحتاج إلى توقيع العقد من الأساس.
"مقابل خمسة مليارات كيرت أسبوعياً، يمكنكِ رمي هذا القلم بعيداً بعد استخدام واحد فقط. اسحبيه بقوة".
ورغم كم العبث والغرابة في استخدام كلتا اليدين لمجرد فتح قلم، نجحت سيو آه أخيراً في الأمر. كان وجهها الآن متورداً بشدة، وخفضت رأسها أكثر وهي تضع سن القلم على خط التوقيع.
"هل أكتب اسمي هنا فحسب؟"
ألقى أوسكار نظرة خاطفة على يديها المحمرّتين وأومأ برأسه خفيفاً.
"نعم، الاسم نفسه الموجود في وثيقة الهوية التي قدمتِها لبنك فيلفي".
أمسكت بالقلم بيديها المتوترتين وكتبت اسمها في رموز عمودية وأنيقة. راقبها أوسكار وهو يميل برأسه قليلاً.
"إذن، يُكتب اسمكِ 'سيو آه'؟"
"نعم".
"هذه ثلاثة رموز؟"
ترددت للحظة قبل أن تشير بالقلم إلى الرمز العلوي.
"اسمي الكامل هو 'هان سيو آه'. (سيو آه) هو اسمي الشخصي، و(هان) هو اسم عائلتي".
كرر أوسكار الاسم في عقله، متذوقاً حروفه على لسانه.
*هان سيو آه.*
وعندما انتهت من التوقيع وحاولت إعادة القلم إليه، أخذ أوسكار العقد وقال لها: "احتفظي به".
وقبل أن تتمكن من نبس أي كلمة، وقف؛ إذ كانت لديه أمور أخرى يتعين عليه تسييرها. وفي الخارج، كان سايمون على الأرجح يذرع الممر جيئة وذهاباً بنفاد صبر ككلب قلق. ورغم أن صياغة عقد كهذا كان يمكن تفويضها بسهولة لرجال "الذئاب"، إلا أن أوسكار وجد نفسه مدفوعاً بفضول غريب لخوض هذه التجربة بنفسه.
بعد أن وضع العقد على المكتب، التفت ليرى المرأة واقفت هناك، وهي تحتفظ بهيئتها الوقورة والمنضبطة كعادتها.
شاحبة، صغيرة الحجم، ترتبك بسهولة، والآن باتت محمرة الوجه بالكامل.
كان هناك شيء مسلٍ في مراقبتها، أو ربما كانت مجرد العادة المتأصلة فيه جراء سنوات من البحث عن تلك الخزنة اللعينة. وأياً كان السبب، فقد تسبب الأمر في تأخيره أكثر مما خطط له.
أغلق أوسكار أزرار سترته، مثبتاً نظراته عليها وهو يفعل ذلك. ثم بخطوات واسعة وحازمة، مر من جانبها. كانت تحركاته سريعة وعملية، على النقيض تماماً من الوتيرة المسترخية التي حافظ عليها سابقاً. وما إن اقترب من الباب حتى انفتح على مصراعيه وكأن الشخص الذي في الخارج كان ينتظر وصوله بفارغ الصبر. لم يتردد أوسكار، وواصل سيره متخطياً العتبة دون توقف.
"معذرة...!"
جعلته نبرة صوت سيو آه، التي نادته فجأة، يلتفت إليها. كانت تقف هناك، والحمرة قد وصلت إلى جبينها، غير واثقة مما تفعله. رمش أوسكار بعينيه مرة، ثم مرتين، لكنه لم يكن ينوي منحها وقتاً أطول من ذلك.
وعندما همّ بمواصلة سيره، تحدثت مجدداً، وكان صوتها صغيراً ومرتجفاً:
"متى ستعود؟"
تسللت كلماتها، الهادئة والمترددة، إلى مسامعه.
توقف أوسكار في منتصف خطوته وألقى نظرة خاطفة وراءه نحوها.
"..."
