الفصل (56) I will be the perfect wife this time,



### الفصل 56: رحمة قاسية

"باسم كل ما هو مقدس، أوليفيا، ما هذا الجنون؟"

ارتجف صوت إيزابيلا، واتسعت عيناها بمزيج من الرعب وعدم التصديق.

"بالأمس، كنتِ صورة للروح الطاهره التي تقدم العزاء للآخرين. واليوم؟ اليوم تتحدثين عن القتل. هل أفقدتك المقبرة صوابكِ؟ سأغادر."

"اجلسي،" أمرت أوليفيا، بصوت يشبه المخمل الملتف حول الفولاذ. "أؤكد لكِ أن عقلي لم يكن أبداً بهذه الصفاء."

سخرت إيزابيلا، وكانت يدها تحوم بالفعل فوق مقبض الباب. "أجد صعوبة في تصديق ذلك."

"أنا لن أقتلها، يا إيزابيلا. الآن، اجلسي."

"أوه، أنتِ لن تقتليها؟ يا للعجب، كم أصبحتِ جديرة بالثقة بشكل ملحوظ،" ردت إيزابيلا، وقد غلف خوفها سخرية واضحة.

"أقسم بذلك،" قالت أوليفيا، ونظراتها ثابتة. "الموت ليس هو الهدف. سنقوم فقط بإدخال سم إلى عروقها، لنقدم الترياق بعد لحظات. لن يلحق بها أي ضرر حقيقي."

"لا ضرر؟" رددت إيزابيلا، وضحكة باردة أفلتت من شفتيها. "اسمعيني—لن أكون شريكة في إنهاء حياة لم تؤذني بشيء. لم يكن هذا اتفاقنا أبداً."

باستدارة حادة، فتحت إيزابيلا الباب بعنف، عازمة على الفرار من الجو الخانق للغرفة. لكنها تجمدت.

كان ليون يقف في ظلال الرواق. التقت نظراته بنظراتها—ثاقبة، باردة، وهادئة بشكل مثير للقلق. ساد صمت خانق لفترة طويلة.

"أي اتفاق يكون ذلك؟" سأل ليون، بصوت منخفض وخطير.

تلاشى الدم من وجه إيزابيلا. "منذ... منذ متى وأنت تقف هناك؟"

رسمت ابتسامة ساخرة، خالية من أي دفء، على شفتيه. "وقتاً كافياً لأسمع زوجة أخي تخطط لزوال أختي. أو شيئاً من هذا القبيل."

"ليون، أنا... يمكنني الشرح..." تلعثمت إيزابيلا.

تحولت عينا ليون إلى صوان (حجر قاسٍ)، وتصلب تعبيره إلى قناع من اللامبالاة القاسية. "اغربي عن وجهي يا إيزابيلا. الآن."

"لكن—"

"لا تجعليني اعيد نفس الكلام. اتركنا. لدي بضع مسائل لمناقشتها مع زوجة أخي العزيزة."

منكسرة أمام سلطته، تراجعت إيزابيلا إلى ظلال الرواق.

أوليفيا، التي أصبحت الآن وحدها مع الدخيل، لم تتراجع. راقبته للحظة، وقد استعادت رباطة جأشها.

"أعتذر،" قالت بسلاسة، مشيرة إلى الطاولة الفارغة. "ليس لدي شاي لأقدمه. هل تكتفي بالنبيذ؟"

عبر ليون الغرفة برشاقة مفترسة، وغاص في كرسي واضعاً ساقاً فوق الأخرى.

"ولمَ لا؟ بشرط، بالطبع، ألا تكوني قد تبلتِهِ بـ 'تجربتكِ' الأخيرة."

سكبت أوليفيا السائل القرمزي الداكن في كأسين، ودفعت واحدة نحوه.

"ليس من عادتي قتل أفراد العائلة يا ليون. لا داعي للقلق."

"بالطبع،" قال، وهو ينظر بحدة إلى القارورة المستقرة على الطاولة. "هذا واضح. الآن، هل تكونين كريمة وتوضحي لي؟ أنا فضولي لمعرفة أي فوضى تحاولين جر زوجتي إليها."

ارتشفت أوليفيا نبيذها، وبريق عينيها يلمع فوق حافة الكأس.

"أنت تتحدث وكأنك لم تسمع كل كلمة. وفر عني التمثيل يا ليون، وأخبرني بما تريده حقاً."

"أريد شيئاً واحداً فقط،" أجاب، وهو ينحني للأمام، وظله يمتد عبر الأرضية. "أبقي إيزابيلا خارج مخططاتك. مهما كانت اللعبة التي تلعبينها، فهي لم تعد قطعة على رقعتك."

أمالت أوليفيا رأسها. "لقد أخطأتُ في فهمك. ظننت أنك مهتم بأختك."

"أنا مهتم،" قال بلا مبالاة. "لكن طالما أنكِ لا تنوين وضعها في قبر، فلا يهم كثيراً. لم نكن مقربين بشكل خاص على أي حال."

"تصويت بالثقة، إذاً؟" مازحته أوليفيا.

اختفت ابتسامة ليون، واستبدلت بنظرة جليدية مطلقة. "لا تخطئي يا أوليفيا. أنا لا أثق بكِ على الإطلاق."

أمسك ليون القارورة بين إصبعين، وعيناه مثبتتان على السائل الشاحب وهو يرقص تحت ضوء الشمعة.

"أتساءل،" تأمل بصوت منخفض من الفضول المظلم، "كم قطرة ستكفي؟ اثنتان؟ ثلاث؟ ربما فقط ما يكفي لإيصال رسالة."

"ماذا؟!" همست أوليفيا، وقلبها يتخطى نبضة.

ابتسامة مرعبة لعبت في زوايا فمه.

تحرك ليون نحو الأريكة، وجلس مقابلها براحة بدت مفترسة. "بما أننا تبنينا هذا الجنون كملجأ وحيد لنا، فكرت أنني قد أعرض خدماتي. إيميليا تزورني يومياً، كما تعلمين جيداً. سيكون الأمر أبسط—وأكثر تحفظاً—لو جاء السم من يدي بدلاً من يد إيزابيلا."

"أنت؟ حقاً؟"

"نعم،" أجاب بسلاسة. "ولمَ لا؟"

ساد صمت ثقيل وخانق في الغرفة، لم يقطعه إلا صوت أوليفيا وهي تتحدث بحذر.

"حسناً . أظن أن هذا سيكون أكثر كفاءة. لكن أخبرني يا ليون—هل تصدقني حقاً؟ هل تؤمن بوجود ترياق أصلاً؟"

ومضت عيناه ببريق خطير. "لا. ليس تماماً."

بدون تردد، مدت أوليفيا يدها، وكفها متجهة للأعلى. "إذاً أعطني إياها. سأشربها بنفسي، هنا والآن، تحت عينك ."

أطلق ليون ضحكة قصيرة ومظلمة. "آه، يا أوليفيا، دائماً ما كان لديكِ ميل للدراما."

استند إلى الوراء، والقارورة لا تزال ممسكة بإحكام. "إيميليا قد تسامحني على هذا لو علمت يوماً ما... ولكن ماثياس؟ سيقتلع رأسي لو سمحت لكِ بابتلاع السم للمرة الثانية. وللأسف، أنا مولع جداً بكوني حياً. لذا، سأراهن بثقتي على حياتكِ الخاصة. إذا كانت إيزابيلا تثق بكِ، أظن أنني أستطيع فعل الشيء نفسه."

وفجأة، حطم صوت طرق إيقاعي على الباب هذا التوتر.

"أوليفيا، أنا قادم إلى الداخل،" أعلن صوت. ماثياس.

في حركة واحدة انسيابية، دس ليون القارورة في الجيب الداخلي لمعطفه.

انفتح الباب، ودخل ماثياس الغرفة، وعيناه تضيقان عندما وقعت على شقيقه.

"ما الذي تفعله هنا؟" سأل ماثياس، وصوته ثقيل بالشك.

"مجرد زيارة لزوجة أخي،" قال ليون، وقد تحولت نبرته فوراً إلى قلق عرضي. "بدت مريضة جداً في وقت سابق من هذا المساء، ففكرت في الاطمئنان عليها."

حدق فيه ماثياس لفترة طويلة، وشكوكه كانت ملموسة. "حسناً، انتهت ساعات الزيارة. عد إلى غرفتك."

"كما تشاء،" تمتم ليون، وهو ينهض. "سأترككما بسلام."

لم يمنحه ماثياس نظرة ثانية. تحول كل تركيزه إلى أوليفيا، وعيناه تبحثان في وجهها، ملاحظاً الظلال العالقة تحت عينيها وحالتها المبعثرة.

اقترب منها، وحضوره يهيمن على المساحة بينهما.

"هل تشعرين بتحسن؟" سأل، بصوت أكثر نعومة، رغم أنه لا يزال يحمل ثقله المعتاد.

عادت ذكرى هستيريتها السابقة—الصراخ، الانهيار—إليها كموجة باردة. كان من السريالي النظر في عينيه بعد العاصفة التي أطلقتها. نظرت بعيداً، غير قادرة على مواجهة نظراته.

"أنا بخير،" أجابت، رغم أن الكذبة بدت ثقيلة على لسانها.

جلس ماثياس بجانبها، وحضوره ثقيل وراسخ. وبدون كلمة، مد يده لفك أربطة ثوبها، وأصابعه تعمل بكفاءة صارمة.

"ماذا... ماذا تفعل؟" همست أوليفيا، مذهولة من حميميته المفاجئة.

"أفك ثوبك، كما ترين،" أجاب، بصوت مسطح.

"ولكن لماذا؟"

"هل لديكِ أي فكرة عن مظهرك؟" توقف، وعيناه تمسحانها. "لقد جلستِ أمام ليون بهذا الشكل. ملابسك ملطخة بتراب المقابر، وجهك شاحب، وشعرك... أنتِ حطام يا أوليفيا."

تنهدت، تنهيدة طويلة ومجهدة، وسمحت له بالمتابعة. توجه إلى خزانة الملابس المصنوعة من الماهوجني، واستخرج قميص نوم من الحرير الناعم المتدفق. ساعدها في ارتدائه ببرود سريري، دون أن يلتقي بعينيها أبداً، ودون أن ينطق بكلمة مواساة.

ثم، أخذ فرشاة وبدأ في تمشيط شعرها في صمت. لم تكن لديها قوة للمقاومة؛ استسلمت ببساطة لأفعاله.

وقعت نظراته على يديها، التي لا تزالان تمسكان بالزهور الذابلة من القبر. ومضة من الألم عبرت ملامحه. مد يده ليدها الأخرى ووضع حبة صغيرة في كفها.

"ما هذا؟" سألت، وهي تحدق في الشيء الأبيض الصغير.

"مهدئ. ليس أفيوناً، بل شيئاً وعد الطبيب بأنه سيساعد في... حالتكِ."

"حالتي؟" ارتفع صوت أوليفيا قليلاً. "لا أفهم ما تعنيه."

تنهد ماثياس، وهو ينظر أخيراً بعمق في عينيها.

"أوليفيا، أنتِ محاصرة في أعقاب خسارة ترفضين تركها خلفك. حتى بعد كل هذه الأشهر، مجرد ذكر اسم إلياس يرسلكِ إلى نوبة من الحزن. لم تستطيعي حتى توديعه بشكل صحيح، وعندما زرتِ قبره أخيراً، انهرتِ في هستيريا. قد لا تكونين قد لاحظتِ، لكنني فعلت. الجميع فعل."

"أنا بخير،" أصرت، وصوتها يرتجف. "لا أعرف عما تتحدث."

"ألا تعرفين؟" أشار إلى جسدها النحيل. "انظري إلى نفسك. توقفتِ عن الأكل حتى أصبح جسدكِ مجرد ظل. ترفضين ترك الشبح. انظري كيف تتشبثين بتلك الزهور الميتة."

"ما علاقة هذه الزهور بأي شيء؟ أنت وإيزابيلا تتخيلان أشياء."

"إذاً،" قال ماثياس، وصوته ينخفض إلى مستوى خطير، "أعطني إياها."

"لا. فقط اتركها معي. الأمر بخير."

"أوليفيا، لا تجعليني أكرر. أعطني إياها الآن."

اقترب أكثر، وظله يلوح في الأفق. "لن أجلس مكتوف الأيدي وأراقبكِ تدفنين نفسكِ حية. كنت أشك في أن عقلكِ يتصدع، لكن الطبيب أكد ذلك اليوم. أنتِ تحفرين قبركِ بنفسك."

"قلت لك اتركني وشأني!" صرخت. "أنا عاقلة تماماً!"

في حركة مفاجئة، أمسك ماثياس بيديها. أجبر أصابعها على الانفتاح، واحداً تلو الآخر، بحنان عنيف، وانتزع الزهور من قبضتها.

"ماثياس، توقف! ماذا تفعل؟" توسلت، وصوتها يتهدج.

لكنه كان لا يلين. "تجاهلت هذا لفترة طويلة جداً. أنتِ تضيعين نفسكِ في الجنون يا أوليفيا. متى ستتجاوزين هذا؟ متى؟"

"لقد كان ابني!" صرخت، والكلمات تمزق حلقها.

"لقد كان ابني أيضاً!" زأر ماثياس رداً عليها، وقد تحطم رباطة جأشه أخيراً. "قطعة من روحي! لكن لا يمكنكِ العيش في المقبرة إلى الأبد."

وقف شامخاً، وحشر الزهور في جيب معطفه.

"عندما عدنا من الجنازة، أصدرتُ الأمر. تم إفراغ غرفة إلياس. أرسلتُ ممتلكاته إلى دار الأيتام. قال الطبيب إنها الطريقة الوحيدة."

تردد صدى صوت الصفعة في الغرفة الصامتة.

التفت رأس ماثياس إلى الجانب. التفت إليها مرة أخرى، مذهولاً. لكن النظرة في عيني أوليفيا لم تكن غضباً. كان حزناً خالصاً لا تشوبه شائبة.

"أنت؟" همست، والدموع تنهمر أخيراً على خديها. "أنت يا ماثياس؟ فعلت هذا بي؟"

لم يكن هذا هو الغضب الذي توقعه. بدت صغيرة جداً، هشة جداً، وكأنه وصل إلى صدرها وأطفأ آخر شمعة تومض في عالمها.

تعليقات

المشاركات الشائعة