الفصل (103) DeceivedYet Drawn to You,
**
رفع إدموند بلير برفق وهي تجلس بجانبه، ونهض بها. ابتلعت بلير ريقها بتوتر وفتحت ذراعيها لتمسك بعنقه. مشى بخطوات ثابتة نحو الفراش ووضعها بلطف فوق الأغطية الناعمة. وتلك اليد القوية التي كادت تخنق روفوس قبل قليل، راحت تمسح على خدها بنعومة فائقة، وكأنه يتعامل مع دمية زجاجية رقيقة تخاف عليها من الكسر. كانت نفس اليد، لكنها في هذه اللحظة بدت وكأنها تخص شخصاً آخر تماماً.
*لماذا؟ لماذا يتعامل معي بكل هذا الحنان؟*
سرعان ما ابتعد إدموند ليتنفس الهدوء، فأطفأ كل أضواء الغرفة وعاد إلى الفراش. ومع اقتراب جسده الضخم، انتشرت رائحة الصابون المنعشة في الأرجاء. فتحت بلير عينيها في الظلام وهي تشعر بذراعه تجذبها برفق نحو صدره ليحتويها في حضنه.
لكنها، رغم كل شيء، لم تكن قادرة على معرفة الحقيقة؛ هل هذا الدفء نابع من حب حقيقي لها، أم أنه مجرد رغبة في استغلال وجودها لخدمة مصالحه؟
كان الشك مؤلماً ومثقلاً لقلبها. فرغم أن إدموند هو الرجل الذي تحبه، ورغم شعورها بالراحة والأمان بين ذراعيه، إلا أن بذور الشك التي زرعت في داخلها لم تتركها ترتاح ولو للحظة واحدة.
ولأي شخص يراقبهم من بعيد، كانت بلير تنال اهتماماً ورعاية فائقة لا تترك مجالاً للشك، ومع ذلك كانت تتساءل عن صدق نواياه. لهذا السبب، وحتى وهي تنام في حضنه، لم تكن قادرة على تسليم قلبها له بالكامل.
وبعد أن استعادت توازن أنفاسها، تحدثت بلير دون تفكير: "إد، هل تتذكر؟"
لم يجبها بكلمات، بل حرك يده برقة فوق ثيابها المنزلي ووضعها فوق بطنها بهدوء، وكأنها إشارة صامتة لتكمل حديثها.
تابعت بلير: "لقد قلت لي سابقاً إنه ليس لديك أي نية للحصول على وريث على الإطلاق."
أجاب: "لقد قلت ذلك فعلاً."
سألته بوجل: "وهذا التفكير... ألم يتغير بعد؟"
لم تأتِ الإجابة على الفور، وظلت يده مستقرة في مكانها تمنحها شعوراً غريباً.
ثم قال إدموند بهدوء وثقة، رغم أنه شعر بكل المخاوف والأسئلة الكامنة وراء سؤالها: "بلا، لقد تغير."
تصلب جسدها وسألته: "...هل أصبحت تريد طفلاً الآن؟"
رد بسؤال مضاد: "وماذا عنكِ أنتِ؟"
استقرت يده الدافئة تماماً فوق بطنها. أدارت بلير رأسها ببطء لتنظر إلى الرجل الذي يحتضنها، لكن عينيها اللتين لم تعتادا على الظلام بعد عجزتا عن قراءة تعابير وجهه بوضوح.
قالت بتردد وهي تفتح شفتيها: "أنا... لطالما تمنيت أن أحصل على طفل يكون ثمرة للحب الصادق."
لقد نشأت بلير في بيئة صارمة تُعلمها أن الانجراف وراء العواطف الشخصية أمر غير لائق، وطوال حياتها كانت ترى أن والدتها التي هربت بحثاً عن الحب شخص لا يمكن فهمه أو التماس العذر له.
لقد عاهدت نفسها ألا تعيش أبداً مثل والدتها، وكانت تكره تلك المرأة التي رمت بكل شيء خلف ظهرها وأعماها الحب عن عواقب أفعالها.
*كم يمكن أن يكون الحب عظيماً لدرجة تجعل الشخص يفقد عقله تماماً ويسير في طريق لا عودة منه؟*
وكلما جلست بمفردها، كانت تلك الأفكار تحاصرها؛ فقد كانت تخاف من الحب الذي يقيد النوايا ويدفع الأشخاص نحو حافة الهاوية. لكن مع مرور الوقت، تسلل الفضول إلى قلبها، وبدأت رغبة خفية تنمو في أعماقها لاكتشاف هذا الشعور.
يبدو أن دماء المرأة التي تخلت عن كل شيء من أجل الحب كانت تجري في عروقها هي الأخرى، وكأنها الورثة السرية التي تلقتها من والدتها دون رغبة منها.
ومع ذلك، لم تنسَ للحظة واحدة أنها كانت الضحية التي تم التخلي عنها لمجرد أن الآخرين لحقوا بالحب.
لذلك، كانت بلير تريد إثبات الحب بطريقة مختلفة تماماً؛ دون التسبب في أذى لأحد، ودون تدمير حياة أي شخص، بل بطريقة تربط حياتين معاً بشكل وثيق ومستقر.
تابعت بلير بصدق: "وأنا أرى... أن الطفل هو الرابط الحقيقي الذي يثبت وجود هذا الحب."
كانت هذه الفكرة بمثابة أمنية خفية كتمتها في صدرها طويلاً ولم تقو على البوح بها لأي شخص من قبل.
استمع إدموند إليها في صمت، ثم اقترب ليطبع قبلة دافئة على جبينها، ومزج دفء حضنه بنبرة صوته الهادئة قائلاً: "وأنا أشعر بنفس الطريقة تماماً."
"..."
وتابع بهمس وهو يرفع الغطاء ليغطيها جيداً: "لا بد أنكِ مرهقة ومستنزفة جراء أحداث اليوم، نامي الآن وارتاحي."
استسلمت بلير لحضنه العريض وأغلقت عينيها ببطء، متمنية في أعماقها أن تكون قلوبهما متطابقة وصادقة بالفعل. ولأنها لم تكن متأكدة ويقينة من الأمر، استغرقت وقتاً طويلاً قبل أن تتمكن من النوم في تلك الليلة الطويلة.
في صباح اليوم التالي، دوت أصوات خطوات قوية وواضحة فوق الأرضية الرخامية الفخمة للممر. كانت خطوات منتظمة ومحددة، تشبه حركة آلة تسير في طريق مرسوم لها دون أي تردد.
كان إدموند يرتدي ملابسه الرسمية بكامل أناقتها ودون أي عيب، متوجهاً نحو غرفة الاستقبال الكبرى المخصصة لرئيس العائلة لاستقبال الضيوف، وكان غارقاً في تفكير عميق طوال الطريق.
*’لقد قلتِ لي سابقاً إنه ليس لديك أي نية للحصول على وريث على الإطلاق.’*
لم يكن إدموند عاجزاً عن فهم النوايا والشكوك الكامنة وراء سؤال بلير ليلة أمس.
*’وهذا التفكير... ألم يتغير بعد؟’*
لقد رأى في عينيها وهي تنظر إليه مزيجاً مربكاً من الأمل، والقلق، والخوف الباهت. كانت بلير عاجزة عن الوثوق بالرجل الذي اعترف لها بحبه في العاصمة.
أطلق إدموند تنهيدة خفيفة وسخر في نفسه: "...هه."
كان شكها في محله تماماً؛ فبعد أن ظهرت شروط الوصية اللعينة والتي تنص على أنه لا يمكنه الحصول على لقب الدوق بشكل رسمي وقانوني إلا إذا أنجب وريثاً، كيف يمكن لبلير أن تصدق كلماته العاطفية ببساطة وتعتبرها حباً خالصاً؟
إن الثقة، والإيمان، والحب... كلها أشياء هشة وتتحطم بسهولة في هذا العالم.
كان يتفق مع كلام بلير بأن علاقتهما واستقرارهما كان يجب أن يُحسما قبل أن تنكشف تفاصيل الوصية، لكن الماضي لا يمكن تغييره أو إعادته، وإدموند لم يكن من الرجال الذين يلتفتون للخلف أو يندمون على ما حدث؛ فالندم في نظره شعور غير مفيد ولا يفعل شيئاً سوى تشويش العقل وحجب الرؤية العقلانية.
*’وأنا أرى أن الطفل هو الرابط الحقيقي الذي يثبت وجود هذا الحب.’*
الطفل... كانت هذه الكلمة تبدو غريبة وغير مألوفة تماماً لإدموند. وفي الحقيقة، لم يتغير تفكيره الشخصي حول هذا الأمر على الإطلاق.
فهو لم يكن مهتماً بيوم من الأيام بمسألة استمرار السلالة أو الحفاظ على النسب والدم النبيل، ولم تكن هذه الأفكار التقليدية تشغل باله ولو للحظة واحدة.
ومع ذلك، خطرت في عقله فكرة واحتمالية جديدة.
إن مجرد التفكير في أن بلير قد تحمل طفلاً منه أحدث فجوة وتغييراً في عقله الصارم والمغلق.
وبالتفكير في الأمر، فإن وجود طفل سيكون الرابط الأقوى على الإطلاق الذي يمكنه تقييد امرأة وإبقاؤها بجانبه إلى الأبد.
الحديث عن الحب وثماره ليس سوى تعبيرات عاطفية تنبع من قلب جائع للأمان، لكن الرابط الذي يصنعه الدم مختلف تماماً؛ وحتى لو أراد المرء قطعه بالقوة، فلن يتمكن من ذلك. هذا هو الدم.. الشيء الذي يمكنه ربطها به إلى الأبد.
في تلك اللحظة، فهم إدموند تماماً ما تقصده بلير بـ "ثمرة الحب"، وقرر أن إخبارها برغبته في الحصول على طفل سيكون أكثر تأثيراً وفائدة من أي اعتراف عاطفي آخر.
*’وأنا أشعر بنفس الطريقة تماماً.’*
لذلك، كانت تلك الكلمات التي قالها لها ليلة أمس صادقة تماماً في هدفه، ودون أي ذرة كذب؛ وبما أنه يقف أمام امرأة قد تكون حاملاً بطفله بالفعل، كيف يمكنه أن يخبره بأنه لا يريد وريثاً؟
وصل إدموند إلى باب غرفة الاستقبال، وتوقف لبرهة قصيرة قبل أن يمد يده ويدفع الباب مفتوحاً. وما إن دلف إلى الداخل، حتى التفتت إيزابيل الواقفة عند النافذة لتنظر إليه، ورفعت حاجبيها بحدة، مظهرة وجهاً مشحوناً بالسم والغل.
قال إدموند ببرود تآم: "إننا نلتقي كثيراً هذه الأيام يا أمي."
ردت إيزابيل بنبرة حادة: "أنت لست سوى بذرة من الشؤم والمصائب."
وفجأة، تحولت الأجواء الدافئة لغرفة الاستقبال المضاءة بنور الصباح إلى برودة جليدية.
تابعت إيزابيل: "في كل مرة أراك فيها، تنتشر المصائب والمشاكل في هذا القصر بالكامل."
وبالنظر إلى الطريقة القاسية التي ألقت بها كلماتها كأنها لعنة دون أي مقدمات، كان من الواضح أنها اهتزت بشدة مما حدث ل روفوس ليلة أمس. أطلق إدموند ضحكة ساخرة وقصيرة وخفض نظراته.
وسألها بجفاء: "كنت أظن أنكِ استدعيتِ روفوس أيضاً للحضور."
ردت وهي تضع ذراعيها أمام صدرها لحماية نفسها: "...ذلك الطفل لا يشعر بأنه بخير اليوم. وإذا كان الأمر يتعلق بشؤون العائلة والمستقبل، فيكفي أن تخبرني أنا بها."
وتابعت: "إذا كان لديك ما تقوله، فقله واختصر الأمر؛ فأنا لا أملك الوقت أو المزاج للجلوس وشرب الشاي معك."
عقب إدموند: "إذاً، لن أضيع الوقت."
وبما أنها تكره تضييع الوقت، فلا داعي للمجاملات الرسمية. تابع إدموند حديثه وهو واقف في مكانه، دون أن يلتفت حتى إلى المشروبات والضيافة التي بدأت تبرد على الطاولة.
وقال: "إن إرسال ابنكِ ليتزوج من مملكة (رورشاخ) ليس قراراً عادياً يمكن لأي عائلة نبيلة اتخاذه. ولقد نظر جلالة الملك إلى نوايا خطتنا بعناية، بل وأرسل هدايا قيمة كعلامة على الثناء والتقدير لعائلتنا."
سألته بنبرة ضيقة: "...وماذا بعد؟"
أوضح إدموند بابتسامة مهذبة وماكرة: "الهدايا عبارة عن سيف فخري ممنوح تقديراً لعائلة (ليبرت)، ومنزل مستقل فاخر يقع بالقرب من البعثة الدبلوماسية لمملكة رورشاخ في العاصمة، وهو قريب جداً من وسط مدينة (بورسا)، ويعد مكاناً رائعاً ومميزاً للغاية."
وانثنى طرف فمه بخبث وهو يختم كلامه: "وسأقوم بمشاركة هذه الهدايا والامتيازات معكِ أنتِ أيضاً يا أمي."



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا