الفصل (90) ولدت من جديد: هوس الدوق,

 


لقد حان اليوم أخيراً. اليوم الذي كان يُهمس به في كل صالون، ويُكتب عنه في كل منشورات النميمة، والذي انتظرته جميع الأطراف بمزيج من الإثارة والرهبة. اليوم الذي أصبح فيه "كارسون" و"إلينغتون" كياناً واحداً؛ حفل زفاف إريك وديليا.

بدأ الصباح باستعدادات منفصلة، لكنها متساوية في التركيز. في مقر إقامة الدوق الخاص، نزلت الخادمات اللواتي أرسلتهما "آمبر" المتحمسة جداً على غرفة "ديليا". قمن بإعداد حمام دافئ وعطري، وصففن شعرها في كعكة منخفضة أنيقة مزينة بلآلئ صغيرة، وساعدنها على ارتداء فستان الزفاف الرائع الذي بدا وكأنه نُسج من ضوء القمر والثلج.

في هذه الأثناء، وفي الممر المقابل في غرفة "إريك"، كان "آيدن" يساعده على الاستعداد. وقف الدوق برباطة جأش وصمت بينما كان مساعده يجري اللمسات الأخيرة على زيه الرسمي. لم تكن بدلة بسيطة، بل كانت زياً يعبر عن رتبته العالية ونسبه النبيل. ارتدى سترة سوداء أنيقة، مفصلة ببراعة، تتلألأ بأزرار فضية مصقولة وتطريز ذهبي معقد على الياقة والأكمام. غطت كتافات فضية ثقيلة، مزينة بسلاسل رقيقة، كتفيه العريضين. وقطع وشاح رمادي فحمي عريض صدره بشكل قطري، ومُثبّت بمشبك فضي يحمل شعار عائلة "كارسون". وفي الأسفل، ارتدى بنطالاً أبيض مكويّاً ببراعة، مدسوساً في حذاء جلدي أسود شديد اللمعان يعكس ما حوله كالمرايا. كان شعره الداكن مصففاً بعناية إلى الخلف بعيداً عن جبهته. بدا في كامل هيئته كدوق نبيل وقوي، لكن أفكاره لم تكن تتعلق بمظهره، بل كانت مع "ديليا". ظل يفكر في الليلة التي بكت فيها حتى نامت، وتساءل كيف تشعر الآن في هذا اليوم المهيب.

بعد أن انتهى العروسان من ارتداء ملابسهما، استقل كل منهما عربة منفصلة للتوجه إلى مكان الحفل: كاتدرائية القديس بطرس الكبرى.

كان الوقت قد اقترب من بدء مراسم الزفاف، وكانت المساحة الواسعة والمهيبة للكاتدرائية قد امتلأت بالفعل بأعلى طبقات الأرستقراطية في مجتمع "ألبيون".

وقفت عائلة "كارسون" -الدوقة الأم "إيلينا"، والدوقة "ليرا"، و"آمبر" المشرقة- بالقرب من المدخل، يرحبون بضيوفهم القادمين من كل مكان بنعمة وتوازن يليقان بمكانتهم.

"مبارك عليكما هذا اليوم الرائع يا صاحب السعادة"، قال أحد الضيوف بابتسامة عريضة.

ردت "ليرا" بابتسامة: "شكراً جزيلاً لقدومكم".

وقالت "إيلينا" لسفير إحدى الممالك المجاورة: "شكراً لتشريفكم دعوتنا".

ورددت "آمبر" لسيدات المجتمع: "أنا سعيدة جداً لأنكم استطعتم المجيء".

كانت التحيات المهذبة والمبهجة تتدفق بلا نهاية. لكن في غرفة انتظار صغيرة وخاصة بجانب الكنيسة الرئيسية، كان الجو بعيداً كل البعد عن البهجة. جلست "ديليا" وحدها أمام مرآة كبيرة مذهبة. كانت تبدو جميلة؛ فالفستان كان تحفة فنية، وشعرها كان مثالياً، والطرحة الشفافة جعلت ملامحها تبدو كأنها رؤية أثيرية. لكن تعبير وجهها كان حزيناً، وعيناها الزرقاوان تحملان حزناً عميقاً وفارغاً. لم يكن هذا هو الزفاف الذي حلمت به وهي طفلة صغيرة. جلست هناك وحدها تنتظر والدها ليأتي ويواسيها، ليخبرها أن كل شيء على ما يرام، ليسير معها في الممر ويسلمها لعائلة "كارسون".

