الفصل (125) Garden of may_حديقة مايو,
## الفصل 72: مقايضة الظلال
ابتلع "بلير" أنيناً خافتاً، ثم مد ذراعيه ليحتضن أخته التي كانت تغرق في البكاء. كان نبض قلبهما الذي ينبض بنفس الوتيرة يمثل مواساة مؤلمة.
"لا تفكري في أي شيء، واستريحي يا روزالين."
إذا أغمض عينيه، لا تزال ذكريات ذلك اليوم تلوح بوضوح؛ فتاة في يوم صيفي بشعر مرفوع عالياً وفستان أبيض. وجه صغير يلتفت نحوه بابتسامة تحت شجرة وارفة، وجنتان متوردتان بحرارة الجو، قطرات عرق على عنقها، شفاه ممتلئة، ورائحة الفراولة البرية التي كانت تفوح مع كل أنفاسها. تلك كانت اللحظات الأولى التي شعر فيها أنه يجب عليه حماية تلك الفتاة.
*«بلير.»*
عند سماع هلوسة ذلك الصوت الواقعي جداً، انتفض "بلير" رافعاً رأسه. ترددت في أذنيه ضحكة صافية كأنها رنين جرس، وكأن الفتاة ستظهر من العتمة في أي لحظة. نظر إلى الفراغ بذهول، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة مريرة. إن نهاية هذه العلاقة التي تحطمت لدرجة لا يمكن معها الإصلاح تبدو مأساوية ومنهارة. مثل كومة رماد متبقية بعد حريق غابة، أو غصن شجرة عارٍ ومتجمد في شتاء قارص.
ربما لم يكن مقدراً لهما اللقاء من الأساس، فحتى في أكثر اللحظات جمالاً، كانت صداقتهم مجرد محاكاة مشوهة لصداقات الآخرين. "روزالين" كانت تتبع والدتها التي كانت تكرهها وتحبها في آن واحد، "فانيسا" كانت تفعل ذلك بسبب وحدة عميقة، أما هو...
خرجت أنفاسه المرتجفة من بين أسنانه المطبقة. لقد كانت خدعة طويلة، لأنه لم يعتبر "فانيسا" يوماً مجرد صديقة، حتى منذ تلك الطفولة الساذجة. لقد كان شعوراً دفنه عميقاً حتى عن أخته التوأم. كان يتمني بأن تصبح كل "أول مرة" للفتاة ملكاً له، وأن تكون كل "أول مرة" له ملكاً لها. لكن أحياناً، يضطر المرء للتخلي عن شيء لا يريد تركه حتى لو كان الثمن حياته، مدفوعاً بقوة لا يملك البشر مقاومتها.
سقطت دمعة على وجنتيه اللتين كانتا جافتين طوال هذا الوقت. ربما، الآن فقط، أصبح بإمكانه البكاء.
"أمر غير متوقع حقاً. ظننت أن الدوق هو من يقود تلك الفضيحة."
كان ذلك في غرفة داخل نادٍ خاص، وهو المكان الثالث الذي انتقلوا إليه لتجنب الصحفيين. حدق "ثيودور" بحدة نحو الشخص الذي أمامه. الشخص الذي ملأ المقعد الفارغ بدلاً من الشخص الموعود كانت امرأة أصبحت ملامحها مألوفة الآن. كانت حركتها وهي تسلم معطفها المبلل بالمطر للخادم طبيعية جداً.
"لن أستحوذ على وقتك طويلاً، فلديك موعد آخر بعد هذا."
"الآنسة مورتون."
تنهد الدوق بعمق. كان هذا نهاية يوم منهك؛ بين ضغوط المؤتمرات الصحفية المتتالية، ومواجهة "هايلي مورتون" الآن. مجرد النظر إليها كان يبعث على التعب.
"أعتقد أنني حذرتك بما يكفي. أنا لا أحب مثل هذه اللقاءات."
"قررت أنه لا يهم أي طريقة أستخدمها. لأنني أعلم أنك لن تحب لقائي حتى لو كنت مهذبة، لذا اخترت الطريقة التي تضمن النجاح."
حدقت المرأة فيه بحدة مع ابتسامة خفيفة. ضحك "ثيودور" بمرارة عند رؤية مكياجها البسيط غير المعتاد، وملابسها المحتشمة بشكل خانق، وتسريحة شعرها؛ فمظهر "هايلي مورتون" لم يكن سوى محاولة يائسة لتقليد "فانيسا".
"هل هددتِ مالك النادي هذه المرة أيضاً؟"
"يا إلهي، ليس تهديداً، بل تعاون. وهذه المرة، السيدة العجوز هي من ساعدتني."
لمح "ثيودور" وميض كراهية في عينيها. "لأنك رفضت مقابلتي تماماً."
"من الأفضل أن تخبري جدتي أنكِ لا تناسبين حفيدها على الإطلاق."
"هل هذا ضروري؟ بينما أنا الخيار الأفضل لك."
وضع "ثيودور" قلمه وسند جسده إلى الكرسي، بدا وكأنه يريد سماع ما ستنطق به هذه المرأة؛ فإذا تجنبها الآن، فستجد حتماً ثقباً آخر لتتسرب منه.
"أريد عرض عقد، أو بالأحرى، صفقة."
ضحك "ثيودور" بخفوت. "الصفقات لا تحدث إلا إذا كان لدى الطرفين أشياء متكافئة للتبادل. وأنا لا أرى فيكِ أي إمكانات، آنسة."
"ماذا لو كان الأمر يتعلق بالليدي فانيسا؟"
"هذا الموضوع تحديداً لا يحتاج للقلق من قبل الآنسة مورتون."
"أنت ستحتاج إلى درع."
هذه الكلمة جعلت "ثيودور" يتراجع عن قرار طردها. *درع.*
"الفضيحة قذرة جداً لامرأة غير متزوجة. إذا تُركت هكذا، لن يرغب أحد في الارتباط بها. سيتم نبذها تماماً من المجتمع الراقي."
"الفضيحة مع عامة الشعب أفضل، لكن شائعة أنها باعت جسدها مقابل المال... ستدمرها كأبشع ساحرة. كم من الناس يمكنهم النجاة من هذه العملية دون ندوب عقلية؟"
"أنتِ تبالغين."
"إذا أصبحت الليدي فانيسا دوقة قريباً، قد يتظاهر الناس بقبولها كرهاً... لكن، هل ستتحد مع عائلة سومرست؟ مع تلك العائلة؟"
رفعت "هايلي" زاوية شفتيها، كأنها حصلت على إجابتها.
"لا يوجد سبب لتحمل خسارة غير ضرورية. أنت بالتأكيد قمت بالحسابات."
"هناك طريقة واحدة فقط لاستعادة شرف الليدي فانيسا: إعلان الخطوبة. وسيكون أفضل لو ظهرنا كزوجين متحابين جداً."
"هل أبدو كشخص سيتزوج فقط لحماية شرف تلك المرأة؟"
"إذا كنت صادقاً بما يكفي لتعطيها 'دموع حورية البحر'، فأنت تفعل."
"ولماذا أنتِ، وليس امرأة أخرى؟"
"عليك أن تختارني."
لم تظهر يدها أي تردد وهي تسحب كأس البراندي نحوها.
"لأنني لن أهتم بمن تتخذ كعشيقة."
"هل لأنكِ تحبين إدغار؟"
توقفت شفتا "هايلي" عن الحركة لحظة. وجهها الشاحب وهو ينظر إليه بدا كوجهها الحقيقي، بعيداً عن تقمص شخصية "فانيسا". انخفضت نظراتها، ولأول مرة منذ عرفها، فقدت هدوءها.
"الحب عاطفة مترفة. أنا أطمح للوصول لمنصب أعلى. وأريد أن تكون قيمتي أبدية."
"سمعت أنك عاقر."
رفع "ثيودور" كأسه ببرود. كانت تلك الشائعة التي نشرها بنفسه، ليتخلص من مطالبات السيدة العجوز بالزواج، وليهرب من التحالفات الملكية، وليكون لديه سبب مقنع لقطع خط نسل "بارتنبرغ" الذي ورثه عن والديه الوحوش. ويبدو أن القدر وضع أمامه الآن الوسيلة المثالية لقطع هذا النسل بشكل قانوني وسري.
"طفل واحد فقط سأحمله في رحمي لاحقاً. هذا كل ما عليك تحمله. وبما أنني ابنة عم إدغار، فلن يتغير خط الدم."
كان حساباً دقيقاً جعل "ثيودور" يرغب في الضحك.
"بعد ذلك، لن أتدخل في شؤونك أبداً. سأعيش في الفيلا وأكون دوقة بالاسم فقط. سأخفي عشيقتك المحبوبة عن أعين المجتمع القاسية... سأفعل أي شيء، بشرط أن ترث ابني (ابن إدغار) لقب بارتنبرغ."
نظرت إليه بحدة مجدداً. "وهذا سيكون الدرع الأكثر استقراراً لحماية الليدي فانيسا طوال حياتها."
مع اقتراب نهاية الصيف، ازداد الحر قسوة. وفي تلك الظهيرة القائظة، كانت "فانيسا" تحتسي عصير التفاح المثلج، واضعة خدها على الطاولة الخشبية في حديقة "غلوسيستر".
"سأعود قريباً."
كان ذلك صوت "ريفير روس". لم تسمعه منذ فترة طويلة، وفي تلك اللحظة فقط، شعرت بقلبها ينبض، وبأنفاسها تتدفق، وبأن نسيم الصيف الرطب أصبح له معنى. تلك الكلمات، لسبب ما، كانت تعني لها الكثير.
تعليقي
شكرا على جهودك بس فانيسا بتكفيه و اكثر 😕



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا