الفصل (90) DeceivedYet Drawn to You,
## 📖 رواية خُدعت، لكنني انجذبت إليك - الفصل التسعون
اتسعت عينا بلير بذهول إثر تلك القبلة المفاجئة العنيفة. وفي اللحظة التي تلاقت فيها شفتيهما، اندفع إدموند نحوها بقسوة وجسارة، سارباً منها كل فرصة لالتقاط أنفاسها. كان يحاصرها بإحكام شديد مستغلاً بنيته الجسدية الضخمة، كأنه يلتهم الهواء من حولها في اندفاع مباغت أشبه بجموح وحش كاسر كسر قيود رزانته فجأة.
تصلب جسد بلير في مكانه، وعجزت عن إتيان أي حركة من فرط الصدمة. ماذا عساه أن يكون فاعلاً في وضح النهار، وفي مساحة مكشوفة كهذه أمام أنظار القصر؟ لقد كان تصرفاً يفتقر إلى اللياقة بالكامل، ولا يشبه طبيعته المتحفظة قط. فلم يسبق لإدموند أن عاملها بمثل هذه الشدة من قبل؛ صحيح أنه كان يقبلها بإلحاح في الماضي، لكنه كان يترك لها دائماً مساحة للتراجع إن أرادت، وعندما كانت تضطرب أنفاسهما، كان يتوقف لبرهة ليتفحص ردة فعلها، مما يعنى أنه كان يحافظ دائماً على كبح جماح نفسه. أما الآن، فقد بدا غائباً عن الوعي تماماً.
وفقط عندما بدأ نَفَسُها يضيق بشدة، قبضت بلير على كتفيه، لكن قوتها الواهية والضعيفة لم تكن كافية لمقاومة تلك القوة الطاغية التي تأسرها.
بدأت بلير تدفعه بعنف محاولة التخلص من حصاره، وأدارت رأسها لتتجنب شفتيه اللتين تضغطان عليها بضراوة، بل إنها تراجعت إلى الخلف وهي تتعثر لتوذ بالفرار، ولكن دون جدوى. فكلما قاومت وكافحت، ازدادت ذراعا الرجل إطباقاً وإحكاماً حول خصرها؛ وبإمساكه لها بثبات، كان يعمق القبلة بشكل أشد طامساً معالم اعتراضها. وأمام رعبها من ضراوة هذا الاجتياح المفاجئ، حشدت بلير كل ما أوتيت من قوة وتمكنت من التواء زاوية فمها قليلاً لتصرخ:
"توقف...!"
خرجت الكلمة منها مدوية كأنها صيحة استغاثة. تلك الصيحة، التي تشتتت عند شفتيه، جعلت القبلة تتوقف أخيرًا. ومع ذلك، فإن المسافة بينهما، والتي كانت قريبة لدرجة تسمح لشفتيهما بالاصطدام مجدداً في أي لحظة، ظلت ثابتة دون تغيير. كان صدراهما متلاصقين بـإحكام، بينما كانت نظراته تخترقها كأنها نيازك تنفذ إلى أعماقها، ولم تزل القبضة المحيطة بـخصرها تحمل قوة صارمة ولا تلين.
"توقف...".
وبعدم وجود خيار آخر أمامها، جزت على أسنانها وهي لا تزال أسيرة بين يديه. وفي المقابل، سألها إدموند، الذي لم يضطرب نَفَسُه حتى، بصوت منخفض غريب:
"لماذا؟"
"...ماذا؟"
كان أول ما أصابها هو الحيرة والارتباك. لماذا يتصرف بهذه الطريقة الجامحة؟ ولماذا يندفع نحوها بهذا الشكل المتهور؟ لم تكن بلير قادرة على فهم سر هذا التحول المفاجئ.
ولا بد أنه كان يعلم في قرارة نفسه أنه قد فقد السيطرة على رزانته، ومع ذلك، لم يظهر عليه أي أثر للندم أو الأسف، وكان صوته هادئاً بـشكل يثير الدهشة والريبة:
"لماذا تتصرف بـهذا الشكل؟"
"لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي تجعلكِ تنظرين إليّ بها".
ابتلعت بلير ريقها بـجفاف وتطلعت إليه؛ وعلى عكس صوته الثابت والرزين، كانت عيناه تفيضان بـاليأس والاضطراب. ولم تكن قادرة على تمييز أي عاطفة تكمن في أعماقه، ولم تكن ترغب في معرفة ذلك بـالأساس.
'لماذا ترتدي هذا التعبير اليائس على وجهك؟' واجتاحها فجأة شعور عارم بـالظلم والجور. فـرجل خطط لـمثل هذه الخديعة والمحاكاة، بل وقام بـوضع روفوس خارج غرفة الزفاف في الليلة الأولى ليوهم الجميع بإتمام الزواج، في ماذا عساه أن يكون يائساً ومحتاجاً الآن؟ أليس هو المنتصر الذي نال كل شيء؟
"أنا أشعر بـالخزي والإهانة، لذا أفلتني".
"وما الذي يدعو لـلخزي هنا؟" وبـتمتمته بـصوت خافت، مرر إدموند إبهامه فوق شفتيها: "ليست هذه هي المرة الأولى أو الثانية التي نتقارب فيها".
"وهل تظن حقاً أن هذا التصرف لائق بـالعرف والمنطق؟"
"نحن متزوجان يا بلير؛ ولا أظن أن تقبيل زوجتي يعد أمراً خاطئاً".
"لا تخدع نفسك؛ أنا لستُ زوجتك الحقيقية". جزت بلير على أسنانها وأضافت بـمرارة: "ولستُ عشيقة يمكنك الاقتراب منها متى شئت بملء إرادتك أيضاً".
"وإذن، هل يعني هذا أنكِ امرأة تقاربت عفوياً وتشاركت اللحظات الحميمة مع رجل لم يكن عشيقاً ولا زوجاً حقيقيًا في نظركِ؟"
"...ماذا قلت للتو؟"
"إذا بدأت الشائعات بـالانتشار، فـأنتِ من سـيقع في المأزق والورطة؛ وبما أن الأمور وصلت إلى هذا الحد، لِمَ لا تظلين زوجتي طوال الحياة فحسب؟"
'ما الذي تحاول فعله بـحق الجحيم؟' وارتجفت شفتاها المضمومتان بـشدة؛ وأخذ الحزن والأسى الذي كان يضغط على صدرها يتحول بـتدريج إلى غضب مشتعل. ولم تكن هناك طريقة تمنع رجلاً سريع الملاحظة ومدركاً لـلأمور مثله من الانتباه لـحالتها المضطربة والمتخبطة، ومع ذلك، بدلاً من التفهم والاحتواء، جاء رده بـسخرية باردة؛ ولم تصدق بلير ما تسمعه.
"هذا لا يشبه طبيعتك قط".
وحدقت بلير بـحدة في عيني إدموند وحاولت نفض اليد التي تقبض عليها، لكنه غطى معصمها بـيده الكبيرة وأحكم قبضته بـشدة أكبر:
"أنتِ تتحدثين وكأنكِ تعرفينني جيداً؛ إذن استمري، وأخبريني".
"أفلتني".
"ما هو الشيء الذي يشبه طبيعتي بـالتحديد؟"
"قلتُ لك أفلتني".
"هل تظنين أنكِ تعرفينني بـمجرد أننا تشاركنا الفراش وعشنا معاً بـنفس المكان؟" واستقرت ابتسامة باردة وجافة على شفتي إدموند؛ وفي المقابل، كانت عيناه تشتعلان بـضراوة وهي تحدق بـشكل مباشر في بلير من مسافة لا تبعد عنها سوى بـضع إنشات: "لا؛ فـمن المكان الذي أقف فيه، أنتِ لا تزالين لا تعرفينني على الإطلاق. وليس لديكِ أدنى فكرة عن مدى الوضاعة والدناءة التي يمكنني السقوط إليها لـأحصل على ما أريد، وكيف يمكنني الزحف داخل القذارة والوحل في القاع بـلا أدنى تردد".
ولم تصدق بلير عينيها؛ فـالرجل الذي كان يبدو دائماً منضبطاً، وقوراً وصاحب مبادئ صارمة، بدا الآن كأنه مجنون، واصطبغ وجهه بـملامح الهوس والجموح.
وتلى ذلك صمت طويل وممتد؛ وخبت المشاعر التي اشتعلت بـسرعة وخمدت نيرانها بداخلها. وبدا الرجل الواقف أمامها غريباً وغير مألوف لدرجة جعلت حتى الغضب يفقد معناه وقيمته. وكما قال إدموند، لم تكن بلير تعرف أي نوع من الأشخاص هو بـالفعل في تلك اللحظة؛ وعجزت عن تحديد ما إذا كان ما رأته طوال الوقت هو حقيقته، أم مجرد وهم وصورة مثالية رغبت في تصديقها بـشدة. ووجع قلبها بـحزن وأسى لا يمكن وصفه.
وفقط عندما بدأت العينان اللتان تتطلعان إليه تلمعان بـالدموع، بدا أن إدموند قد استعاد وعيه ورزانته فجأة؛ واهتزت عيناه الرماديتان بـخفة، وتلاشت القوة والشدة من يديه اللتين تقبضان على خصرها ومعصمها كأنه أدرك فداحة فعله.
"لا يا إدموند".
"...."
"أظنني فهمتُ واستوعبتُ ما يكفي الآن".
وتسللت بلير بـحذر خارج ذراعيه، حريصة على ألا يرتجف صوتها أو يتقطع لتظهر ضعفها؛ وتركها إدموند تبتعد دون أي مقاومة، ومع ذلك ظلت نظراته متشبثة بـجسدها بأسف مكتوم.
وتطلعت بلير إلى هاتين العينين لـبرهة قصيرة، ثم أدارت رأسها بـعيداً؛ ودون إضافة كلمة واحدة، أدارت ظهرها ببطء ومشت مـبتعدة بخطوات متثاقلة. وكانت تعلم أنه يلاحقها بـعينيه، لكنها لم تلتفت لـلخلف قط.
### 🛑 أمر لا يمكن التراجع عنه
(تك...)
انفتح قفل الباب الخشبي الثقيل وصدر عنه صرير مألوف، وتسلل ظل طويل بـالداخل. وكان هذا المكان، المليء بـرائحة الأوراق القديمة والجلود، عبارة عن مكتب غامض لا يُسمح إلا لـرئيس عائلة ليبرت بـدخوله. وعبر الحذاء المصقول للرجل الغرفة بـألفة واعتياد، كما لو كان المكان مساحته الخاصة بـالفعل منذ زمن طويل.
"هاااا..."
وقبل أن يخطو بـالكامل داخل المكتب، سحب إدموند نَفَساً عميقاً وطويلاً من السيجارة المستقرة بين شفتيه، ثم سحقها بـقوة وعنف في المنفضة الكريستالية. وبعد تدخين السجائر القاسية طوال اليوم، شعر بـأن أحشاءه قد تفحمت بـالكامل بـاللون الأسود؛ وبفضل تلك الحرارة المحترقة، هدأ الهوس المشتعل في داخله، تاركاً هدوءاً بارداً صارماً على ملامح وجهه.
والشيء الوحيد الذي لم يتمكن من نفضه أو التخلص منه هو دفء تلك المرأة الذي لا يزال عالقاً ومستقراً عند أطراف أصابعه؛ وأثار هذا الأمر حفيظته بـشكل لا يُطاق لأنه يشعره بالضعف. وكأنه يمحو ذلك الإحساس جنباً إلى جنب مع أي مشاعر شخصية قد تعطله، توجه إدموند نحو المكتب؛ وفي الوقت الحالي، كان الشيء الوحيد الذي يملأ عقله وتفكيره هو الانتقام الحاسم.
وعاد لـمراجعة الوثائق الموجودة في الأدراج والتي سبق له فحصها مراراً، ثم أخرج الملفات السرية للغاية من الخزنة الحديدية المحصنة، دارساً كل سطر بـدقة لـيتأكد من أنه لم يفت الملاحظة أي تفصيل صغير. وفقط بعد التحقق مجدداً، بـطريقة صارمة لا تشوبها شائبة على غير عادته، أطلق تنهيدة قصيرة؛ ثم ألقى بـوثائق والده فوق سطح المكتب الخشبي.
لقد شك في الأمر بـشكل غامض منذ أن أجرى تحقيقاً أولياً من خلال مساعده بنجامين، ولكن لم يكن هناك أي أثر أو دليل ملموس في أي مكان يشير إلى أن إيزابيل كانت متورطة بـشكل مباشر في وفاة والدته قبل عشرين عاماً.
ولم تكن هناك أي طريقة تجعل الدوقة السابقة ترتكب جريمة قتل بـيديها مباشرة، لذا فإن فرضية التسميم البطيء كانت السيناريو الأكثر احتمالاً؛ ولا بد أنها حصلت على العقاقير والسموم المخفية من خلال طبيب ماكر. ومع ذلك، فإن الطبيب المعالج الذي كان يعمل لـصالح عائلة الدوق في ذلك الوقت قد توفي بـسبب المرض منذ فترة طويلة، وكل السجلات الطبية التي تركها وراءه قد تم إتلافها والتخلص منها بـالكامل بفعل فاعل. إن السجلات، والشهود، والأدلة المادية، كل ذلك قد اختفى وتلاشى في غياهب الماضي منذ زمن بعيد.
ومع ذلك، أخذت قناعته تزداد قوة يوماً بعد يوم؛ وفوق كل شيء، فإن الكلمات المبهمة الأخيرة لـدوق ليبرت وهو على فراش الموت قد رسخت شكوكه؛ كما أن الوصية الأخيرة، التي لم تترك بنساً واحداً لـإيزابيل أو روفوس وحرمتهما من كل شيء، قد عززت هذا الأمر بـالفعل كدليل غير مباشر على غيظ الدوق الراحل منهما.
ولكن كم من الوزن والاعتبار القانوني يمكن أن تحمله تمتمات رجل ينازع الموت بـالفعل؟ وحتى لو ظهر دليل حاسم على السطح، فـإن إيزابيل لن تتعرض لـلعقاب بـأي حال في ظل نفوذها؛ فـهذا عالم يمكن فيه لـلمال والمكانة والروابط السياسية التسلل والهروب بـسهولة من بين شقوق القانون، ولم يكن أحد في السلطة يولي أهمية كبيرة لـوفاة عشيقة قديمة حدثت منذ عقود.
لقد سبق أن وجه إسحاق دورمان مسدسه نحو بلير، خطيبة وريث عائلة ليبرت، ومع ذلك لم يواجه حتى محاكمة عادلة أو حكماً صارماً في المحكمة بفضل نفوذ عائلته. وكان إدموند يعلم ذلك أكثر من أي شخص آخر، وأراد من إسحاق أن يدفع الثمن كاملاً غير منقوص عن جرائمه بـنفسه، دون انتظار عدالة المحاكم.
لذا فقد انتظر بـهدوء وسكون لـيتم تدمير نيكوليتا أندرهيل بـالكامل، وذلك لـإسقاط إسحاق وعائلته بـأكملها وتدمير إرثهم؛ وقام بـالتلاعب بـالصحافة والإعلام لـكشف مخازي وفضائح عائلة الماركيز، وقطع تحالفاتهم الاقتصادية واحداً تلو الآخر حتى لا يتمكنوا من النهوض مجدداً. لم يكن هدف إدموند قط هو الحكم القانوني والمحاكم البدائية، بل كان الانتقام الوحشي والقاسي الذي يقتلع الخصم من جذوره.
وكان لابد أن ينطبق الشيء نفسه على إيزابيل أيضاً؛ فـنهايتها وهلاكها المحتوم قد تـم تقريرهما وحسمهما في عقله منذ زمن بعيد، ولن يفلتها مهما كلفه الثمن.



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا