الفصل (68) المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي,
### **الفصل الثامن والستون: محاكمة أليرا [2]**
لكن الاسم مات في حنجرتها قبل أن يكتمل.
هناك، كانت والدتها ترقد بلا حراك، نصف مدفونة تحت حطام المنزل، شعرها الأبيض يتناثر حول رأسها كإكليلٍ متشابك، وجسدها مسترخٍ في محاكاةٍ بشعة لنومٍ أبدي. كانت الأرض تحتها قد اسودّت بفعل الدماء، وثوبها يلتصق ببشرتها في طياتٍ رطبةٍ بلون الصدأ.
لم تلاحظ ذلك من قبل في خضم فزعها، لكنها الآن رأت والدتها ترقد بجانب والدها "هولس"، جسدها شبه مطمور تحت الحجارة، ووجهها متجهٌ نحوه حتى في لحظاتهما الأخيرة. كانت إحدى يديها ممدودة هي الأخرى، وكأن روحيهما رفضتا الافتراق، حتى بينما كان العالم يحترق من حولهما.
ارتجفت شفاه أليرا.
"مـ... ماما؟" همست بكلمةٍ هشةٍ بالكاد غادرت فمها.
زحفت نحو جانب والدتها، أصابعها تحفر في الأنقاض، وأظافرها تتشقق وهي تشق طريقها بين الحطام. التقطت يداها الصغيرتان كمّ ثوب والدتها، تشده بوهن، كأنها تحاول إيقاظها من هذا الكابوس.
"ماما... أرجوكِ... استيقظي... ماما؟"
لم يأتِ أي رد.
تمزقت صرخةٌ من أعماقها، حادة كنصلٍ يغرس في الصدر.
"بابا... أرجوك انهض!" التفتت مذعورة نحو والدها، وصوتها ينكسر كالزجاج. "أعـ... أعدك لن أكون مشاغبة مجدداً! سأتدرب بجدية—سآكل كل الخضروات—سأسمع كلامك—سأ... سأفعل كل شيء! أرجوك... أرجوك فقط... انهض...!"
انهمرت الدموع كالسيل، ساخنةً لا تتوقف، تتساقط على وجنتي والدها الشاحبتين وعلى أصابع والدتها الهامدة. هزتهما، تشبثت بهما، ضغطت بوجهها على صدر والدتها وصرخت، صرخةً بائسةً لدرجة أنها بالكاد بدت بشرية. صرخةٌ لم يكن على أي طفلٍ أن يطلقها أبداً.
كان جسدها يختلج مع كل شهقةٍ متقطعة، وأضلاعها تؤلمها كأن قلبها يحاول خمش طريقه للخروج. انحصر العالم في إيقاع نبضها الخاص، ذلك الخفقان الثقيل والصامت الذي غطى على كل شيء إلا الحقيقة: لقد رحلوا. لقد ماتوا.
وفجأة.
انطلق زئيرٌ مزق الليل كأنه رعدٌ مُجسّد، صوتٌ وحشيٌّ غليظ اهتزت له عظام أليرا وأسنانها، وتغلغل في الهواء الذي تستنشقه. شعرت به قبل أن تسمعه؛ ارتعاشةً بدائية في الأرض، تحذيراً من العالم ذاته.
التفتت—
وهناك وقف.
"أشمان".
مخلوقٌ من الكوابيس تجسد في لحمٍ ودم، هيئته الضخمة مغلفةٌ بوهجٍ مخيفٍ ومضطرب. ثلاثة ذيولٍ عظيمة تلوح خلفه، كلٌ منها ينبض بغضبٍ عنصري؛ واحدٌ تغلفه النيران، وآخر يفرقع بالبرق، والأخير يدور برياحٍ قاطعة. كانت فكوكه تقطر دماءً، وخيوطٌ من اللحم نصف الممضوغ لا تزال معلقةً بأنيابه التي تشبه الخناجر.
لكن الأسوأ من ذلك كله كانت عيناه؛ ذهبيتان، بؤبؤاهما مشقوقان، تحترقان بضغينةٍ مرعبة ومحسوبة حين استقرتا عليها.
ابتسم الوحش.
توقف تنفس أليرا. تجمدت أطرافها.
اتخذ الوحش خطوةً للأمام، متعمدةً وغير متسرعة، مخالبه تغوص في الأرض مع صوت طحن الحجارة المكسورة. كل خطوة كانت تتردد في الحديقة المحطمة كدقاتِ جرسِ جنازة.
"لا—لا!! ابتعد عني!!"
كان صوتها شيئاً حاداً ومكسوراً، بالكاد بشرياً. تراجعت للخلف، يداها تنزلقان في دماء والدتها، لتلطخ بها صدرها كجلدٍ ثانٍ بشع. رائحة الحديد ملأت أنفها، ثقيلةً ومثيرة للغثيان.
لم يتوقف "أشمان".
"ماما! بابا! أنا خائفة! ساعدوني! أحداً ما! أرجوكم! أي شخص! ساعدووووووني!!"
تلاشت صرخاتها إلى رعبٍ بلا كلمات، وجسدها يرتجف بعنفٍ لدرجة أنها لم تستطع الحركة. لكن لم يأتِ أي رد. فقط طقطقة اللهب الجائع الذي يلتهم ما تبقى من بيتها، فقط همس الريح بين الجثث، كأن الموت ذاته يتنهد في أذنها.
اصطدم ظهرها بشيءٍ صلب؛ تمثالٌ ساقط، وجهه الرخامي محطم ويداه الحجريتان مكسورتان.
لم يعد هناك مكانٌ للهرب.
لم يعد هناك مكانٌ للاختباء.
أطل "أشمان" فوقها، أنفاسه ساخنة ومُنتنة، وعيناه الذهبيتان تلمعان بمتعةٍ قاسية. رفع مخلبه.
ثم.
ومضة.
اندلع ضوءٌ ذهبيٌ من حولها، قبةٌ متألقةٌ من الطاقة كانت تطنُّ بقوةٍ قديمة. اشتعلت الرموز في الهواء، رموزها تدور كنصوصٍ سماوية، ووهجها يلقي بظلالٍ طويلةٍ ومرتجفة عبر الأنقاض. في مركز كل ذلك، كانت قلادة، تومض بقلادتها بحمايةٍ غاضبة.
تحفةٌ من الدرجة الملحمية.
آخر هدية من والدها.
ارتطم مخلب "أشمان" بالحاجز، فارتدَّ في وابلٍ من الشرر، بينما كان الوحش يزأر ويتراجع للخلف.
صرخت أليرا، متكورةً على نفسها، ذراعاها تلفان رأسها كأنها تحاول التلاشي داخل ذاتها. عوى الوحش، صوتاً من الإحباط والغضب، وذيوله تلوح، ومخالبه تخدش أخاديد عميقةً في الأرض وهو يدور حولها كذئبٍ حُرم من فريسته.
"أريد ماما— أريد بابا. أرجوكم! أرجوكم! لا أريد أن أكون وحيدة! لا تتركوني هنا! سأكون مطيعة—سأكون شجاعة—سأكون قوية! أرجوكم، فقط عودوا!!"
كان صوتها شيئاً مكسوراً، يداها الصغيرتان تتشبثان بالفراغ، تحاولان الإمساك بأطياف.
لا يزال لا أحد يجيب.
فقط شهقاتها.
فقط أنفاس الوحش الثقيلة والجائعة.
فقط التداعي البطيء والحتمي لضوء الحاجز.
حتى.
ومضةٌ من برقٍ أزرق.
انشقت السماء.
دويٌّ صاعق من القوة، موجةٌ صادمة أرسلت الحطام متطايرة، وبينها وبين الوحش، هبط شخصٌ بقوةٍ هزت الأرض.
الدوق "بولستر".
كان سيفه يلمع، حافته تنبض بالطاقة، وعباءته تلوح كأجنحة ملاكٍ منتقم. خلفه، تجسد الجنود من الدخان، دروعهم تلمع، وأسلحتهم مشهرة.
لكنهم كانوا متأخرين.
متأخرين جداً.
كانت المعركة التي تلت ذلك عاصفةً من العنف، سيوفٌ تتصادم، تعاويذ تنفجر، والأرض نفسها تتشقق تحت قوة ضرباتهم. لكن أليرا لم ترَ شيئاً من ذلك.
لم ترَ سوى وجوه والديها الخاوية.
لم تسمع سوى صوتها الخاص، يتلاشى وينكسر، حتى ابتلع الإرهاق صرخاتها.
ثم شعرت بلمسةٍ دافئة ولطيفة.
أذرعٌ، قوية لكنها حنونة، ترفعها. رائحةٌ مألوفة من الصلب والصنوبر وشيءٍ يشبه الأمان. صوت "ديريك"، خشنٌ لكنه ثابت، يهمس بكلماتٍ لم تستطع فهمها.
جسدها، الذي دُفع بالفعل إلى أقصى حدوده، استسلم أخيراً.
ابتلعها دالظلام.
ولبعض الوقت، على الأقل، لم يعد هناك المزيد من الألم.



تعليقات
إرسال تعليق
تعليقاتكم تشجعنا