الفصل (93) Garden of may_حديقة مايو,

 

### الفصل 93: تحت نظراته


كانت نظرات "ريفر" المركزة تشبه المعدن المنصهر. لم تكن حدة النظرة بحد ذاتها ما يوتر "فانيسا"، بل شعورها بأنها مُراقبة بدقة، وصولًا إلى أصغر حركة في جسدها. كان تشعر بحرارة تسري في جلدها أينما وقعت عيناه؛ فقد تتبع بصرُه خط أنفها، وشفتيها، ومنحنى فكها الناعم، ثم ارتفع إلى جبينها، قبل أن ينخفض إلى تفاصيل اخرى مكشوفه .

بلعت "فانيسا" ريقها. أرادت أن تكسر هذا الصمت المشحون، لكن بمجرد أن التقت عيناها بعينيه الزرقاوين، وكأنه يراها من خلال الورقة التي يرسم عليها، توقف نفسها. بدا الأمر كأنه حلم؛ دفء المدفأة الخافت، ذرات الغبار المتراقصة في الهواء، صوت احتكاك الفحم بالورق، و"ريفر" بأكمام قميصه المشمرة، وحركة ذراعيه ويديه القويتين.

في كل مرة كانت تميل فيها رأسها، كان الضوء يتغير، ليرسم ظلالًا ناعمة على وجهه المنحوت. أخذت نفسًا مضطربًا، وفجأة ابتسم "ريفر" وقال:

"استرخي."

قالت بخجل: "هل الأمر واضح إلى هذا الحد؟"

رد: "فقط استمري في الحديث."

سألت: "الحديث؟ عن ماذا؟"

قال: "عن أي شيء."

رمشت بعينيها، غير عارفة من أين تبدأ. حينها، بادر "ريفر" بفتح موضوع لتشجيعها:

"بعض البحارة يؤمنون بوجود الحوريات (السيرين)."

قالت: "أوه، سمعت بذلك. خاصة صيادي الشمال، فهم يؤمنون حقًا بوجود تلك الوحوش. يقولون إنها تظهر بكثرة عندما يبدأ الشتاء بالتحول إلى ربيع."

لطالما تواردت قصص الحوريات عبر الأجيال، لكن "فانيسا" لم تكن تصدق قصص والدتها تمامًا. كانت تعتبرها مجرد خرافات، وتعتقد أن حطام السفن الذي يحدث في ذلك الوقت من العام سببه اصطدام السفن بقطع الجليد الذائب أو الشعاب المرجانية الخفية وسط الضباب.

قالت: "تلك القصص ربما مجرد وسيلة لتخويف البحارة، فالسفن تغرق بكثرة في ذلك الوقت من السنة."

رد "ريفر": "نعم، يقولون إن الحوريات تستدرج البحارة إلى حتفهم، وتجرهم إلى أعشاشها، وتستخدم أجسادهم لتكاثر المزيد من الوحوش."

ضحكت وقالت: "تتغذى على اللحم والدم البشري.. يعتقد البعض أنها استعارة أدبية عن  التزاوج."

قال "ريفر": "معظم البحارة يؤمنون بذلك حرفيًا. يقولون إن من تفتنه الحوريات لا يدرك ذلك إلا عندما تصبح شفتا الوحش على شفتيه."

سألته "فانيسا": "ريفر، هل تؤمن أنت بوجودها؟"

أجاب: "لا أؤمن بأي شيء لم تره عيناي. وحاولي ألا تبتسمي كثيرًا يا فانيسا."

قالت: "حسنًا."

حاولت أن تضبط تعابير وجهها، وتلاشت تسليتها وهي تدرك سبب عدم إيمانه بالخوارق؛ كان سببًا منطقيًا جدًا يليق بشخصيته. احمرت وجنتاها، وأجبرت نفسها على مبادلته النظرات. كانت تحب مراقبته وهو منغمس في عمله؛ أصابعه القوية تلطخ الفحم، ويده تتحرك بدقة وسرعة، ووجهه الأنيق يعلوه حمرة خفيفة بسبب التركيز.

في بعض الأحيان، كانت هذه اللحظات الهادئة كافية. لم تكن بحاجة لفعل شيء، فمجرد التواجد في نفس المكان ومشاركة نفس الوقت كان يملأها بالرضا. أخيرًا، رفع "ريفر" نظره وقال:

"انتهيت، انظري."

قالت بدهشة: "هل انتهيت بالفعل؟"

نهضت "فانيسا" من السرير واقتربت منه. أرجعت خصلة من شعرها خلف أذنها وأخذت الورقة. شهقت عندما رأت الرسم.

لقد كانت امرأة تستند بجسدها على صخرة مبللة بالأمواج. عيناها الموجهتان نحو نقطة بعيدة بدتا بريئتين وواضحتين، لكن أظافرها التي كانت تغرسها في الصخر كانت حادة كالنصال. غطت الحراشف الجزء السفلي من جسدها، وتحت سطح الماء، كان ذيلها يلوح طويلًا وشفافًا كذيل سمكة، لا كبشر، تمامًا كحوريات الأساطير.

قالت بإعجاب: "أنا أحبها.."

ظلت "فانيسا" تحدق في الرسم بذهول. كان الوجه يشبه وجهها، لكن ليس تمامًا. بدت المخلوقة في الرسم لطيفة وشرسة في آن واحد، بريئة وأنيقة. كانت واثقة من أنها لو فتحت تلك الشفاه المطبقة، ستظهر أسنان حادة.

ابتسم "ريفر" وقال: "أنا سعيد لأنها أعجبتكِ."

Sweetnoveltime 

تعليقات

المشاركات الشائعة