الفصل (67) المغامر من الرتبة SSS هو كاهن إلهي,

 


### **الفصل السابع والستون: محاكمة أليرا [1]**

وقفت "أليرا" أمام مدينةٍ محطمة، كانت يوماً ما تسميها "الوطن".

في تلك الليلة، لم تحمل السماء أي دفء، وكانت النجوم فوقها تبدو كأنها تخنق الأنفاس. فضاءٌ شاسع لا مبالٍ انطبق عليها، بظلامه اللامتناهي المرصع بنقاط ضوء باردة وقاسية. لم تكن تلك النجوم تلمع، ولم تكن تضطرب؛ بل كانت تحدق فحسب، دون أن يرمش لها جفن، كأنها عيون ألف قاضٍ صامت.

لقد راقبت تلك النجوم المذبحة وهي تتكشف، وشهدت كل صرخة، كل سقوط، وكل رمق حياةٍ أخير يُطفأ تحت نظراتها الباردة. والآن، كانت تراقب أليرا، كأنها تنتظر لترى ماذا ستفعل. كان الهواء كنصلٍ من جليدٍ على بشرتها، والريح كانت جوقةً حزينة تنوح عبر أنقاض ساحة المعركة، حاملةً معها رائحة اللحم المحترق والحديد المبتل، عبق الخشب المتفحم والمرارة اللاذعة للدماء المسفوكة.

كانت الأرض تحت حذائها مقبرةً من الصلب والعظام المحطمة، أرضاً يباباً بدا أنها تذرف الرماد بدلاً من الدموع. كانت الأسلحة ملقاةً كألعابٍ مكسورة لآلهةٍ قاسية؛ سيوفٌ انكسرت عند المقبض، رماحٌ غُرست عميقاً في التراب، وسهامٌ انغرست في ظهور الساقطين. أما الدروع، التي كانت يوماً شعاراتٍ فخورة للبيت والشرف، فقد كانت مشطورةً نصفين، وبقاياها المتشظية تبرز من الطين كشواهد قبور.

وهناك، في المنتصف، مدفونةً في القذارة، كانت راية "بيت مور"؛ الأيدي الذهبية المتشابكة في قسمٍ مقدس، ممزقةً إرباً، وقماشها متصلبٌ بدمٍ جاف، يرفرف في الريح كأنفاسٍ أخيرة ومرتجفة لشيءٍ يحتضر.

وفي قلب كل هذا، استلقى جسدان.

كان والدها ملقىً على جانبه، وجهه متصلب في تعبيرٍ من الألم المطبق، وفمه لا يزال مفتوحاً حول صرخةٍ أخيرةٍ صامتة. لكن عينيه كانتا لا تزالان تشعان؛ حتى في الموت، كانتا شرستين، لا تلينان، وأصابعه كانت ملتفةً كأنه لا يزال قادراً على الوصول إلى سيفه، كأنه لا يزال قادراً على النهوض والقتال. لكن الأرض قد استردت حقها. لقد نالت المعركة ما تستحقه.

وبجانبه، كانت والدتها تكاد تغيب تحت الحطام، مسحوقةً تحت عوارض خشبية لآلة حربٍ ساقطة، وجسدها نصف مغمور في بركةٍ سوداء من دمائها. كانت إحدى ذراعيها ممدودة، كأنها كانت تزحف نحو زوجها في لحظاتها الأخيرة، كأنها حتى في تلك اللحظة، رفضت أن تنفصل عنه.

وقفت أليرا هناك، أنفاسها متقطعة في حلقها، ويداها ترتجفان بجانبيها.

"أنا أتذكر هذا،" همست وهي تضغط قبضتها.

لم يكن غياب الشمس، ولا الدخان الخانق الذي كان يلتف حول أنقاض بيتها كأفاعٍ من رماد، هو ما جعل تلك الليلة بلا دفء. ولم يكن الطريقة التي كانت بها النيران ترسم الليل بألوانٍ جهنمية، محولةً العالم إلى جرحٍ نازفٍ من الجمر والظلال. بل كانت النجوم.

كانت معلقةً هناك، بعيدةً لا تتزحزح، وضوؤها البارد سخريةً من الرحمة. كانت تراقب—دائماً تراقب—بينما كان الوحش يشق طريقه عبر اللحم والحجر، وبينما كانت الصرخات ترتفع وتخفت كجوقةٍ تحتضر. لم يكن ضياؤها يواسي؛ بل جعل الجثث تلمع بخفوت، وعيونها الزجاجية تعكس السماء التي تخلت عنهم.

تعثرت "أليرا" الصغيرة للأمام، قدماها الصغيرتان تنزلقان في الدماء التي جعلت حجارة الفناء ملساء. خفاها، اللذان كانا يوماً ناعمين ومطرزين بخيوط الفضة، كانا الآن غارقين في الدماء، والقماش يلتصق ببشرتها مع كل خطوة. ثوبها، الذي كان أبيض كالثلج قبل ساعاتٍ قليلة، صار خراباً من السخام والقرمزي، والدانتيل ممزقاً بأصابع يائسة وهي تزحف عبر الحطام.

كان شعرها، الذي يحمل فضة ضوء القمر، يلتصق بوجهها في تشابكاتٍ مبتلة، ودموعها تحفر خطوطاً نظيفة عبر الأوساخ على خديها. فتحت فمها وصرخت حين هز انفجارٌ آخر الليل، كان الصوت خاماً، حيوانياً، لكن لم تأتِ أي إجابة.

لم تمتد إليها أي يد.

لم تجمعها أي أذرعٍ لتضمها إليها، ولم تخفق أي دقات قلبٍ ضد أذنها لتخبرها أنها بأمان.

لم يهمس أي صوت، ناعمٌ وعذب كتهويدة، قائلاً: "لا بأس الآن يا صغيرتي، ماما هنا."

بدلاً من ذلك... وجدت والدها. في قلب كل هذا الحطام.

كان مستلقياً حيث سقط، أطرافه ملتوية بزوايا غير طبيعية، كدميةٍ قُطعت خيوطها في منتصف الرقصة. كان سيف والدها، الذي أقسم أنه لن ينكسر أبداً، ملقىً قطعاً بجانبه، فولاذُه محطمٌ كأن الآلهة نفسها هي التي ضربته.

كانت عيناه لا تزال مفتوحتين، متسعتين بشيءٍ أسوأ من الألم؛ حزنٌ شاسعٌ جداً لدرجة أنه جمّده في لحظته الأخيرة، ونظراته مثبتة على شيءٍ ما، شخصٍ ما، لا يزال بعيداً عن متناول يده. كانت ذراعه ممدودة، وأصابعه ملتفة كأنه لا يزال قادراً على الإمساك بهم، لا يزال قادراً على سحبهم بعيداً عن حافة الموت.

وقفت أليرا هناك، صغيرةً ومرتجفة، الكائن الحي الأخير في مقبرةٍ من الذكريات. لم تقل النجوم شيئاً. ولم تحمل الريح سوى رائحة الدم والاحتراق. واستمر الليل، لا نهائياً وبارداً.

تجمدت أليرا.

تلاشى العالم إلى خطوطٍ من الألوان والأصوات—دخانٌ يلتف، جمرٌ يتطاير، طعم الدم المعدني يثقل الهواء، كل ذلك تلطخ ببعضه كأن نسيج الواقع نفسه قد تمزق.

"لاااااااااا!.."

تمزقت الصرخة من حلقها، خشنة ومتحشرجة، صوتاً خاماً لدرجة أنه خدش رئتيها بالدماء. تمايلت للأمام، ساقاها تتهاويان تحتها، يداها تتخبطان فوق الحجر المكسور والأرض الملساء وهي تلقي بنفسها نحو والدها.

اصطدم جسدها الصغير بجسده، ذراعاها تلتفان حول صدره في عناقٍ يائسٍ ومُطبق.

لكنه لم يضمها.

الأذرع التي كانت يوماً ترفعها في الهواء، التي كانت تدسها في فراشها مع زمجراتٍ لعوب، التي كانت تعصرها بقوة حتى تضحك وتتململ—كانت الآن متصلبةً لا تلين. الدفء الذي كان دائماً يشع منه، رائحة الجلد والصلب واللمحة الخفيفة من دخان الغليون، كانت قد اختفت. وحلّ محلها سكونٌ باردٌ لا يشعر.

"بابا، توقف عن لعب هذه اللعبة السخيفة!" كان صوتها حاداً، مرتجفاً، وأصابعها تتشبث بقميصه. "لم يعد الأمر مضحكاً بعد الآن! بابا، أرجوك!!"

ضغطت بوجهها ضد صدره، منتظرةً هدير ضحكته، منتظرةً الطريقة التي كان يهتز بها صدره عندما يتظاهر بأنه دب، منتظرةً القبلة التي كان يطبعها على قمة رأسها. لكن لم يكن هناك شيء.

فقط صمت. فقط الغياب الرهيب والخاوي لنبضات القلب.

ثم فجأة، انتفض جسدها واقفاً، شرارةٌ من أملٍ محمومٍ تشتعل في صدرها.

"ماما—!"

تعليقات

المشاركات الشائعة