الفصل (84) ولدت من جديد: هوس الدوق,

 *


كان الهواء في مكتب "إريك" خانقاً ومكتوماً. طوال يومين، كان قد حبس نفسه هناك، في عزلة اختيارية عن منزله وعن "ديليا". كان يراجع سجلات الحسابات الخاصة بآخر شحنة رئيسية أنجزوها، وعيناه تمسحان الأرقام دون أن يراها حقاً؛ فعقله كان في مكان آخر، عالقاً في ذلك المطبخ الهادئ، يعيد ترديد كلماتها في ذهنه مراراً وتكراراً: "على أية حال، لن أبقى هنا طويلاً".

طُرِق الباب، لكن "إريك" لم يرفع رأسه عن أعمدة الأرقام التي لا تعني له شيئاً. قال بصوت ميت: "تفضل".

دخل "أيدن" حاملاً كومة من المستندات الجديدة. نظر إلى سيده، إلى انحناءة كتفيه المتعبة ونظرة الإنهاك في عينيه.

بدأ "أيدن" بصوت مليء بالقلق الذي يتجاوز كونه مجرد مساعد: "صاحب السعادة، لقد كنت هنا ليومين كاملين. أنت تعمل حتى الموت. لماذا لا تذهب إلى المنزل وتحصل على قسط كافٍ من الراحة؟ سأهتم أنا ببقية العمل هنا".

أجابه "إريك" بصوت منخفض وهو يواصل التحديق في السجل: "لستُ مطلوباً هناك. هي لا تحتاج إليّ".

كانت الكلمات مليئة بألم عميق وهادئ لدرجة أن "أيدن" شعر بالجرأة على المضي قدماً: "هل تشاجرتما، صاحب السعادة؟"

رفع "إريك" رأسه أخيراً، وانطلقت ضحكة قصيرة ومريرة من شفتيه. قال وعيناه تبدوان متعبتين وحزينتين: "أتمنى لو فعلنا ذلك. أتمنى لو صرخت في وجهي، أو صرختُ أنا في وجهها. على الأقل حينها، كنت سأجد اسماً لهذا الغضب وهذا الألم الذي أشعر به".

حاول "أيدن" مواساته، لكن "إريك" كان قد تراجع بالفعل خلف جدار عمله. قال وهو يحدق في السجل، وصوته عاد ليصبح عملياً تماماً: "بعد زفافي، سأتولى أنا التعامل مع جميع الشحنات الدولية بنفسي. لذا يمكنك الاهتمام بالأمور هنا كالمعتاد". كان يخطط بالفعل ليكون بعيداً، ليكون مشغولاً، لئلا يكون في المنزل.

تنهد "أيدن" مدركاً أنه لا يستطيع الوصول إليه بهذه الطريقة، فلعب ورقته الأخيرة: "لقد أرسلت السيدة رسالة، صاحب السعادة. هي..."

وبينما كان يتحدث، أخرج ظرفاً بسيطاً مطوياً من جيب معطفه الداخلي. انتشرت رائحة الخزامى (اللافندر) في المكان على الفور، خافتة لكنها لا تخطئها العين.

أصابت الرائحة "إريك" كدلو من الماء البارد. نظر للأعلى واتسعت عيناه. أغلق السجل الثقيل بضجيج عالٍ، وبحركة واحدة سريعة، انتزع الرسالة من يد "أيدن" قبل أن يكمل جملته، ثم لوح بيده الأخرى بحركة حادة تشير إلى الانصراف: "يمكنك الذهاب".

انحنى "أيدن"، وبينما كان يسير نحو الباب، ألقى نظرة خاطفة إلى الوراء، فرأى الدوق "إريك كارسون" العظيم، الرجل الذي يخشاه الجميع في عالم الأعمال ويحترمه المجتمع، يقرّب الظرف البسيط إلى وجهه ويستنشق رائحة الخزامى، مع نظرة من السعادة الخالصة وغير المشوبة تشع على ملامحه المتعبة. ابتسم "أيدن" لنفسه وأغلق الباب بهدوء.

كسر "إريك" ختم الشمع بعناية وفتح الرسالة. في الداخل، لم تكن هناك سوى جملة واحدة، مكتوبة بخط يد "ديليا" الأنيق والمرتب:

**"هل يمكنك العودة إلى المنزل من فضلك؟"**

كانت قصيرة، بسيطة، لكن بالنسبة لـ "إريك" كانت كافية. كانت كل شيء. نهض من مكانه، واختفت كل آثار الإرهاق السابقة، وحلت محلها طاقة حيوية مبهجة. ارتدى قفازاته، وأمسك بمعطفه وغادر المكتب، وقلبه يخفق بإيقاع جديد مفعم بالأمل.

نادى بصوت سعيد مليء بالحياة: "أيدن! أيدن!"

هرع "أيدن" من مكتبه: "نعم، صاحب السعادة؟"

أعلن "إريك" بابتسامة واسعة طفولية على وجهه، وبدا أكثر سعادة مما رآه "أيدن" عليه منذ سنوات: "أنا ذاهب إلى المنزل. هل يمكنك تولي الأمور هنا لبقية اليوم؟" ثم انحنى إليه بصوت مليء بالفرح: "دوقِتي تحتاج إليّ. لقد قالت ذلك بنفسها في رسالتها".

ابتسم "أيدن" بصدق: "بالطبع يا صاحب السعادة، سيكون من دواعي سروري".

وأضاف "إريك" وهو يتجه نحو الباب: "وأيدن، بعد انتهاء الإنتاج اليوم، امنح جميع العمال شيئاً إضافياً. مكافأة، مني شخصياً".

رد "أيدن": "كما تشاء يا صاحب السعادة"، وهو يهز رأسه في دهشة مسلية من التحول المفاجئ والكامل لسيده.

———-

جلست "ديليا" على مكتب الكتابة في غرفتها، ومذكراتها ذات الغلاف الجلدي مفتوحة أمامها. كان المنزل هادئاً، فارغاً بدون وجود "إريك". غمست قلمها في المحبرة، وكان الصوت الوحيد هو خدش الريشة الناعم على الورق. كانت تحاول فهم أفكارها، وتوثيق التحول الغريب والمربك الذي اتخذته حياتها.

تذكرت ما أخبرتها به قارئة الكف في اليوم السابق، بعد أن غادرت الدوقة الأم الغرفة في حالة من الغضب والارتباك. كانت العجوز قد أمسكت بيدها مرة أخرى، وعيناها المظلمتان لا تنظران إلى كفها، بل في أعماق روحها:

"لا أعرف ماذا فعلتِ في حياتك الماضية لتُمنحي فرصة ثانية. ولا أعرف ماذا تخططين أن تفعلي بها أيضاً. لكن يجب أن تعلمي أن وقتك محدود. أستطيع رؤية البتلات الذابلة على معصمك، حتى وإن لم يراها الآخرون. استخدمي هذا الوقت الذي أُعطي لكِ بحكمة".

جعلتها الذكرى تتوقف عن الكتابة. نظرت إلى معصمها، إلى الوشم الخافت الذي كان رفيقها الدائم، ساعتها السرية.

تابعت قارئة الكف: "قلبك مليء بالضغائن المتنامية، التي عدتِ لتسويتها. أو ربما أنتِ تسوين الحسابات بالفعل. ولكن في كل ذلك يا طفلتي، لا تحرمي نفسكِ من السعادة. ستلحق بكِ روحكِ قريباً، وعندما تفعل، لا أعرف ما إذا كان ذلك سيكون شيئاً جيداً أم سيئاً. لكن حتى ذلك الحين، يجب أن تعيشي وكأنه لا توجد حياة أخرى بعد هذه. كوني سعيدة".

كتبت "ديليا" الجملة الأخيرة التي أرادت توثيقها ثم أغلقت الكتاب الثقيل. فتحت ورقة تركها أحدهم عند باب المدخل هذا الصباح. قرأتها ثم نظرت إلى معصمها مرة أخرى، إلى الوشم: "كوني سعيدة". بدا الأمر بسيطاً جداً، ومع ذلك شعرت وكأنه أعقد شيء في العالم.

"ديليا!"

جاء صوت "إريك"، عالياً ومليئاً بالسعادة التي لم تسمعها منذ ما قبل شجارهما، من الطابق السفلي. قفز قلبها بدهشة. لقد عاد إلى المنزل.

ناديته بابتسامة لم تستطع منعها من الارتسام على شفتيها: "أنا قادمة!"

تعليقات

المشاركات الشائعة