الفصل (87) ولدت من جديد: هوس الدوق,

 


كانت الشمس قد غابت منذ زمن طويل، والقمر، هلال شاحب ووحيد، يعلق الآن عالياً في السماء المظلمة الصافية. كان "إريك" يقف بجانب نافذة غرفة الجلوس، يراقب البوابة وينتظر. استمر في الانتظار. جلبت زخات المطر الخفيفة التي تساقطت لدقيقة تقريباً برودة في هواء الليل كانت محسوسة، تتسرب عبر الزجاج، لكنه لم يلاحظها. أخرج ساعة جيبه الذهبية من سترته للمرة العشرين تقريباً. كانت العقارب تشير إلى ساعة متأخرة.

قال للغرفة الفارغة: "يجب أن تكون في المنزل الآن، أليس كذلك؟"

لقد قضى بقية اليوم يحاول العمل، ويحاول التركيز على العقود والشحنات، لكن عقله كان ينجرف دائماً نحوها. ذكرى ابتسامتها الخجولة والجميلة وهي تنظر إليه عندما نزلت السلالم في وقت سابق من ذلك اليوم. لقد منحها مساحة، محترماً حاجتها لمعرفة ما تريده، لكن الآن، بدأت تلك المساحة تشعر وكأنها فراغ بارد وخاوٍ.

بتنهيدة، سار نحو غرفته. وبينما كان يمر عبر الرواق الهادئ الخافت الإضاءة، رأى أن باب غرفة "ديليا" موارب قليلاً. توقف، وظهر تقطيب على جبينه. أراد مساعدتها في إغلاقه لضمان خصوصيتها، لكن شيئاً ما لفت انتباهه من الداخل: لون غريب ومتلألئ على طاولة الكتابة الخاصة بها.

تردد للحظة واحدة فقط قبل أن يدفع الباب ببطء وهدوء ويدخل. كانت هذه المرة الأولى التي يدخل فيها غرفتها منذ أن انتقلت إليها. غلفته فوراً رائحة الخزامى (اللافندر) الخافتة والمسكرة. كانت رائحتها، وشعر بشعور غريب يجمع بين التطفل والراحة، وكأنه يخطو إلى جزء من روحها ذاتها.

اتجهت عيناه إلى مصدر الوميض. على طاولة الكتابة، بجوار كومة مرتبة من الكتب، كان هناك وعاء زجاجي صغير يحتوي على صبغة بلون لم يستطع تحديد كنهه. كان لون خزامى ناعماً وأثيرياً، لكنه بدا وكأنه يتلألأ بلمحات من الفضة في ضوء المصباح ودرجات مختلفة. لم تكن مثالية، لكنها كانت جميلة. وبجانبها كانت هناك ملاحظة صغيرة مكتوبة بخط يدها الأنيق: "يجب إعادة العمل عليها. نسبة المثبت لا تزال غير دقيقة".

ضحك "إريك" بهدوء وهو يعيد الملاحظة إلى الطاولة. حتى في مشاريعها الشخصية، كانت تسعى للكمال.

كانت حواسه لا تزال ممتلئة برائحة الخزامى الخافتة في الغرفة؛ كانت في كل مكان، على الرداء البسيط المعلق على ظهر الكرسي، وعلى وسادة سريرها المرتب بدقة. ثم اتجهت عيناه إلى طاولة الزينة الخاصة بها، ورأى الشريط الأزرق الداكن الذي أهداها إياه، ذلك الذي كان في مكتب كابينته، مستقراً بجانب مجموعة نادرة جداً من الزينة: فرشاة واحدة بظهر فضي، وزجاجة صغيرة من ماء الخزامى، وليس أكثر من ذلك.

فكر لنفسه، وشعور دافئ بالحماية ينتشر في صدره: "سأضطر لشراء المزيد من الزينة لها".

شعر بوخزة ذنب لتركها هنا وحيدة لمدة يومين. رأى بعض الكتب على طاولتها؛ كان العديد منها يحمل علامات مرجعية، مما يدل على أنها قُرئت وأُحبت. التقط أحدها، وكان كتاباً للشعر.

ثم رآه. كتاب بسيط مجلد بالجلد، مدسوس قليلاً تحت كومة من الأوراق. كانت مذكراتها. عرف أنه لا يجب أن يلمسها، وعرف أنها أكثر مساحاتها خصوصية، وهو انتهاك لا يملك الحق في ارتكابه. لكن فضوله، وحاجته الماسة لفهم المرأة المعقدة والحذرة التي سيتزوجها، تغلبا عليه. وبشعور يجمع بين الذنب والترقب، أخذ الكتاب وفتحه.

جعلته الصفحة الأولى التي قلبها يبتسم، فقد ملأ خطها المرتب الصفحة:

"تقول الليدي تيرمين إن آمبر أخبرتها أن عينيّ تلمعان مثل الياقوت. لم أفكر قط في عينيّ بهذه الطريقة. آمبر شخص طيب ولطيف. أعتقد... أعتقد أنني بدأت أفهم كيف يكون الشعور بامتلاك أخت حقيقية".

ضحك بخفة، وشعر بالدفء في قلبه عند فكرة أن تصبح الاثنتان صديقتين. قلب الصفحة إلى صفحة أخرى، مكتوبة بعد التعريف بالعائلة في دار الأيتام:

"رأيت الدوقة الأم اليوم، وابتسمت لي. والدوقة ليرا، حماتي المستقبلية، دافعت عني. وقفت بجانبي. أمي حقاً نعمة. أحبها وأحب الجدة أيضاً. أخيراً لدي عائلة تبدو كعائلة".

أغمض عينيه للحظة، وشعور بالسعادة العميقة والبالغة يغمره. كانت سعيدة هنا، كانت تشعر بالأمان، وتشعر بأنها محبوبة.

قلب الصفحة إلى صفحة أخرى، مؤرخة بأسابيع مضت حتى قبل أن يلتقيا. وبينما بدأ يقرأ، تلاشت الابتسامة عن وجهه. شعر بالدوار، وأصبح تنفسه يخرج في شهقات قصيرة وحادة.

أغلق الكتاب بسرعة، ويداه ترتجفان. أسقطه مرة أخرى على الطاولة وكأنه قد أحرق أصابعه. الألم في تلك الكلمات، والخيانة الفادحة والمحطمة التي عانت منها... كان ذلك أكثر من اللازم. تعثر خارجاً من غرفتها، مغلقاً الباب خلفه، وذهب إلى غرفة الجلوس، وقلبه يخفق في صدره. سكب لنفسه كوباً من الماء، وكانت يده ترتجف بشدة لدرجة أن بعض الماء انسكب على الجانب.

وبينما كان يحاول تهدئة قلبه، دخل السيد "راي" إلى الغرفة، ووجهه شاحب وتعبيره مليء بالذعر الخالص.

قال بصوت عاجل ومليء بالخوف: "صاحب السعادة، الليدي ديليا مفقودة".

سقط الكوب من يد "إريك" وتحطم على الأرضية الخشبية المصقولة، ودوّى صوته كطلقة نارية في المنزل الصامت.

قال "إريك" بصوت مخنوق: "ديليا؟ ماذا تقصد؟ كيف؟"

أوضح "راي" وصوته يرتجف قليلاً: "ذهبت لاصطحابها، صاحب السعادة، تماماً كما أمرتني. ذهبت إلى مكان جدها في الوقت المتفق عليه، لكن عندما وصلت إلى هناك، أخبرني كبير الخدم أنها غادرت منذ ساعات. قال إنه ظن أنها استأجرت عربتها الخاصة للعودة إلى المنزل". أخذ نفساً عميقاً ومرتجفاً: "لقد تأخر الوقت جداً يا صاحب السعادة. أخشى... أخشى أن تكون قد اختُطفت".

لم يضيع "إريك" ثانية أخرى. لم يصرخ، ولم يصب بالذعر. فقط تحرك. استقرت عليه برودة مرعبة ومخيفة. أخذ معطفه من الأريكة حيث تركه وخرج مباشرة إلى الباب الأمامي. نظر إلى السماء المظلمة الخالية من النجوم. قال بصوت منخفض وخطير: "سيصبح الجو أكثر برودة. آمل أن تكون بخير".

فتح "راي"، الذي تعافى بالفعل من صدمته، باب العربة له. صعد "إريك"، وصعد "راي" بسرعة إلى مقعد السائق. لم ينتظر، بل ضرب العنان بقوة.

صرخ: "هايا!" وكان صوته كسراً حاداً في هواء الليل البارد. بدأت الخيول، التي استشعرت إلحاح سيدها، تنطلق في عدو كامل وجنون، حاملة الدوق إلى الليل المظلم للبحث عن المرأة التي عرف الآن أنه لا يستطيع العيش بدونها قبل أن يحدث شيء مروع.

تعليقات

المشاركات الشائعة