الفصل (69) المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي,



### **الفصل التاسع والستون: محاكمة أليرا [3]**

ثم جاء ذلك الصوت.

لم يكن صوت "النظام"، ولم يكن صوت إنسانٍ أو وحش. بل كان صوت روحٍ شريرة. الصوت الذي تكرهه أكثر من أي شيءٍ آخر. الصوت الذي يطاردها كل يوم، ينخر في روحها ببطء، قطرةً قطرة.

لقد جذبها بقسوةٍ إلى واقعها الأليم.

لم يتحدث الصوت بكلماتٍ مسموعة، بل تردد صداه في نخاع عظامها، وفي الفراغ بين أضلاعها. كان قديماً، مدوياً، غير مرتفع لكنه لا مفر منه، كأن الأرض نفسها هي التي صاغت الكلمات:

"هل تندمين لأنكِ لم تموتي معهم؟"

علق السؤال في الهواء كنصلٍ مسلطٍ على رقبتها. لم تُجب أليرا. حبست أنفاسها مرةً ومرتين، لكن وجهها ظل قناعاً من حجر، منحوتاً من صمتٍ صلب وعناد.

"هل لا تزالين تحملين ذنب البقاء على قيد الحياة؟"

مجدداً، لم تنبس ببنت شفة. لكن جسدها خانها؛ انطبقت أسنانها بقوة، وتصلب فكها لدرجة أن عضلاتها برزت بوضوح تحت بشرتها. توترت أوتار رقبتها، وتحولت أصابعها إلى قبضتين، وغاصت أظافرها في كفيها حتى سالت الدماء.

توالى زمجرٌ منخفض عبر السهول، صوتٌ كان حضوراً أكثر منه ضجيجاً، هز الرماد تحت حذائها. تكاثف الهواء، مشحوناً بشيءٍ بدائي.

تحرك الرماد.

ثم... ظهر ذلك الكابوس غير المدعو.

من ضباب ذكرياتها، انبثق كابوسٌ متجسد. وحشٌ بجمالٍ مستحيل ورعبٍ لا يوصف، حركاته انسيابية، مفترسة، وكل خطوة منه كانت وعداً صريحاً بالعنف.

"أشمان".

كان هائلاً، جسده يتموج بالقوة، وفراؤه يلمع ببريقٍ غير طبيعي، يكاد يكون سماوياً. كل خصلةٍ فيه كانت حية، مضفرة بجوهر النار والرياح والبرق، تومض وتلتوي كأن العناصر ذاتها مسجونة داخل فروه. تلوح خلفه ثلاثة ذيولٍ عظيمة، كلٌ منها سلاحٌ للدمار المحض؛ واحدٌ تغلفه ألسنة اللهب، وآخر يفرقع بالكهرباء، والأخير يقطع الهواء بعواصفٍ حادة كالشفرات. كانت عيناه تحترقان كشمسين توأمين، ذهبيتين وقاسيتين، تخترقانها بذكاءٍ بعيدٍ كل البعد عن الوحشية. وأنيابه... طويلةٌ بما يكفي لاختراق رجلٍ بالكامل، ولا تزال تلمع برطوبة الدماء القديمة.

ومضت كلماتٌ أمام عينيها، التقييم البارد للنظام:

**المستوى: ؟؟؟**

**الاسم: الطاغية أشمان**

كشبحٍ متجسد، تلاشت في ومضة من الظل والانتقام. انطلقت بخنجرين، أحدهما أسود كالخطيئة، والآخر فضي كضوء القمر، قاطعةً المسافة في لمح البصر.

**طنااان!**

ارتدت ضربتها الأولى دون أن تترك أثراً على فراء الوحش المتلألئ، وسرت صدمة الاصطدام في ذراعيها. وقبل أن تتمكن من رد الفعل، انقض مخلبٌ هائل تغلفه نيران الجحيم نحو جسدها. التفتت أليرا في الهواء، جسدها كزنبركٍ من القصد القاتل، وانقلبت جانبياً في دوامةٍ من الظلال والصلب.

تشبثت قدماها ببرجٍ عظمي ناتئ، وأدى الارتطام إلى تشقق الهيكل العظمي بينما أطلقت نفسها للأمام كقذيفةٍ حية، والخناجر تلمع بهدفٍ دموي. حلت الضربة، لكنها كانت عقيمةً لا معنى لها. كان نصلها كالريش الذي يداعب الحجر. لم يرتجف الوحش، لم ينزف، ولم يهتم لوجودها من الأساس.

لكن رد "أشمان" كان فورياً وحاسماً.

انفتح فكٌ واسع بما يكفي لابتلاع حصان حربٍ كامل، حفرةٌ من الأنياب المتلألئة والظلام النابض، تنبعث منها رائحة الجثث نصف المهضومة واللحم المحروق بالبرق. جاءت العضة أسرع من الفكر، أسرع من التنفس، وأطبقت الفكوك بقوةٍ كافية لسحق الفولاذ.

تلاشت أليرا. **<ومضة>**

ظهرت مجدداً على بعد شعرةٍ من عناق الموت، والريح المتبقية من العضة تداعب شعرها، فقط ليكون ذيل الوحش، المغلف برياحٍ عاصفة، قد تقوس بالفعل نحو جمجمتها.

**<السير في الظلال>**

ذاب جسدها في دخانٍ تماماً كما حطم الذيل الأرض حيث كانت تقف، وأرسلت موجة الصدمة الحطام كالشظايا. ظهرت مجدداً، ركبتاها منحنيتان، وأصابعها تغرس في التراب للتوازن— بينما كانت طاقةٌ مظلمة تنبض في عروقها كالليل السائل. استجابت الظلال، متسربةً عبر عضلاتها وعظامها والهواء المحيط بها.

ارتجف الفضاء نفسه وهي تتسلل بين اللحظات، بين الأنفاس، وجسدها يرتجف كشمعةٍ في إعصار. جاء اندفاع الوحش التالي، بفكين كفخ الدب، وأنيابٍ تفرقع بالكهرباء، لكنها كانت قد رحلت بالفعل، بينما كانت خناجرها ترسم شقاً وحشياً عبر خاصرته في منتصف مراوغتها.

اصطدم الصلب بالجلد، مولداً شرارة.

ثم ساد الصمت.

لكن لا يزال لا شيء. لا قطرة دم. لا خصلة فراءٍ واحدة مقطوعة. ولا حتى خدش.

انشق العالم عن زئير "أشمان" الجوابي. انفجر البرق من عُرفه في عاصفةٍ كارثية من الغضب الأزرق والأبيض، كل صاعقةٍ تحرق الهواء برائحة الأوزون واللحم المتفحم. تحركت أليرا في ومضةٍ من اليأس والتحدي، ملتفةً في شقلبةٍ خلفية بينما انفجرت العاصفة حولها.

اشتعلت أطراف عباءتها، وألسنة اللهب تلتهم القماش بنهم، والحرارة الحارقة تلسع بشرتها بينما نجت بأعجوبة من التحول إلى رماد. ارتطمت بالأرض بقوة، حذاؤها يحفر خنادق في التراب وهي تنزلق للخلف، والأرض تتناثر خلفها كالشظايا. كانت رئتاها تحترقان. وعضلاتها تصرخ.

*لا تزال قوية جداً...*

"أنتِ لا تزالين تترددين."

لم يكن الصوت في رأسها فحسب، بل في عظامها، يهتز في نخاعها كعنة. "نصلكِ يرتجف. تماماً كما في المرة السابقة."

"لا،" فحيحت بأسنانٍ مطبقة لدرجة أن فكها تألم. "اصمت!"

لكن الصوت لم يتوقف. نما، متسللاً عبر عقلها كالسم. "والداكِ ماتا بسببكِ. لقد أخذتِ القوة التي كانت تمتلكها والدتكِ. أنتِ من قتلتهم. أنتِ لا تستحقين. أنتِ هاربة. هاربة! وجبانة!"

"لااااااا!"

تمزقت صرخةٌ من حلقها، نصفها غضب، ونصفها عذابٌ ممزق، خامٌ لدرجة أنها أدمت حلقها. اندفعت للأمام مجدداً، خناجرها تلمع بغضبٍ يائس.

"استسلمي. لن تنتقمي لهم أبداً... لأنكِ أنتِ من اغتلتهم. قاتلة!"

التوى الصوت، ينخر في سلامتها العقلية، يتغذى على شروخ روحها.

ثم، تحرك "أشمان".

انقض، كموجةٍ عارمة من العضلات والحقد، وهيئته الضخمة تحجب السماء.

تفاعلت أليرا. **<خطوة الضباب>**

ذاب جسدها، منصهرةً في بخارٍ بينما كانت مخالب الوحش تمزق الهواء الخاوي. ظهرت مجدداً تحت بطنه في وضعيةٍ قاتلة، الخناجر موجهةٌ للأعلى في ضربةٍ مميتة.

غاصت بها عميقاً.

لا شيء. لا تمزقٌ في اللحم. لا سيلٌ ساخنٌ من الدماء. ارتدت نصولها عن فراء الوحش كأنها تضرب الألماس. لم يرتجف "أشمان" حتى.

وضحك الصوت. "إنها عبثية."

تفاعل "أشمان". قفز عالياً في الهواء وضرب بذيوله.

**<قطع الريح>**

تعليقات

المشاركات الشائعة