لكن والدها لم يأتِ. لم يظهر. ومع ذلك، لم تكن متفاجئة؛ فقد كانت تعلم أن شيئاً كهذا قد يحدث. فكرت في نفسها: "لا بد أن البارونة فعلت شيئاً لمنعه من المجيء".

انفتح الباب دون طرق، ودخلت البارونة "أوغستا" إلى الغرفة، مرتدية أفضل ما لديها، فستاناً باللون الأخضر الزمردي العميق صُمم لجذب الانتباه. حدقت في انعكاس "ديليا" في المرآة ثم فيها، بينما التوت شفتاها في سخرية قاسية.

قالت "أوغستا" وصوتها كهمس مسموم: "انظري إلى نفسك، متزينة مثل سيدة حقيقية". اقتربت أكثر، ورمقت "ديليا" باحتقار: "لكن هذا لا يغير من أين أتيتِ. ولا يغير حقيقتك".

نظرت "ديليا" إلى زوجة أبيها، وكان وجهها قناعاً من الكراهية الباردة والصامتة.

تابعت "أوغستا"، مستمتعة بالألم الذي كانت تسببه: "أفترض أنك تتساءلين أين والدك. هنري لم يستطع الحضور اليوم، فهو ليس على ما يرام. وجدك العزيز، هو أيضاً يشعر بثقل سنه. لم تتوقعي حقاً أن يسير أي منهما معك في الممر، أليس كذلك؟". أطلقت ضحكة قصيرة وقبيحة: "أنتِ مجرد طفلة غير شرعية يا ديليا. غلطة ارتكبها والدك. لن تكوني أبداً جزءاً كاملاً من عائلتنا، ولن تكوني أبداً جزءاً كاملاً من عائلتهم. لن يرغب بكِ أحد على الإطلاق".

اقتربت أكثر، وخفضت صوتها إلى همس: "على أية حال، تهانينا على زواجك. إذا كنتِ تعتقدين أن هذا سيجعلك سعيدة، فامضي قدماً. حاولي أن تكوني سعيدة".

رمقت "ديليا" بابتسامة أخيرة قاسية، ونظرت في المرآة، ثم استدارت لتغادر وقد أنجزت مهمتها.

كلمات "أوغستا" البغيضة، التي كان كل منها سهماً مصوباً بدقة، أصابت هدفها. سنوات الإساءة، وعمر كامل من الشعور بعدم القيمة، والألم المتجدد للأسرار التي عرفتها مؤخراً، كل ذلك اندمج في لحظة واحدة عمياء من الغضب الخالص وغير المكبوت. تبخر حزن "ديليا" وحل محله كراهية شديدة لدرجة أنها جعلتها ترتجف.

وقفت "ديليا" بحركات سريعة وحادة. وقعت عيناها على تمثال خزفي ثقيل لراعية غنم كان موضوعاً على الطاولة الجانبية. وبدون تفكير، وبدون تردد، التقطته. كان الخزف البارد والناعم يبدو ثقيلاً وصلباً في يدها. كانت تنوي استخدامه كسلاح. رفعت ذراعها، وكان كل قصدها أن تحطم التمثال على ظهر "أوغستا" المغادرة، لتجعلها أخيراً... أخيراً تدفع ثمن حياة كاملة من القسوة. لتقتلها.

ولكن في اللحظة التي وصلت فيها ذراعها إلى قمة أرجحتها، انطبقت يد قوية حول معصمها، فأوقفتها. لم تكن القبضة قاسية، لكنها كانت قوية ولا تلين أبداً؛ كانت أمراً صامتاً وقوياً يهدف إلى إيقاف أياً كان ما تفكر فيه.

تعليقات

المشاركات الشائعة