الفصل (88) ولدت من جديد: هوس الدوق,

 


كانت العربة تشق طريقها عبر شوارع المدينة المظلمة والخالية، وصوت حوافر الخيول يتردد مثل نبضات قلب مضطربة. في الداخل، كان "إريك" يجلس بجمود، ويداه مقبوضتان بإحكام، ونظراته تمسح كل زقاق مظلم وكل زاوية مظللة يمرون بها.

توقفوا عند كل نقطة تفتيش، وفي كل مكان يقف فيه حارس دورية بفانوسه، كنقطة ضوء وحيدة في الظلام الشاسع.

سأل "إريك" وصوته مشحون بإلحاح يائس: "هل رأيتم شابة؟". كان يميل من نافذة العربة وعيناه تتوسلان: "لديها شعر أسود طويل مجعد، وأكثر عينين زرقاوين إثارة للإعجاب قد رأيتموهما في حياتكم. كانت ترتدي فستاناً أزرق شاحباً. هل رأيتموها؟".

ومرة تلو الأخرى، كانت الإجابة هي نفسها: هزّة رأس، ونظرة متعاطفة ولكن غير مفيدة: "لا يا صاحب السعادة. لم نرَ أحداً كهذه الليلة".

مع كل إنكار، كان خوف "إريك" ينمو، كحجر بارد وثقيل في جوفه. كان السيد "راي" يحث الخيول على المضي قدماً، ويستمر البحث اليائس.

وصلوا إلى نقطة تفتيش أخرى بالقرب من حافة المدينة، حيث كان يقف حارسان معاً، يتبادلان بعض الدفء من موقد صغير.

نادى "إريك": "مساء الخير أيها السادة"، وكان صوته مبحوحاً من تكرار السؤال نفسه طوال الليل.

رد الحارسان التحية دون أن يتعرفا عليه، فكانا مندهشين من توقف هذه العربة الفخمة لهما: "مساء الخير يا سيدي".

تحدث أحدهما، وهو رجل أكبر سناً وأكثر حذراً: "لا ينبغي أن تكون خارجاً في هذا الوقت يا سيدي. المدينة ليست آمنة بعد أن يعلو القمر".

رد "إريك" ونفاد صبره يزداد: "نعم، أعلم. أنا أبحث عن شخص ما. شابة".

تنهد الحارس الآخر، وهو رجل أصغر سناً بعيون متعبة: "إنها ليلة سيئة لذلك يا سيدي. نرى الكثير من حالات الأشخاص المفقودين هذه الأيام". وهز رأسه بحزن: "هناك واحدة في منزلي الآن في الواقع. زوجتي معها. إنها لا تستجيب تماماً. لم أستطع الحصول منها على كلمة واحدة. في الصباح، سأجد طريقة للاتصال بذويها". تنهد مرة أخرى: "يا لهذه السيدة المسكينة. تبدو ضائعة جداً. عيناها الزرقاوان... بدتا بلا حياة و...".

ذكر "العيون الزرقاء" جعل حواس "إريك" تصرخ. لم ينتظر السيد "راي" ليفتح الباب، بل فعل ذلك بنفسه، ونزل من العربة بسرعة لدرجة أن حركته المفاجئة أخافت الرجلين وجعلتهما يتراجعان خطوة إلى الوراء.

قاطع الحارس بصوت حاد ومليء بأمل يائس ومرعب: "هل قلت إن لديها عينين زرقاوين؟".

أكد الرجل وهو مندهش: "نعم يا سيدي. زرقاء مثل سماء الصيف".

تابع "إريك" وهو يخطو خطوة أقرب: "وشعر أسود مجعد؟ ربما كان في كعكة منخفضة مرتبة، أو ربما انحلت؟".

أجاب الرجل: "لا أعرف شيئاً عن كعكة يا سيدي، ولكن نعم، لديها شعر أسود طويل جداً ومجعد. كان كله مبللاً من الأمطار عندما وجدناها".

سأل "إريك" السؤال الأخير والأهم، وقلبه يخفق في صدره: "هل كانت ترتدي فستاناً أزرق شاحباً؟".

أومأ الرجل: "نعم يا سيدي. هذا هو".

قال "إريك" والكلمات مزيج من ارتياح عظيم ورعب يوقف القلب: "إنها زوجتي. أرجوك، خذني إليها. يمكننا أن نأخذ عربتي، ستكون أسرع".

صعد الحارسان، اللذان أدركا الآن خطورة الموقف، بسرعة إلى داخل العربة مع "إريك". وقاد السيد "راي"، متبعاً توجيهات الحارس الأصغر، عبر متاهة من الشوارع السكنية الهادئة. توقفوا أمام منزل جميل وصغير، منزل متواضع ولكنه جيد العناية بحديقة أمامية صغيرة. نزل "إريك" بسرعة من العربة وتبع الرجل إلى منزله دون انتظار دعوة.

وهناك، في غرفة جلوس بسيطة ولكنها نظيفة، رآها.

كانت "ديليا" جالسة على كرسي خشبي بجوار الموقد البارد، تبدو ميتة تماماً وبلا حياة. شعرها الأسود الجميل، الذي لم يعد في كعكة مرتبة، كان منطلقاً، وتتطاير خصلاته المبللة في فوضى متشابكة على وجهها وكتفيها. عيناها الزرقاوان الرائعتان، اللتان وصفهما للتو بأنهما مثل سماء الصيف، كانتا باهتتين وبلا روح، تحدقان بجمود في الحائط. كانت حاشية فستانها الأزرق الشاحب الجميل ممزقة ومغطاة بالطين. كانت قدماها حافيتين، ولم يكن لأي قفازات أثر.

كانت زوجة الرجل، وهي امرأة ذات مظهر طيب، تركع أمامها، وتمسح بلطف الدم عن العديد من الجروح الصغيرة في باطن قدميها بقطعة قماش دافئة ومبللة. لكن "ديليا" لم تتألم حتى. لم تتفاعل على الإطلاق. بدت وكأنها دمية جميلة ومكسورة. وكأنها ميتة بالفعل من الداخل.

انفطر قلب "إريك" عند رؤيتها. اقترب ببطء وجلس القرفصاء أمامها، بحيث كان وجهه في مستوى وجهها.

قال بصوت هامس ومؤلم: "ديليا... ماذا حدث لكِ؟".

ظلت "ديليا" صامتة، ولم تبدُ عيناها الفارغتان حتى وكأنهما تدركان وجوده.

قال الحارس من خلفه بهدوء: "نحن أيضاً لا نعرف يا سيدي. وجدناها تهيم بالقرب من الغابة القديمة، مبللة تماماً من الأمطار. لم تنطق بكلمة واحدة".

نظر "إريك" إليها مرة أخرى. المرأة النابضة بالحياة والقوية والجميلة والمبهجة التي غادرت منزله في ذلك الصباح قد رحلت. وحلت محلها هذه القشرة الفارغة والمكسورة، امرأة بدت متعبة من الحياة نفسها.

التفت إلى الرجل وزوجته، وعيناه تلمعان الآن بالامتنان: "شكراً لكما"، قال بصوت متهدج بالعاطفة، "شكراً لكما كثيراً". طلب قطعة ورقة وقلم، وكتب شيئاً بسرعة وسلمه للرجل.

نظر الرجل إلى الورقة، واتسعت عيناه في عدم تصديق بما كُتب هناك؛ صك ائتمان بمبلغ ضخم سيغير حياتهما إلى الأبد وعنوان إقامته.

قال "إريك": "إذا احتجتما إلى أي شيء، أي شيء على الإطلاق، فلا تترددا في المجيء إلى ذلك العنوان. أو سأرسل مساعدي لأقدم لكما تقديري الرسمي".

أجاب الرجل وهو يهز رأسه، ولا يزال في حالة صدمة: "لا، لا يا صاحب السعادة. كنت أقوم بعملي فقط. لم يكن شيئاً".

أجاب "إريك" وصوته مليء بصدق خام ويائس: "لم يكن شيئاً. القيام بعملك أنقذني الليلة. لأنني لا أعرف ماذا كان سيحدث لي لو لم أستطع العثور عليها".

ثم التفت عائداً إلى "ديليا". أزاح شعرها الفوضوي عن وجهها برفق، وبحنان كان مفطراً للقلب، حملها من الكرسي بين ذراعيه. كانت خفيفة كالطفل، ولم تصدر صوتاً، ولم تتحرك، كان رأسها يتدلى فقط على كتفه.

قال للمرة الأخيرة، وهو يحني رأسه للزوجين الطيبين: "شكراً لكما". حملها خارج المنزل الصغير عائداً إلى هواء الليل البارد، باتجاه العربة، ممسكاً بها بقوة، كما لو أن دفئه وحده يمكن بطريقة ما أن يعيدها من المكان المظلم والصامت الذي ذهبت إليه.

تعليقات

المشاركات الشائعة