لكن الأمر لم يدم سوى للحظة عابرة قبل أن يجتاز العتبة دون أن ينبس ببنت شفة. وبمجرد خروجه، تلاشت ملامحه المهذبة واللطيفة على الفور.
انحنى رجال "الذئاب" المنتظرون في الخارج باحترام، بينما أسرع سايمون إلى جانبه يهمس بنبرة عاجلة:
"لقد تأجل موعد مقابلة ملك فيلفي لمدة ثلاثين دقيقة".
مسح أوسكار شعره إلى الخلف بابتسامة ساخرة:
"سواء كانت ثلاثين دقيقة أو ثلاثمائة، كانت لدي أمور أكثر أهمية لألتفت إليها. يمكنه الانتظار".
اقترح سايمون بحذر: "قد يكون الأمر متعلقاً بقضية الدوق بادن".
ارتسمت على شفتي أوسكار ابتسامة قاسية وهو يقول: "لقد كان دمثاً بما يكفي. ما الداعي للعجلة إذن؟" وهو ما جعل سايمون يؤثر الصمت بحكمة.
فملك فيلفي، الذي كان ينتظره لنصف ساعة، كان آخر ما قد يثير قلق أوسكار.
سألها مغيراً مجرى الحديث: "ماذا عن هابيل؟"
"من المفترض أن يصل بحلول المساء".
أومأ أوسكار برأسه خفيفاً، ثم تذكر سؤال سيو آه السابق، والذي بدا له غريباً وفي غير محله.
لقد كان سؤالاً غير مألوف بالمرة؛ فما الذي يهمها في معرفة موعد عودته؟
ضيق أوسكار عينيه، لكنه سرعان ما طرد الفكرة من رأسه؛ إذ كانت لديه أمور أكثر إلحاحاً ليلتفت إليها بدلاً من التفكير في الصياغة الركيكة لامرأة أجنبية.
"عيّن شخصاً ليرافقها عندما تذهب إلى بنك فيلفي. لا تمنعها من الذهاب إلى أي مكان؛ دعها تفعل ما تشاء، وأرسل أحداً إلى الفندق ليشتري لها كل ما تحتاجه".
"أمرك، يا صاحب الفخامة".
توقف سايمون في مكانه، بينما واصل أوسكار سيره دون أن يلتفت وراءه.
*أوسكار فون راينهارت.*
تحركت نسمة هواء في أعقابه.
وخلفت خطاه رائحة خافتة تلوح في الأفق—رائحة تشبه الرماد والدخان اللذين يتبقيان بعد خمود الحريق.
وقفت سيو آه هناك، ترمش بذهول قبل أن تخفض نظراتها إلى يديها.
كان القلم أسود ولامعاً، يشبه حجر الأوبسيديان (السبج). وتزينت كلا النهايتين بلمسات ذهبية، بينما كان سن القلم يشع ببريق ذهبي ساطع.
وبهذا القلم، وقعت على ما يسمونه عقداً.
*عقد.*
استدارت سيو آه لتنظر إلى المكتب. كان العقد، الذي يحمل اسميهما مكتوبين بعناية جنباً إلى جنب، يقبع هناك وكأنه لا يمثل شيئاً مميزاً.
إن شرط العقد الذي يلزمها بالتوقيع بالاسم نفسه الموجود في وثيقة هويتها المقدمة لبنك فيلفي، يشير إلى أنهم يستعدون لمواجهة أي نزاعات محتملة مع البنك.
"سترين عندما نزور بنك فيلفي لاحقاً، أن الأمر سيستغرق ستة أشهر على الأقل لفتح الخزنة، حتى لو سارت كل الإجراءات بسلاسة. وخلال ذلك الوقت، ستكونين تحت حمايتي وتحصلين على ما يعادل قيمة قصر في المقابل. صفقة ليست سيئة، أليس كذلك؟ لاسيما عندما تضعين في الحسبان الأموال الموجودة داخل الخزنة".
بدا الكلام مغرياً، لكنه في الحقيقة كان يعني أن حريتها ستظل مقيدة ومحصورة حتى ذلك اليوم الذي تُفتح فيه الخزنة.
كانت البنود المتعلقة بوضعها تحت حمايته صريحة وقاطعة.
إذ كانت ملزمة بالإقامة في موقع يوافق عليه الماركيز راينهارت. وإذا غادرت المنطقة المعتمدة، كان يتوجب أن يرافقها أشخاص يوافق عليهم هو الآخر. وفي حالات الطوارئ، كان عليها اتباع أوامر الماركيز أو ممثليه المعينين.
ولكن لم يكن مصطلح "الحماية" معرَّفاً بشكل واضح في أي موضع من العقد. لذا، حتى لو اقتصرت هذه الحماية على إبقائها على قيد الحياة فحسب، وحتى لو عنى ذلك أن جسدها قد لا ينجو سليماً من الأذى، فلن يكون قد أخل ببنود العقد في شيء.
"..."
في الوقت الحالي، كان هذا كافياً.
زفرت نفساً لم تكن تدرك أنها تحبسه في صدرها. وشعرت بأن دفء أنفاسها يجفف شفتيها. كان قلبها يقرع بعنف، وظل ظهرها رطباً بثرى العرق.
ومع ذلك، ورغم كل شيء،
في الوقت الحالي... كان هذا كافياً.
♔♔♔
تحت نسيج جداري ضخم ومطرز بزخارف على شكل موازين—ترمز إلى الخزائن الفولاذية لبنك فيلفي—ارتفع عرش صيغ من الفولاذ الصلب. وجلس على هذا العرش الفولاذي، الذي يمثل أمان بنك فيلفي وحصانته التي لا تُخترق، الملك "هنري الرابع" ملك فيلفي، وقد قطب حاجبيه بضيق وانزعاج شديدين وهو يبقي عينيه مغلقتين.
"يا صاحب الجلالة! إن ذلك الكلب اللعين القادم من 'لوكسين' يزدرى 'فيلفي' وجلالتكم تماماً! كيف يجرؤ على التأخر عندما يستدعيه ملك فيلفي!"
كان الصوت الجهوري للدوق بادن يواصل إثارة حنق الملك وإزعاج أعصابه. لكن لم يكن الصوت المرتفع وحده هو ما يثير حفيظته.
فقبل قرن من الزمان، اجتاحت حركة الإصلاح الديني غرب قارة "نورفولك"، مؤكدة على أسلوب حياة ورع وأخلاقي. وقد ألقت هذه الموجة الإصلآحية بظلالها أيضاً على عادات وتقاليد الطبقة الأرستقراطية، حيث أصبحت الخيانة الزوجية العلنية الهدف الأول للاجتثاث والإبادة.
بالطبع، لم يعنِ هذا أن الخيانة الزوجية قد تلاشت تماماً. ومع ذلك، وعلى أقل تقدير، بات التباهي بالخيانة علناً، لاسيما الاعتراف بالأبناء غير الشرعيين، أمراً محظوراً وصارماً.
ولسوء الحظ، فإن رياح الإصلاح التي هبت على غرب نورفولك لم تصل إلى شرقها. ونتيجة لذلك، ظلت الخيانة والأبناء غير الشرعيين أمراً شائعاً ومألوفاً بين نبلاء شرق نورفولك، بل إن البعض منهم كان يضفي عليها طابعاً رومانسياً كجزء من ثقافتهم وفنونهم. وكان المثال الأبرز على ذلك هو الملك السابق.
لقد مارس الملك الراحل الخيانة علناً طوال حياته، دون أي مبالاة بالرأي العام. ورغم وجود ملكة شرعية، فقد سلم سلطة القصر بأكملها لخليته، بل واعترف علناً بطفلهما غير الشرعي، مانحاً إياه لقب دوق.
"هذا الطفل هو 'كارل فون بادن'، ذلك الرجل البائس".
نزع الملك نظارته في تذمر، وفتح عينيه أخيراً.



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا