الفصل (58) I will be the perfect wife this time,



تغير تعبير وجه ليون، وتحول هدوؤه إلى غضب مكتوم. تراجع بجسده إلى أعماق أريكة المخمل، وضيق عينيه.

"إذًا؟" تحدى بلهجة مشوبة بفتنة مظلمة.

"كنتِ تعلمين أنه مسموم، ومع ذلك شربته على أي حال؟ وماتياس لديه الوقاحة لإنكار الأمر عندما أخبره أننا عائلة من المجانين. لماذا يا إميليا؟ لماذا تجرعتِ اللقمة التي كنتِ تعلمين أنها ستقتلكِ؟"

"لا تجب على السؤال بسؤال آخر"، ردت ببرود، بينما كان صوتها ثابتاً رغم السم الذي بدأ يسري في جسدها. "لماذا تخطط لإنهاء حياتي في المقام الأول؟"

"أولاً، أنا لا أخطط لقتلكِ"، صرح ليون ببرود. "سأعطيكِ الترياق بعد بضع ساعات. لكن التفسير... ذلك يحتاج إلى وقت."

مالت إميليا للأمام، ونظراتها تخترق عينيه. "هل الأمر يتعلق بـ لايلا؟ لقد ذكرتَ اسمها قبل لحظات."

"نعم"، أجاب ببساطة. "يتعلق بها."

دون كلمة اعتراض أو ذرة خوف، مدت إميليا يدها نحو فنجان الشاي. رفعته إلى شفتيها وجرعت السائل المتبقي في دفعة واحدة متحدية. نظر إليها ليون بذهول حقيقي. "لماذا؟ لماذا أنهيتِ الأمر الآن؟"

"لقد قلتَ إنه من أجل ليلى"، قالت وهي تضع الفنجان الخزفي بحركة حاسمة. "لا أحتاج لسماع التفاصيل. لم أكن أمزح عندما أخبرتك أنني سأضحي بروحي من أجلها. إذا كان معاناتي ستشتري لها السلام، فليكن الكوب فارغاً."

امتد الصمت بينهما، ثقيلاً ومخنقاً. درسها ليون للحظة طويلة قبل أن يتحدث مجدداً. "من أين تعلمتِ عن هذا السم؟ لقد تحدثتِ عن تاريخ—عن ألفة معه. ماذا تقصدين؟"

انكسر قناع التحدي على وجه إميليا، وحل محله انفصال مفاجئ وبارد كالجبليد. تاهت نظراتها نحو النافذة، متجنبة نظره كما لو كانت تنظر إلى ماضٍ حاولت دفنه. "إنها قصة طويلة"، تمتمت.

"وأنا لدي ميل للقصص"، أصر ليون، بلمعة مفترسة في عينيه. "أخبريني. أليس هذا ما يفعله الأشقاء؟ يتبادلون الأسرار في ضوء المساء الخافت؟"

"تقصد... بصرف النظر عن تسميم بعضنا البعض؟" سألت بابتسامة مريرة وجافة.

"نعم"، أجاب ليون بصوت منخفض كالحرير البارد. "بما في ذلك هذا."

"حدث ذلك قبل ثلاث سنوات"، بدأت إميليا، وصوتها ينخفض إلى همس أجوف. "والدك... والدنا... جاء ليبحث عنا. أشك أنك كنت تعلم؛ فقد جاء عدة مرات. في كل مرة، كان يطالب برؤية أمي. كانت ترفضه. في البداية، تراجع بسرعة، لكن إصراره سرعان ما تحول إلى شيء أكثر شراً."

اندفعت الذكريات بقوة، لتضربها كأنها ضربة جسدية. زغت عيناها كما لو أن الماضي كان ينزف في الحاضر.

"ثاليا! ثاليا، افتحي هذا الباب!" كان صوته كنصل مسنن ضد الخشب. في الداخل، كانت ثاليا تسند كامل ثقلها ضد الباب، وابنتاها تلتفان حولها كطيور مذعورة.

"ارحل! لا أريد شيئاً من شخص حقير مثلك!" صرخت.

"سأرحل الآن"، كان يسخر، "لكنني سأعود غداً. لا يمكنك الهروب مني."

"عاد يومياً تقريباً لمدة شهر"، تابعت إميليا، ويدها ترتجف قليلاً. "ظلت أمي كالحصن، وهو كالحصار العنيد. لم أفهم قط القدرة الهائلة التي كان يمتلكها ليظهر وجهه بعد كل ما حدث. ثم كان ذلك اليوم... اليوم الذي انكسر فيه الصمت."

أخذت نفساً متقطعاً. "لم تكن أمي في المنزل. و ليلى كانت بعيدة أيضاً. جاء مخموراً، تفوح منه رائحة النبيذ الرخيص والاستياء القديم. كان يطرق الباب بإيقاع هستيري. صرختُ عبر الخشب: ’إنها ليست هنا! ارحل!‘"

"كان ذلك هو المحفز. إدراكه أنني وحدي منحه قوة عنيفة ومفاجئة. ألقى بنفسه على الباب. اقتحم المكان كالعاصفة."

 خافت إميليا ، وتضيق حلقها. "نظرتُ إليه بعينين واسعتين من الرعب، أبتلع خوفي. ’ثاليا... إنها ليست هنا‘، تلعثمتُ."

"مسحت عيناه الزجاجيتان الغرفة الفارغة قبل أن تستقرا عليّ. ’أنتِ...‘ تنفس بصوت أجش ومقزز. ’أنتِ تشبهينها كثيراً. تماماً مثل ثاليا.‘"

"تراجعت خطوة للوراء، وغرائز تصرخ. ’أنا إميليا‘، همستُ."

"’إميليا...‘" سخر، وهو يزيح شعره بيده الغاضبة والمحمومة. ’تلك العاهرة ثاليا... كيف تجرؤ على تجاهلي؟ كيف تجرؤ على معاملتي كشبح؟‘"

"ثم تغيرت نظرته. زحفت فوقي، من رأسي حتى أخمص قدمي، مدفوعة بشهوة مفترسة ومفاجئة. ابتسامة مرعبة التوت على شفتيه. ’أعرف بالضبط كيف أجعلها تدفع الثمن‘، تمتم."

"اندفع نحوي، وأصابعه تترك كدمات على جلدي وهو يسحبني إليه. شعرتُ بقشعريرة عنيفة بينما انتهك لمسه مساحتي الشخصية. دفعته بكل قوتي. ’ماذا تفعل؟‘ صرختُ. ’هل فقدت عقلك؟ أنا ابنتك!‘"

"ابتسم—بتعبير أجوف ومرعب—بينما بدأ يفك ربطة عنقه. ’لم أعترف بكِ قط كابنة لي‘. ’لا يوجد شيء يوقفني. سأنتقم منها عن طريقكي، وستعرف ثاليا أخيراً ثمن كبريائها.‘"

"أمسكني بقوة وحشية، وتمزق نسيج فستاني تحت يديه. تشبثتُ بالحرير الممزق إلى صدري، ألهث طلباً للهواء، محاصرة في كابوس. ولكن بينما كان يتحرك لينهي ما بدأه، اصطدمت به قوة، جعلته يسقط على الأرض."

"كانت ليلى."

"ألقت بنفسها عليّ، تحمي جسدي المكسور بجسدها. ’إميليا! هل أنتِ بخير؟ هل آذاكِ؟‘ صرخت. لكنني كنت متجمدة. الصمت أفرغني من الداخل؛ الصدمة سرقت صوتي."

نهض والدهما كظل من قاع الجحيم، وعيناه تلمعان بخبث مقزز. التقط زجاجة نبيذ، وبصوت تحطم مقزز، كسرها على ظهر ليلى.

"أيتها البائسة!" زمجر.

أمسكها من شعرها، وسحبها عبر الأرض بينما ترددت صرخاتها ضد الجدران الباردة. ومع ذلك، ظلت ليلى صامدة؛ تشبثت بأختها الصغرى، درعاً بشرياً من التفاني الخالص، تحميها حتى وهو ينهال عليها بالضربات. ضربها مراراً—بعنف إيقاعي وحشي—حتى تلاشت قوتها أخيراً إلى فقدان الوعي.

خطا فوق جسدها المحطم، يعدل ياقة قميصه بلامبالاة باردة. "في المرة القادمة التي أزور فيها هذا الكوخ"، بصق، "من الأفضل أن تكون تلك العاهرة  الأم موجودة هنا."

"ليس لدي بنات"، بصق، والكلمات تقطر بكراهية باردة ومسننة للنساء شعرت بها كشظايا زجاج في الهواء. "أنتن النساء... لستن سوى عقبات. أدوات لإشباع شهوة الرجل. لهذا السبب لم أرغب أبداً في أمثالك كأهل لي."

تلك الكلمات لم تتلاشَ في صمت الغرفة؛ بل حفرت نفسها في نخاع روح إميليا. كانت علامة، ووصمة رفض أعادت تعريف عالمها. لم يعد العنف الذي تقاتله مجرد عنف جسدي—لقد كان إنكاراً تاماً لإنسانيتها.

في اللحظة التي أغلق فيها الباب، لم يكن أول تفكير لدى ليلى هو ألمها الخاص. التفت بوجهها المتورم نحو إميليا، وصوتها مجرد همس ضئيل. "هل أنتِ... هل أنتِ بخير يا صغيرة؟"

انهارت إميليا في ذراعي أختها، ودموعها حارقة. "أنا آسفة جداً يا ليلى بسببي تحملتِ هذه الندوب."

مسحت ليلى دمعة تائهة بيد مرتجفة، ونظراتها تلين رغم الألم. "لا تبكي يا عزيزتي. إنه وحش... لكنني لم أتخيل أبداً أن روحه قد تكون بهذا السواد."

عبر الطاولة، نبضت عروق ليون بغضب مفاجئ وعنيف. "لقد فعل ذلك؟" وصوته يرتجف برعب حقيقي ونادر. "يا إلهي... بالكاد أستطيع تصديق ذلك."

تابعت إميليا، وصوتها ينخفض إلى هدوء أجوف وكئيب.

"كنت أعلم أنه سيعود. كان الرعب شبحاً يتبعني إلى كل ظل. لم أجد مخرجاً آخر، فبحثت عن امرأة في القرية—صانعه للأدوية المظلمة. ومنها حصلت على ’الموت الصامت‘. كان ملاذاً شائعاً في تلك الأيام للنساء اللواتي سعين لإنهاء عذابهن على أيدي رجال قساة. كانت مهمة بسيطة العثور على الحانة التي يقضي فيها لياليه."

توقفت، والذكرى تومض في عينيها كشعلة باردة.

"أنفقت كل قرش أملكه لرشوة الحانة. جلست في الظلال وشاهدت السم وهو يُحرّك في نبيذه. شاهدته يشرب كل قطرة أخيرة، وفي تلك اللحظة، شعرت بسلام لا أستطيع وصفه. وبما أن السم يستغرق ساعات ليحقق هدفه، لم تقع عليّ أي شبهة. لم أشعر قط بذرة ندم. ولا مرة واحدة."

مالت للخلف، وتصلبت نظراتها. "لا أعرف كيف كانت نهايته أخيراً؛ أعرف فقط أنه بعد بضعة أيام، أعلنت الصحف عن وفاته. ذلك اليوم... كان اليوم الذي قررت فيه أن أصبح فارسة. رفضت أن أكون الفتاة العاجزة مجدداً، أشاهد ليلى تتلقى الضربات الموجهة لي. اخترت السيف لأصبح درعاً لها—ولي. لهذا السبب لا أمانع ابتلاع هذا السم الآن، إذا كان من أجلها."

نظرت إلى ليون، بابتسامة مريرة وشاعرية تلعب على شفتيها. "إذاً، ها هي مفارقة قصتنا: لقد استخدمت هذا السم نفسه لأعدام الرجل الذي أنجبنا. واليوم، تقدمه أنت لي. هل نسميها عدالة النجوم؟ أو ربما... مجرد دورة دمائنا."

بينما تلاشت الكلمات الأخيرة من قصتها في الصمت، أصبحت جفون إميليا ثقيلة، مثقلة بعبء الماضي وخمول السم المتسلل.

بدا أن الحياة تستنزف من نظراتها، ولم تترك سوى إنهاك أجوف وزجاجي. انزلق الكوب الخزفي من أصابعها المخدرة، ليتحطم على الأرض في رذاذ من الشظايا البيضاء—صدى هش للفتاة التي كانتها يوماً ما.

انثنى جسدها، وتمايل العالم وهي تستسلم للظلام. بدأت تسقط، وجسدها يميل بخطورة نحو السجاد المليء بالشظايا. لكن ليون كان أسرع.

في ومضة من الحركة، اندفع للأمام، ممسكاً بها قبل أن تصل الشظايا إلى جلدها. سحبها إليه، وصوته همس أجوف يرتجف بأسى جديد وثقيل.

"أنا آسف"، تمتم.. "أنا آسف جداً لأنكِ يجب أن تحملي عبء هذا العذاب وحدكِ."

بآخر بصيص من قوتها، مدت إميليا يدها. لامست كفها خده، بلمسة خفيفة كورقة متساقطة. ابتسامة باهتة ومجهدة ارتسمت على شفتيها—ابتسامة قبول مأساوي.

"لا يهم"، همست، وأنفاسها تتعثر. "إنه شر لا بد منه. اعتنِ بجسدي... أنا أعتمد عليك."

مع ذلك الطلب الأخير، سقطت يدها، وأغمضت عينيها، تاركة إياها تمثالاً صامتاً بين ذراعيه.


تعليقات

المشاركات الشائعة