الفصل (71) المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي,

 


تلاشى الضوء من عيني ديريك.

وعندما عاد، كان بارداً.

وقف في صمت، محاطاً ليس بالأعداء، بل بسكون مطبق. امتدت قاعة واسعة وطويلة في كلا الاتجاهين، لم تكن مضاءة إلا بأشعة فضية خافتة تتسلل عبر شقوق في سقف حجري مرتفع.

كانت الأرضية من حجر السبج المصقول، والمتشقق في ألف موضع، لكن ما جذب نظره حقاً كانت السيوف.

مئات، بل آلاف منها. تصطف على جدران القاعة.

بعضها معلق من السقف، وبعضها مغروس في الأرض، مكسورة، ومتناثرة، ومحطمة من العمود الفقري. بعضها صدئ، وبعضها الآخر لا يزال يلمع ببريق الصقل.

كل سيف يحمل اسماً محفوراً على مقبضه.

أسماء يعرفها.

كل واحد منها.

تضيق حلق ديريك وهو يمشي بين الصفوف. كل خطوة كانت تصدى كأنها حكم، كقرع طبول الذكريات.

مر بأحدها: *السير إيمون دريلف، الحامي المقسم للحرس الشمالي.*

ثم آخر: *هولس مور، طليعة المسيرة الشرقية.*

توقف.

رنّ الاسم كصاعقة في صدره. "هولس".

جثا على ركبتيه، وأصابعه ترتجف وهو يلمس المقبض المحطم. كان السيف نظيفاً، لكنه بارد وبلا حياة.

وبينما كان يسترجع الماضي، قاطعه صوت.

"لقد تركتنا، يا ديريك."

جمّد الصوت دمه. نهض ببطء، ببطء شديد، واستدار.

من بين صفوف النصال المكسورة، تقدموا. رجال ونساء قاتل ديريك بجانبهم. إخوة وأخوات السلاح. الموالون. النبلاء. الفرسان الملكيون.

والملك نفسه.

وفي المقدمة وقف "هولس". الرجل الذي كان دمه يغلي أكثر من النار، الذي سحقت قبضتاه وحوشاً تضعه حجماً، والذي كانت ضحكاته تملأ معسكرات الحرب كالموسيقى.

الآن، كان يحدق في ديريك بعيون جوفاء. خيبة أمل. مرارة. ألم.

قال هولس بصوت كالحصى: "كنت الأقوى بيننا".

أضاف دوق، ميت منذ زمن طويل: "كنت العمود الفقري لستارفول. لقد تلاشت عندما كنا بأمس الحاجة إليك".

بصق الملك وهو يتقدم: "لقد هربت. مع الفتاة. اخترت طفلة واحدة على حساب مملكة".

جزّ ديريك على أسنانه، لكنه لم يتحدث. داروا حوله كنسور الذكريات.

"كنت سيف المملكة".

"قائد ست حملات".

"صنديد ستارفول".

"ومع ذلك، تخلّيت عن قسمك".

"لقد هجرتنا، يا ديريك".

كلمة "هارب" ترددت بصوت أعلى من أي شيء آخر.

ديريك لم يتراجع. وقع بصره على الأرضية المتشققة، ثم عاد إلى هولس، الوحيد الذي لا يزال تعبيره يظهر أثراً لشيء آخر. ليس غضباً. ليس كراهية. بل حزناً.

قال ديريك أخيراً بصوت هادئ، لكن بحواف حديدية: "لقد اتخذت خياراً. لم أستطع إنقاذ المملكة. لم أستطع إنقاذكم جميعاً. لكن كان بإمكاني إنقاذها".

نظر مجدداً إلى الاسم المنقوش على المقبض: "هولس مور".

همس ديريك: "يا أخي. لو كنت مكاني... لكنت اتخذت نفس الخيار".

لم يستجب هولس. لكن الآخرين استجابوا.

فح فحيح الملك: "تقول إنك تشعر بالذنب؟ إذاً أثبت ذلك".

"أزهق حياتك أمامنا".

تومض أشكالهم، والتف الضوء حولهم كأنصال ملتفة. ومن الجدران، ارتفعت السيوف. تشكلت حوافها المكسورة من جديد، وأصدرت المقابض طنيناً قوياً. أصبحوا كاملين مرة أخرى، واتجهوا نحوه.

لم يتراجع ديريك عندما رفع هولس نصله.

قال ببساطة: "أنا مذنب. لكنني لست نادماً".

استدعى ديريك سيفاً كان أظلم من الليل نفسه، وانفجرت المانا والعزيمة حوله. كان الإيثير يتجول في عروقه وهو يتخذ وضعية قتالية، مهارة فنون قتالية أقدم من معظم الممالك، ويده تستقر على مقبض نصل لم يسحبه منذ أكثر من عقد.

تشقق الهواء تحت وطأة الضغط.

"سأواجه حكمكم".

وبنفسٍ هز القاعة— سحب سيفه.

في ساحة معركة أخرى. سقط الرماد كالثلج. ناعم، بطيء، ولا يرحم.

تقدم نيل ثرودان يحدق في ساحة المعركة، المكان الذي يتذكره كوطن، وقد تحول الآن إلى أطلال معركة كبرى. كانت تركة آل ثرودان العظيمة مجرد خراب. بلاط سبج متشقق، أعمدة جرانيتية ضخمة منقوشة بتاريخ العائلة، كلها ملقاة محطمة تحت قدميه، والدم ملطخ عليها كألوان الحرب. تفوح من الهواء رائحة الدخان والمعدن المحروق.

رأى ممرًا مألوفًا منهارًا أمامه، نصفه ابتلعته النيران. الممر الذي كان يلعب فيه مع أخيه الأصغر. حيث اعتادوا التسلل لسرقة الحلوى. حيث كانت تقف والدته، واضعة يديها على وركيها، توبخهما بابتسامة مستاءة.

الآن، ذهب كل شيء. السماء كانت كتلة مضطربة من الرمادي، وسحبها لم تتشكل تمامًا، كأن السماء نفسها فقدت الرغبة في البكاء.

تعثر نفس نيل. انزلق صوت النظام إلى عقله كنصل مضغوط على ندبة قديمة:

"مرحباً بك في محاكمة الحقيقة".

ثم بدأت. الذاكرة. العقاب.

كانت الجثث تملأ الفناء. جثث الحراس المخلصين، وخدم العائلة، وأقارب بعيدين كانوا يرسلون له الرسائل. كلهم احترقوا لدرجة لا يمكن التعرف عليهم.

كان بعضهم لا يزال يمد أصابعه نحو البوابات. وبعضهم لا يزال يزحف، بأطراف محترقة تجر نفسها على الحجر بحثًا عن أمل.

لكن لم يكن هناك أمل.

وبينما كان يسير في أطلال قصره العظيم، رأى جسدًا صغيرًا. وجهه للأسفل. شعر أشقر محروق الأطراف. ملامح وجهه كانت تشبه ملامحه لدرجة كبيرة، كأنها نسخة أصغر منه.

تجمد نيل. ارتجفت ساقاه وهو يقترب خطوة. خرج صوته كهمس مكسور: "لا..."

تحرك الصبي. وببطء، وبألم، رفع رأسه. فتحت عيون زرقاء. بريئة. مألوفة.

سأل الصبي بهدوء: "أخي؟".

انقطع نفس نيل: "لـ... ليون...؟"

وقف الصبي، أخوه الصغير، متمايلًا كورقة في الريح. ملابسه سوداء، وجهه ملطخ بالرماد، لكن الابتسامة التي كان يرتديها... آلمته.

قال ليون: "لقد وعدت".

انفطر قلب نيل: "لقد قلت إنك ستحمينا جميعًا. وأنك ستصبح قويًا وتعود لتهزم الوحوش. وأن لا شيء يمكنه إيذاءنا".

"ليون... أنا... لم أكن أعرف—"

"لقد كذبت".

تعثر نيل إلى الوراء.

"لقد رحلت. تدربت. قاتلت في معارك لا تهم... بينما كنا نحترق".

صرخ نيل: "لا! أنا—لم أكن أعرف أن هذا سيحدث بينما كنت بعيدًا. لم أقصد—"

أجهش الصبي بالبكاء ثم تحول صوته إلى نبرة تهديد مظلمة: "لقد تركتني وحدي!". صرخ الصبي وتحور صوته: "متنا بينما كنت تطارد القوة! ما فائدة قوتك إذا جاءت متأخرة جدًا؟!".

بدأ شكله يتحول. من طفل مغطى بالرماد إلى شيء مرعب. تحولت يد الصبي إلى نصل مسنن تلتف حوله نيران برتقالية، وعيناه الآن تلمعان بغضب جامح. انقضّ الوهم عليه:

"أنت لا تستحق أن تحمل ذكراهم".

تعليقات

المشاركات الشائعة