الفصل (92) ولدت من جديد: هوس الدوق,
كانت كاتدرائية القديس بطرس العظيمة صامتة، والهواء ثقيل برائحة ألف زنبقة بيضاء والحجر القديم المقدس. تسللت أشعة الشمس، متكسرة إلى قوس قزح من الألوان، عبر النوافذ الزجاجية الملونة الرائعة، لتصبغ وجوه النبلاء المتجمعين بألوان تشبه الجواهر. كانت المقاعد ممتلئة بأقوى الناس وأكثرهم نفوذاً في مملكة ألبيون بأكملها، وجميعهم ينتظرون بترقب صامت.
وقف الكاهن أمام المذبح الكبير، وصوته يتردد في الفضاء الفسيح المقبب: "أيها الأحباء، لقد اجتمعنا هنا اليوم في حضرة الله وأمام هذا الجمع، لنضم هذا الرجل وهذه المرأة معاً في رباط الزواج المقدس..."
وقفت "ديليا" بجانب "إريك"، وكانت يدها تستقر بخفة على ذراعه. بالنسبة للعالم، كانت صورة للعروس الخجولة والسعيدة. كانت ابتسامتها هادئة، ووقفتها مثالية، وعيناها اللتان تظهران من خلف طرحتها الرقيقة والشفافة، بدتا وكأنهما تشعان بالفرح. لكن في داخلها، كان قلبها حجراً بارداً وصلباً من التصميم.
تحدث الكاهن بكلمات ثابتة، لكن ديليا بالكاد سمعته. كان تركيزها منصباً على اللحظة القادمة، العهود التي ستختم مصيرها وتمنحها القوة التي كانت تحتاجها بشدة.
أخيراً، التفت الكاهن إلى إريك: "هل تقبل هذه المرأة زوجةً لك، لتعيشا معاً وفقاً لشريعة الله في رباط الزواج المقدس؟ هل ستحبها، وتواسيها، وتكرمها، وتعتني بها في المرض وفي الصحة؛ وتاركاً كل الأخريات، تكتفي بها وحدها، ما دمتما على قيد الحياة؟"
التفت إريك ليواجه ديليا. لم ينظر إلى الكاهن، ولا إلى الحضور، بل مباشرة في عينيها. كانت نظراته مليئة بعمق وحنان لا يتزعزع لدرجة أنه جعلها تكاد تنسى الهدف البارد في قلبها.
"أقبل،" قالها بصوت واضح وقوي، يضج بصدق عميق يتجاوز مجرد وعد بسيط. ثم بدأ عهده الخاص، بكلمات كانت تعهداً شخصياً نابعاً من القلب: "أنا، إريك كارسون، أتخذكِ يا ديليا، زوجةً لي." وأمسك يدها برفق في يده. "لأمتلككِ وأحفظكِ، من هذا اليوم فصاعداً، في السراء والضراء، في الغنى والفقر، في المرض وفي الصحة. سأكون درعكِ عندما تحتاجين إلى الحماية، وشريككِ عندما تحتاجين إلى حليف، ومنزلكِ عندما تحتاجين إلى مكان آمن للراحة. أقسم أن أحبكِ وأعتز بكِ، حتى يفرقنا الموت."
ثم التفت الكاهن إلى ديليا: "هل تقبلين هذا الرجل زوجاً لكِ؟"
أخذت ديليا نفساً صغيراً وعميقاً لتستعيد توازنها. كانت هذه لحظتها. وجهت نظراتها نحو إريك، بابتسامة مثالية ومحبة على وجهها: "أقبل،" أجابت بصوت واضح وعذب كجرس فضي. وكررت عهودها الخاصة، بكلمات كانت تلاوة لا تشوبها شائبة لتكريس الزوجة ووعدها.
تبادلا الخواتم. وضع إريك خاتماً ذهبياً بسيطاً على إصبعها، رمزاً لقوته وثباته. وبدورها، وضعت خاتماً أكثر زخرفة، يحمل شعار عائلة كارسون، على إصبعه. كان المعدن بارداً على بشرته.
رفع الكاهن يديه فوق أيديهما المشبوكتين: "من جمعهما الله، لا يفرق بينهما إنسان." ابتسم وقال: "أعلنكما الآن زوجاً وزوجة."
ظلت الكاتدرائية صامتة بينما قام إريك، وعيناه لا تزالان مثبتتين عليها، برفع طرحتها برفق. للحظة، ظل ينظر إليها فقط، وتعبيرات وجهه مليئة بحب خام وحقيقي لدرجة أنه كان يحبس الأنفاس. ثم انحنى وقبلها، في لمسة حانية لشفاهها ختمت عهودهما.
التفَّا نحو الحضور، وانفجرت الكاتدرائية الصامتة بتصفيق مدوٍ من التهنئة. كانت ابتسامة ديليا مشرقة. بدت كأكثر عروس سعادة في العالم. ومن المقعد الأمامي، رأت الدوقة "ليرا" تبتسم لهما، وعيناها تلمعان بفرح نقي لا تشوبه شائبة.
بينما كانا ينزلان من المذبح، متشابكي الأيدي، مستعدين للمشي في الممر كزوج وزوجة، اعترضت طريقهما "أوغستا". كانت تلوح بمروحتها بشكل درامي، كما لو كانت في حالة حداد، وكان وجهها مرتباً بقناع من التعاطف المثالي والحزين.
"أوه، ديليا، عزيزتي،" قالت أوغستا بصوت عالٍ بما يكفي ليسمع من حولها. "يجب أن تكوني محبطة للغاية لأن والدكِ العزيز لم يستطع الحضور اليوم. لقد ساءت صحته هذا الصباح،" تظاهرت بذلك.
ابتسمت ديليا بلطف لزوجة أبيها، مؤدية دورها في هذه المسرحية العامة: "لا بأس، أيتها البارونة،" قالت بصوت مليء بالقلق اللطيف الذي تكنه الابنة لأبيها. "صحته هي الأهم. لا شيء يدعو للقلق."
ثم فعلت ديليا شيئاً فاجأ الجميع. انحنت وعانقت أوغستا عناقاً دافئاً ومحباً. وبينما كانت ذراعاها تلتفان حول جسد زوجة أبيها المتصلب والرافض، قربت شفتيها من أذن أوغستا.
"أعرف أنكِ منعتِهِ من المجيء،" همست بصوت منخفض، كفحيح سام لم يسمعه أحد غيرها.
ثم أنهت العناق، وابتسامتها الحلوة الموجهة للجمهور لا تزال في مكانها تماماً. ومع ذلك، لم تستطع أوغستا إخفاء وميض الصدمة والخوف في عينيها. أطلقت ابتسامة زائفة ومتسرعة، وكان وجهها شاحباً فجأة.
نظرت إليها ديليا، إلى المرأة التي عذبتها طوال حياتها، وشعرت برعشة باردة ومُرضية من القوة. "هذا صحيح، أيتها البارونة،" فكرت في نفسها. "اغضبي. خافي." أمسكت يد إريك الممدودة، وتحولت ابتسامتها إلى ابتسامة حقيقية للمرة الأولى ذلك اليوم: "لأن الغضب والخوف اللذين تشعرين بهما الآن لا يقتربان حتى مما شعرتُ به. ولا يقارنان بما سأفعله بكِ."
ابتسمت ببراعة أمام الجميع، وبدت كصورة لعروس سعيدة للغاية. وبينما بدأت هي وإريك مسيرتهما المنتصرة في الممر الطويل، ألقت نظرة أخيرة على أوغستا، وأظهرت لها وميضاً حاداً وسريعاً من أسنانها. لم تكن ابتسامة، بل كان كشفاً عن أنيابها، وعداً صامتاً.
"سأدمركِ. سأدمركم جميعاً، تماماً."



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا