الفصل (69) Maylily
تجرعت "مايليلي" إهانتها، وعضّت على شفتها بقوة حتى كادت عيناها تترقرقان بالدموع. كان شعورها بالجمود كتمثال حجري أمام الكونت أكثر قسوة من أي شيء آخر.
تراجع انزعاج "هيو" قليلاً، فأمسك بساق "مايليلي" ووضعها على ركبته. استسلمت "مايليلي" للأمر دون مقاومة، وأطاعت بصمت. فكّ الضمادة التي وضعها بالأمس على القطار، وبدأ يضع مرهمًا على موضع الإصابة بيدين دقيقتين وبارعتين. لم تكن الجروح عميقة، لذا لن يستغرق شفاؤها وقتًا طويلاً.
بينما كان "هيو" يرتب أدوات الإسعافات الأولية، شعر بنظرات "مايليلي" تراقب صدغه، فالتفت إليها غريزيًا. سرعان ما أشاحت "مايليلي" بصرها، وكأنها ضُبطت وهي تنظر إلى شيء لا يروق لها.
كان "هيو" يلاحظ نمطًا متكررًا: كلما اقترب، ابتعدت. وكلما مد يده، تراجعت. لم يعجبه هذا النوع من "لعبة الغميضة" الجديدة. في تلك اللحظة، عاد الشعور بالفراغ الذي كان يظن أنه تخلص منه يسيطر عليه مجددًا. الآن وقد استعادها، لم تكن لديه نية للجلوس مكتوف الأيدي مع هذا الشعور المزعج.
تنهد "هيو" بخفوت وهو يربط الضمادة الجديدة، ثم نهض وقال بنبرة هادئة: "استعدي للخروج. سنذهب إلى مكان ما معًا."
عندما غادرا الغابة خلف الملحق، لفحتهما ريح قوية. كانت المصابيح الصغيرة على طول المنحدر تضيء المشهد في غسق المساء.
"إلى أين نحن ذاهبان؟" سألت "مايليلي" وهي تمسك بوشاحها الذي يرفرف مع الريح، وعيناها مليئتان بمزيج من الفضول والخوف.
"لماذا؟ هل تظنين أنني سأختطفك إلى مكان ما؟"
"أليس هذا ما يحدث بالفعل؟"
كان ردها جريئًا ومناقضًا تمامًا لنبرتها الهادئة المعتادة. نظر إليها الكونت بذهول، ثم انفجر ضاحكًا وبدأ ينزل المنحدر. "لقد وصلنا تقريبًا."
بينما كانت "مايليلي" تتمسك بذراعه، نظرت إلى أسفل المنحدر واتسعت عيناها، وانعكست أشعة الشمس الغاربة في بؤبؤيها.
"واو..."
كانت شمس حمراء متوهجة كالمعدن الساخن معلقة في أفق لا يحجبه شيء. وتحتها، امتد أفق لا نهاية له. كانت المياه الزرقاء العميقة تلمع كالذهب تحت ضوء الشمس، وحملت الرياح القادمة من ذلك الامتداد الشاسع رائحة ملحية لم تعرفها "مايليلي" من قبل.
"...البحر."
أدركت بحدسها ماهية هذا المشهد غير المألوف والمذهل. أدركت حينها ما كان يقصده عندما قال إن عليهما رؤية البحر. لم تكن تدرك من قبل أن أراضي الكونت تحد المحيط.
"هل نذهب إلى الأسفل قليلاً؟" سحبها الكونت من يدها بينما كانت غارقة في تأمل المشهد. تابعت "مايليلي" المسير، تراقب شعره الأسود الذي يتمايل بهدوء مع نسيم البحر.
في نهاية الطريق، التقى البحر بساحل واسع من الحصى والصخور. تبعت "مايليلي" حركة الأمواج التي تندفع نحوهم ثم تتراجع، وأطلقت العنان لنظرها نحو البعيد. كلما اصطدمت الأمواج العالية بالشاطئ بقوة، كانت "مايليلي" ترتجف لا إراديًا، وتتوتر أصابعها التي كان يمسكها الكونت.
ابتسم الكونت وهو ينظر إليها: "يبدو أنها ستمطر قريبًا. قبل المطر، تصبح الأمواج دائمًا بهذا العنف."
كان البحر عن كثب أكثر ديناميكية وخطورة مما تخيلت. للحظة، شعرت "مايليلي" وكأنها تقف عند حافة العالم، تائهة لا تعرف إلى أين تتجه.
"هل ترغبين في الدخول؟ المياه ستكون باردة لأننا في بداية الصيف." سألها بصوت لطيف حمله الريح، فالتفتت إليه. كانت عيناه تحملان نفس لون البحر الذي كانت تتأمله قبل لحظات.
"حتى مع تلاطم الأمواج بهذا العنف؟" سألت بعينين واسعتين من الدهشة، فضحك الكونت ضحكة خفيفة: "مجرد غمس قدميكِ سيكون كافيًا."
هزت "مايليلي" رأسها ببطء: "أفضل المراقبة فقط. لا أريد الدخول."
نظر "هيو" إليها، كان وجهها الشاحب يتوهج بنعومة تحت ضوء الغروب، لكن التعبير في عينيها كان خاليًا من الحياة. شعر "هيو" بخيبة أمل غامضة؛ فقد كان يظن أنه سيرى بريقًا في عينيها.
أراد "هيو" أن يستحوذ على "مايليلي" تمامًا. وبما أنه لا يزال لا يملك قلبها، فقد لجأ إلى أسلوبه في فرض السيطرة. أدار وجهها نحوه، وأحاط رأسها بيديه وقبّلها. تقبلت "مايليلي" القبلة دون مقاومة؛ فقد تعلمت بوضوح خلال اليومين الماضيين أن المقاومة لا تجدي نفعًا بل تستفزه فقط. كانت تريد تجنب كلماته الحادة التي تذكرها بواجباتها، لذا استسلمت للقدر الذي يقوده إليه الكونت.
في منتصف الليل، اشتد المطر وبدأ يطرق النوافذ بقوة. بعد أن هدأت حدة التوتر بينهما، انسحب "هيو" بهدوء. كانت "مايليلي" منهكة وغارقة في النوم. ارتدى "هيو" رداءه، ومسح على شعرها وقبّل جبينها بلطف، ثم ذهب لإحضار وعاء من الماء ومنشفة.
بينما كانت "مايليلي" غائبة عن الوعي، بدأ "هيو" يمسح بشرتها بعناية بالماء الدافئ (الذي دفأه بحرارة جسده، حيث لم يكن هناك ماء ساخن في الملحق). كان يراقب العلامات على جسدها، ويشعر برضا غريب يملأ الفراغ الذي كان يشعر به طوال اليوم.
شعر "هيو" بنوع من الازدراء الذاتي؛ لأنه غير خططه الطويلة للانتقام من أجل "مايليلي" وحدها، وجلب عشيقته إلى أراضيه دون تردد. ورغم ذلك، لم يشعر بأي ندم. كان يدرك أن هذه المرأة أصبحت تعني له شيئًا مختلفًا.
أراد "هيو سكارد" أن يمتلك "مايليلي أيل" بالكامل. ولأن الطريق طويل، قرر الانتظار. سيملأ الفراغ والجوع في داخله كل ليلة في هذا الانتظار، لأنه يؤمن بأن الشخص الذي سيحقق النصر في هذه "اللعبة" هو نفسه في النهاية.
بعد أن انتهى من العناية بها، غطاها باللحاف، وطبع ابتسامة خافتة على شفتيها لم يلحظ هو نفسه وجودها. استمع إلى صوت المطر وأنفاس "مايليلي" المنتظمة، وكأنها أجمل موسيقى، ثم غادر الملحق في الفجر الباكر وسط السحب العاصفة.



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا